أضحى الابتكار أحد أهم مؤشرات التقدم في أي دولة، وهو الشيء الذي وضعته وزارة التربية والتعليم في الاعتبار ضمن منظومة التعليم في دولة الإمارات، بما يتماشى مع رؤية القيادة وتطلعاتها الوطنية، حيث تم تنويع الأساليب التدريسية والمواد التعليمية والمناهج المتخصصة التي تعزز من مهارة الابتكار، لتكون أكثر عصرية ومطابقة لتوجهات الدولة في تخريج أجيال مبتكرة ومبدعة.
وأكد تربويون ومهتمون بمجال الإبداع والابتكار لـ«الخليج»، اهتمام وحرص الدولة وقيادتها الحكيمة على خلق البيئة المناسبة والمشجعة للعمل والإبداع والتميز في كل المجالات، مشيرين إلى أن دولة الإمارات، سبّاقة في السعي إلى التميّز؛ فقد تبنّت ثقافة الابتكار واعتمدتها في جميع مفاصل الحياة.
وأكدوا اهتمام الوزارة بالبرامج والمبادرات التي تعزز الابتكار والإبداع في المدارس، وتطوير أداء المعلم، باعتباره حامل الرسالة ومقدمها، وأن دوره المحوري يجب أن يتمثل في التحفيز على الإبداع والابتكار، وحل المشكلات، والتفكير، وتنمية مهارات التواصل.
أكد الدكتور عادل الهاشمي عضو مجلس الإدارة والعضو المنتدب في جمعية الإمارات للإنترنت الآمن، أن الإبداع والابتكار اليوم أصبحا أساسيين في تمكين الطلبة من مواجهة تحديات المستقبل، وما يحمله من تخصصات علمية جديدة، ومواكبة المتغيرات العالمية والتطور التكنولوجي الذي نشهده يومياً، وهو ما يتطلب تكييف المناهج الدراسية بما يتناسب وثورة التكنولوجيا الرقمية، ويلبي متطلبات التجديد والتطور التربوي، بما في ذلك الارتقاء بالممارسة التعليمية وتطويرها من شكلها التقليدي، القائم على الحفظ والتلقين وتقييم التعلّم بناء على معايير وأهداف موضوعة مسبقاً، إلى نهج تربوي حديث يركز على المتعلم باعتباره محور العملية التعليمية، مشيراً إلى أن المعلم هو حامل الرسالة ومقدمها، ودوره المحوري يجب أن يتمثل في التحفيز على الإبداع والابتكار، وحل المشكلات، والتفكير خارج الصندوق، وتنمية مهارات التواصل، واستخدام التقنيات التعليمية الحديثة، وإثارة خيال طلابه من خلال التعلم الفاعل.
برامج ومبادرات
وقالت الدكتورة نجلاء النقبي، خبيرة تقنيات التعليم التربوي ومديرة برنامج التعلم الإلكتروني في دائرة التعليم والمعرفة، إن هناك برامج ومبادرات تعزز الابتكار في مدارسنا على مستوى الدولة، وتخلق متعة العلم والتعلّم للطلبة، وتثير فضولهم واهتماماتهم تجاه العلوم والتكنولوجيا، مشيرة إلى أن اهتمام الطلبة بموضوعات العلوم والرياضيات يعد أقوى مؤشر على اختيارهم المستقبلي لممارسة مهنة في مجال العلوم والتكنولوجيا، وقد أظهرت الأبحاث أن هذا الاهتمام يعتبر أكثر أهمية من محصل إنجاز الطالب وعلامات الاختبارات.
وأضافت، أن دائرة التعليم والمعرفة، وضعت مجموعة من المبادرات الاستراتيجية للمساهمة في تحقيق رؤية القيادة الرشيدة، وفي تحويل أبوظبي إلى وجهة رئيسية للابتكار، إضافة إلى التنسيق مع الجهات الحكومية في أبوظبي لعرض مبادراتها وابتكاراتها الموجهة لخدمة المجتمع خلال فعاليات مهرجان أبوظبي للعلوم ومعرض «مبتكر» الذي ينطلق سنوياً في شهر فبراير/ شباط، لكي تتمكن الجهات الحكومية وأفراد المجتمع، من الاطلاع على الابتكارات في مجالات متنوعة، وتُسهم في ذات الوقت، في خلق بيئة مُناسبة ومُشجعة على العمل والإبداع والتميز.
وأكدت أنه مع التركيز على وجود التكنولوجيا في طليعة التعليم الحديث تقوم مسابقة «برمج فكرتك»، التي تعد فرصة لإبراز مواهب طلاب مدارس أبوظبي ومهاراتهم في التفكير والابتكار وإنشاء تطبيقات وبرامج مختلفة، على سبيل المثال وليس الحصر، الألعاب التعليمية، والتطبيقات العلمية والثقافية وتطبيقات الهواتف الذكية، وأدوات المواقع الإلكترونية، وكلها تخدم المنظومة التعليمية، مشيرة إلى أن المسابقة تتمحور حول مفهوم التصميم وإنشاء التطبيقات التي تركز على مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات، في سبيل تشجيع فئة الشباب في الدولة على الاهتمام بتعلم هذه المجالات من خلال استغلال شغف الطلاب للتفكير الإبداعي، من خلال تطبيقات العصف الذهني، الألعاب التعليمية، إضافة إلى الأدوات على شبكة الإنترنت.
مهرجان العلوم
وقالت نعمة المرشودي، مديرة المحتوى في مشاريع الابتكار في دائرة التعليم والمعرفة، إن مهرجان أبوظبي للعلوم معرض مبتكر، بمشاركة عدد من الجهات في الدولة يعزز الرغبة في تعلم موضوعات العلوم، التكنولوجيا والابتكار، كما يحفز خيال الطلبة من مختلف الفئات العمرية مع تشجيع اهتماماتهم في المواضيع التي تركز على قطاعي التكنولوجيا والعلوم.
وأشارت إلى أن المهرجان جاء ليسهم في دعم الإصلاحات التعليمية، ويتكامل مع مناهج العلوم في المدارس.
فرصة المشاركة
وقالت الدكتورة لولوة المرزوقي مديرة برامج المشاريع الخاصة في دائرة التعليم والمعرفة، إن مبادرة «توك شوب أبوظبي» جاءت لمنح الطلبة الموهوبين والفائقين فرصة المشاركة العملية في أنشطة مبتكرة ضمن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والفنون، وذلك في بيئة إبداعية عملية ممتعة، وتأتي تحت مظلة «معرض مبتكر» الذي ينطلق بالتزامن مع مهرجان أبوظبي للعلوم، الذي يعتبر الحدث التفاعلي الذي يعرض الاختراعات الملهمة والمتفردة التي قام بإنشائها المبدعون في مجتمع الإمارات، حيث يتم عرض أكثر من 200 نموذج مبتكر في كل عام من خلال معرض «مبتكر» الذي يشهده 10 آلاف زائر تقريباً سنوياً. وأضافت أنه تم تصميم مبادرة «تك شوب» أبوظبي لتكون محطة ألعاب تجمع الأدوات والمعدات اللازمة لتنفيذ الأفكار الإبداعية، حيث يتمكن الزوار من الطلاب الموهوبين والفائقين من استخدام المواد والتقنيات المتوافرة في المنشأة مثل القاطعات الليزرية، ومختبرات البلاستيك والإلكترونيات، وورش الآلات، وورش أعمال الخشب، وورش الأعمال المعدنية، وأقسام أعمال الأقمشة، ومحطات اللحام، وآلات الفرز التي يتم التحكم بها بواسطة الكمبيوتر لتنفيذ أفكارهم الابداعية بتوجيه من الخبراء المهرة.
روبوت
وأكدت معلمة الروبوت غادة محمد، أن أندية الروبوت في مدارس أبوظبي ساعد على زيادة أعداد الطلبة المهتمين بالروبوت، واتقن العديد منهم مهارات تصنيع الروبوت وابتكار ربوتات متعددة تؤدي وظائف مختلفة، حيث تُعد تلك الأندية مراكز متكاملة من حيث المعدات والتكنولوجيا والمرشدين العلميين، وتهدف إلى دعم وتشجيع الطلاب على الابتكار والإنتاج المعرفي، وتحفيزهم على المشاركة في مسابقات الروبوت الدولية، مشيرة إلى أن مشاركات الطلبة في مسابقات أولمبياد الروبوت العالمي شجعتهم على امتلاك المهارات المطلوبة في القرن ال21، كما أن إدخال علم الروبوت في المنهاج المدرسي، وتدريب المعلمين في هذا المجال ساعد على إيصال فكرة ومفهوم الروبوت إلى الطلاب، ومساعدتهم على اكتشاف حلول للمشكلات باستخدام الرياضيات.
برنامج «لِمَ؟»
ومن ضمن البرامج التي تحفز الطلبة على الابتكار والإبداع تنفذ دائرة التعليم والمعرفة منذ عام 2012 برنامجاً بدعم من الراعي البلاتيني، شركة «مبادلة»، حيث قالت فاطمة الزعابي مديرة المشروع إن برنامج «لِمَ؟» يقوم بتنظيم ثلاث جولات مدرسية لمدة ستة أسابيع خلال العام الدراسي، يسعى من خلالها للوصول إلى الطلاب من الصف الثالث وإلى الصف السابع في مدارس إمارة أبوظبي ومدينة العين ومنطقة الظفرة الحكومية والخاصة، وقد نجح البرنامج خلال الفترة من سبتمبر 2017 إلى مايو 2018 بالوصول إلى 66894 طالبا وطالبة من خلال ورش العمل والعروض التفاعلية باللغتين العربية والإنجليزية، مسجلاً أعلى نسبة حضور منذ انطلاقه قبل ست سنوات.
وأضافت الزعابي أن برنامج«لِمَ؟» شهد نمواً كبيراً في معدل مشاركة المدارس والطلبة في العام الدراسي الماضي، ما يدل على فعاليته وكفاءته في زيادة الاهتمام بالمواد العلمية الأساسية وتأمين الأدوات والسبل التربوية الخاصة لتفعيل دور الطلبة في المجتمع بشكل كامل، وذلك بمساعدة مجموعة مميزة من المرشدين العلميين المتخصصين في إيجاد طرق مبتكرة لتقديم ورش عمل وعروض تفاعلية ممتعة غنية بالمعلومات تحفز الطلاب على المشاركة.
تشجيع القراءة
وأكدت معلمة اللغة العربية انتصار علي، ضرورة أن تعمل الأجهزة التعليمية في كل المدارس على تشجيع القراءة والاطلاع بين الطلبة، باعتبارها أساس المعرفة، كما أنه لابد أن يكون المدرس شغوفاً بمحتويات المناهج الدراسية، وأن يهتم بالطالب، وأن المدرس الجيد والناجح هو القادر على إحداث التغيير الإيجابي في نفس الطالب، ويدفعه إلى التطور والتميز، مشيرة إلى أن عملية تطوير التعليم تنطلق من 3 أمور: المدرس، الطلبة والمناهج، وإن عدم قياس الدرجات الدراسية على مدى قدرة الطالب على الابتكار والإبداع، فالدرجات لا تعني شيئاً، والكثير ممن يحصدون درجات متدنية مبدعون ولديهم أفكار مبتكرة.
رياضة ذهنية
وأشار فيصل الدرمكي اختصاصي مسرح مدرسي، إلى أن الإبداع بات لغة العصر، ولم يعد فيه مكان للنمطيين في أحلامهم وطموحاتهم، وطرق تفكيرهم، فنحن في عصر تتسارع فيه وتيرة الحركة في كافة الاتجاهات، وعلى مختلف الصعد، ولأن التفكير رياضة ذهنية تنمو وتزدهر ينبغي رعايتها وتعميقها وصقلها، فلابد أن يكون ذلك منذ مراحل التعليم الأولى حتى يصبح الإبداع والابتكار جزءاً من النشاط اليومي للطالب.
التقاط الأفكار
وقال خالد السعيدي القائم بأعمال مدير مدرسة عبد الجليل الفهيم، إن الابتكار يجعل للحياة معنى، ويجعل صاحبة يعيش دائما تجارب هو ذاته لم يتوقعها، كما أنه لا يرتبط بسن محددة ولا بزمان ولا مكان، وكل ما يحتاج إليه طلابنا أن يجدوا الفرصة التي تتاح لهم، لتنويرهم والأخذ بأيديهم، كما أنهم يحتاجون إلى من يلتقط أفكارهم ويدفع بها، لافتاً إلى أن المبدعين هم من تدين لهم البشرية جمعاء، وهم رأس الحربة في مسيرة البناء.
وقالت هاجر الحوسني موجهة الخدمة الاجتماعية، إن مفهوم الإبداع والابتكار أضحي محط اهتمام الأكاديميين والتربويين في كل المؤتمرات التعليمية عربيا وعالميا، ويكمن التحدي اليوم في كيفية تطبيق هذه الأفكار والتوصيات على أرض الواقع، وفِي طرق تعديل المناهج الدراسية بما يتناسب ومخرجات الثورة الصناعية الرابعة، وتطوير العملية التعلمية بناء على معايير وأهداف شاملة ومتكاملة بهدف الوصول إلى منهج تربوي حديث يحفز الإبداع والابتكار في المدارس ويشجع التفكير النقدي لدى الطلبة.