للضوء الطبيعي دور كبير في تنظيم حياتنا اليومية، وفي إمداد أجسامنا بالطاقة التي تساعدنا على الاستيقاظ بحيوية، وممارسة أعمالنا بنشاط .
كما يعتبر الضوء أحد العناصر المهمة لاستمرار الحياة، وبدونه يختل توازن الإنسان ويفقد الحياة، لكن مع التقدم والتطور الهائل الذي ساهم في إدخال الكهرباء إلى حياتنا، تعددت مصادر ووسائل الإضاءة، وأصبح استهلاكها يفوق الحد الطبيعي .
أصبحت الإضاءة الصناعية أكثر استخداماً وفي جميع الأوقات، ما جعلها تؤثر وبشكل كبير في صحة الإنسان من خلال إحداث خلل بساعته البيولوجية والتسبب بأمراض نفسية وجسدية، حيث كشفت الأبحاث العلمية الصادرة حديثاً أن الإضاءة الصناعية مسؤولة عن مجموعة من هذه الأمراض، بل إن بعض الدراسات وجدت أن التعرض المفرط للضوء الصناعي في الليل يزيد مخاطر الإصابة بالسرطان .
وما سبق ذكره لا يعني أن أي ضوء صناعي سيئ، إذ يقول الخبراء إننا بحاجة فقط لضبط توقيت استخدامه بطريقة مختلفة .
دراسات وتحذيرات
تحذر دراسات حديثة من أن الضوء المنبعث من شاشات التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر بأنواعها والهواتف الذكية قد يربك النوم، ويزيد خطر الإصابة بأمراض مثل البدانة وأمراض القلب والاكتئاب .
وتؤكد هذه الدراسات ان التعرض لمثل هذا الضوء بعد هبوط الظلام يمكن أن يحرم الشخص من النوم ما ينجم عنه مشاكل صحية . ويقولون إن التحديق في الشاشات الساطعة ليلا يشوش على التناغمات الطبيعية للجسم ويزيد خطر الحالات الطبية المرتبطة بقلة النوم، ومنها السكتة الدماغية .
وما يعزز هذه التحذيرات توفر الأجهزة الكهربائية الرخيصة والمحمولة التي تسهل تصفح الإنترنت وقراءة الكتب ومطالعة وسائل الإعلام الاجتماعية بشاشات متوهجة في أي وقت من الليل، ذلك أن الإضاءة الصناعية يمكن أن تعيق الراحة الجيدة ليلا وتخمد نشاط الخلايا العصبية التي تستحث النوم وتنشط تلك المتعلقة بالسهر وتقمع هرمون النوم "الميلاتونين" . وكل هذه الأشياء مجتمعة تصد الساعة الطبيعية التي تراقب دورة نوم ويقظة الجسم .
ومؤخراً نشرت مجلة "علوم الأعصاب" نتائج دراسة ذكرت أن حيوانات الهامستر (وهي نوع من القوارض) التي تعرضت لضوء أزرق في الليل باتت أكثر كآبة . ولاحظت الدراسة أن الضوء الأحمر كان تأثيره في المزاج محدوداً . وقال الباحثون إن هذه النتائج قد يكون لها تأثير في البشر، وأوصوا باستخدام الضوء الأحمر الليلي في غرفة النوم .
كما ذكرت دراسات علمية أن التعرض المفرط للضوء في الليل يزيد مخاطر الإصابة بالسرطان .
ومؤخراً كشف بحث أجري على أكثر من 2000 رجل أن العاملين بدوام مناوبة ليلية قد تزداد مخاطر تعرضهم لسرطان البروستاتا .
كما أظهرت دراسة أخرى أن العاملات بدوام مناوبة ليلية تزداد نسبة إصابتهن بسرطان الثدي 60% .
ويقول الخبراء إن من يعملون بدوام مناوبة ليلية ليسوا الوحيدين الذين قد يكونون في خطر .
جفاف الجلد وشيخوخته
وحول أضرار الإضاءة الصناعية على الجلد تقول الدكتورة ثناء ورد اختصاصية جلدية: "إن إضاءة المصابيح "الفلورسنت" سواء الحمراء أو البيضاء، والتي تصدر أيضا من شاشات أجهزة الكمبيوتر وغيرها تحتوي على أشعة كأشعة الشمس، ولها التأثير نفسه، حيث تتسبب بجفاف البشرة وترهلها وتجعدها كما يبدو عليه الحال عند التقدم في السن (الشيخوخة)، إلا أنها غير حارقة، لذلك يفضل عند التعرض للأضوية الصناعية والأشعة المباشرة الصادرة من الأجهزة بوضع واق ومرطبات تحمي الوجه من هذه الأشعة، خاصة للذين يتعرضون لها بشكل كبير ولفترات طويلة" .
وأضافت: "كما يفضل أن يكون في غرفة المعيشة مصدران أو ثلاثة للإنارة وليس أكثر، على ألا يزيد متوسط المدة الزمنية للتعرض للضوء الصناعي المباشر عن 6-7 ساعات، حيث تحتوي الأشعة الصناعية وأشعة الشمس على الأشعة فوق البنفسجية بنوعيها الطويل والمتوسط (uvb-uva)، حيث تستطيع هذه الأشعة نتيجة التعرض الكثير لها بتدمير ألياف بروتين الكولاجين وبالتالي تسريع شيخوخة الجلد، كما يمكنها تحطيم فيتامين "أ" الموجود بالجلد" .
الإصابة بسرطان الجلد
وتنصح الدكتورة ثناء ورد الأشخاص المصابين "بالتحسسات الشمسية" بتوخي الحذر والانتباه من التعرض الشديد للضوء، واستخدام الواقيات الفيزيائية بشكل مستمر والتي تتمثل في "بودرة" تعمل على حماية بشرتهم من التحسس عند التعرض لأشعة، كما يجب الابتعاد عن الواقيات الكيميائية التي تؤثر في البشرة ولا تحقق نتيجة .
وأشارت إلى أن التعرض الشديد لهذه الأشعة قد يتسبب بأمراض سرطانية جلدية في حال توفر العوامل المساعدة على الإصابة والتي تشمل:
* الاستعداد الوراثي
* بياض البشرة
* الإصابة بحرق شمسي سابقا .
* وجود شامات كثيرة ومتعددة وغير نموذجية ومشبوه بها .
* حدوث تغيير حديث عند كل شامة، كضخامة أو زيادة في الحجم خلال فترة قصيرة .
* حدوث نزيف دموي غير مضر، التهاب مكانها بشكل مضر وتغير لون الصباغ فيها بشكل حاد وتغير حوافها خلال فترة قصيرة .
ونصحت الدكتورة ثناء المعرضين للأشعة بشكل مطول تجنب أشعة الشمس والإضاءة الصناعية الشديدة ولفترة طويلة، ووضع الواقيات اللازمة والتي يكون فيها عامل sbf أكثر من ،30 ووضعها قبل نصف ساعة من التعرض وكل 4 ساعات مع استمرار التعرض، وتجنب أشعة الشمس التي تكون بين فترة الظهر من 11 إلى 4 خاصة في فصل الصيف، واستخدام المرطبات بشكل مستمر، وأكدت أن كل شامة يحدث فيها تغيير يجب التوجه لاستئصالها .
اضطراب الحالة النفسية
من جهته قال الدكتور رعد الخياط اختصاصي طب نفسي: "من البديهي أن حاسة البصر هي من أهم الحواس التي وهبها الله لنا، وان عملية الإبصار هي من أساسيات الحياة والحاجة إليها ماسة في كل نواحيها ومجالاتها، وقد جعل الله الشمس المصدر الطبيعي الرئيسي للضوء والطاقة وبذلك لا حياة ولا حركة بدونها، لتكون الإضاءة الطبيعية هي الأساس في حياتنا داخل المنزل وخارجه وأثناء العمل وبعده، ومع تقدم العلوم التطبيقية والتقنية أصبحت الإنارة الاصطناعية والمتمثلة في أنواع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية المختلفة والمتنوعة والتي لا تتوقف عند حد معين أو نموذج مخصوص بل أصبحت مفتوحة على مصراعيها لكل جديد ومبتكر، والتي أحاطت حياتنا من كل جانب بأنواع كثيرة من الأجهزة والتي أصبحت جزءا من حياتنا اليومية إذ لا مناص منها ولا مهرب بعد أن دخلت كل تفاصيل حياتنا" . وأضاف: "إن التعرض المستمر في الليل إلى الإنارة الاصطناعية وخاصة تلك المنبعثة من التلفزيون والكمبيوتر والأجهزة الأخرى، قد تسبب اضطراب المزاج والمتمثل بحالة الاكتئاب، خاصة أن الأغلبية من الناس لا يأبهون أو يكترثون لهذا التعرض كما أنه يمكن عكس هذه الآثار السلبية عبر التعرض إلى الإنارة الطبيعية لمدة كافية من الزمن ما يؤكد هذا التأثير، ولكن من الممكن زواله والتغلب عليه .
التأثير في الجهاز العصبي
وأكد أن هناك رابطاً قوياً بين تكرار الليل والنهار وتعاقب الضياء والظلمة وبين دورة اليقظة والنوم في حياتنا اليومية، وعلاقة ذلك بناقلات الحوافز في جهازنا العصبي المركزي، والتي ثبتت علاقتها بحالتنا النفسية في حالتي التوازن والاضطراب، وكذلك هورمونات الجسم وبالخصوص منها هورمون الميلاتونين الذي تفرزه الغدة الصنوبرية في الدماغ وعلاقته بالساعة البيولوجية في الجسم، حيث يزداد ليلا ويقل نهارا وكذلك علاقته بالمزاج .
وأشار إلى أن الأبحاث لم تقتصر على الإنسان فقط بل امتدت إلى الحيوان كذلك، حيث لوحظ أن الفئران إذا تعرضت إلى الضوء الاصطناعي طوال فترة من الزمن تصل إلى أربعة أسابيع فإن ذلك يؤدي إلى ظهور علامات تماثل الاكتئاب كالامتناع عن تناول ما كانت تحبه قبل ذلك .
وقال: "إن التعرض إلى الإنارة الاصطناعية ليلا قد يؤدي إلى مضاعفات وامتدادات نفسية وسلوكية عميقة تترك أثرها في حياة الإنسان، وخلاصة القول أن كل جديد في عالم التكنولوجيا ليس نافعاً ومفيداً بدون سلبيات أو مساوئ، بل لابد من حسن الاستعمال وترشيده دون إسراف مع توخي الحذر والنظر في العواقب .
حروق في القرنية
من جهته قال الدكتور إياد جبور اختصاصي أمراض وجراحة عيون: "لا توجد تأثيرات مضرة للاضاءة الصناعية على صحة العين اذا تم التعرض لها بالشكل المناسب، ولكن التعرض بشكل كبير لأشعة الشمس خاصة في فصل الصيف ووقت الظهيرة أو انعكاس هذه الأشعة من على الأسطح قد يتسبب لفترات طويلة بحروق بسيطة ومزعجة لسطح القرنية ما يؤدي إلى الشعور بآلام شديدة في العين، فرط في الدموع، الإحساس بوجود جسم غريب في العين، وذلك يحدث غالبا عند الذهاب إلى البحر والتعرض الزائد لأشعة الشمس، لذلك ينصح باستخدام النظارة الشمسية" . وأضاف، أما أشعة الليزر المستخدمة في علاجات الجلد وإزالة الشعر، فتعتبر مضرة وغير آمنة، ويجب على من يتعرض لهذه الأشعة من المرضى أن يرتدي النظارات الواقية حتى لا تتسبب له بحروق في شبكية العين، وعادة ما يرتكب الشخص خطأ في فتح عينه أثناء التعرض لهذه الأشعة دون الوعي بخطورتها ما يتسبب له بضرر في الشبكية . وأوضح الدكتور إياد أن ضرر مصادر الإنارة الصناعية القوية جداً يماثل ضرر أشعة الشمس القوية، وأن التعرض لها لفترات طويلة يؤدي إلى إجهاد وإرهاق للعين، كما أن التعرض للضوء القوي لسنوات طويلة قد يؤدي إلى الإصابة بالمياه البيضاء، لذلك ينصح الأشخاص الذين يستخدمون الإضاءة الصناعية بشكل مستمر كالطلاب، والموظفين وغيرهم التقليل من فترات التعرض لها، وأن يتم استخدام المصابيح البيضاء التي تكون أقرب لضوء النهار عوضا عن الصفراء، ووضع المصباح على جهة اليسار بإضاءة متوسطة حتى لا تؤثر في القدرة البصرية .
هل يحتمل أن يكون الضوء الصناعي مؤذياً؟
أجاب عن هذا التساؤل البروفيسور ريتشارد ستيفينز الاختصاصي في تأثير النوم في صحة البشر بجامعة كونيتيكت بالولايات المتحدة بقوله: "لم تدخل الكهرباء حياتنا إلا في فترة متأخرة نسبياً، وضوء الكهرباء لم يستخدم على نطاق واسع إلا في ال 100 عام الماضية أو نحوها بالرغم من أن الحياة العصرية بدأت منذ مئات السنين" .
وأضاف البروفيسور ستيفينز قائلاً: "إن التعرض للضوء الساطع بعد الغروب يعد من المحدثات غير الطبيعية . وحتى وقت قريب نسبياً لم يكن لدينا هذا الضوء، وهذا أربك آليات عمل "ميكانيزمات" أجسامنا الداخلية" .
وآلية العمل "الميكانيزم" الرئيسية التي أربكها الضوء الصناعي هي ساعتنا البيولوجية "أو ما يعرف بالنظم اليوماوي" . وهذه الآلية تضمن شعورنا بالنعاس واليقظة في وقتها الصحيح أثناء اليوم بضبط إفراز سلسلة من الهرمونات . وهي مهمة في التحكم بوظائف الجسم أيضاً مثل عملية استقلاب الدهون، وضغط الدم وسكر الدم على سبيل المثال .
وأي شيء يمكن أن يربك الساعة البيولوجية ويخرجها من نظامها قد يؤدي لتأثيرات خطرة . فإضافة للسرطان، تذكر دراسات، أن إرباك الساعة البيولوجية قد يزيد مخاطر الإصابة بالسكري، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، ومشاكل القلب والاكتئاب .
وإلى الآن، لا يدرك العلماء لِم يؤدي مثل هذا الإرباك لعواقب مثل هذه، ولكن توجد بعض النظريات المفسرة منها واحدة تركز وفقاً للبروفيسور ستيفينز على هرمون الميلاتونين . وهذا الهرمون يحفز أحاسيس النعاس ويطلق أثناء الليل، ويصل لقمته في حدود الساعة 2 فجراً، بيد أن الضوء يمنعه من الانبعاث .
ويجادل علماء آخرون ويقولون إن أي إرباك في الساعة البيولوجية يحفز إطلاق ما يعرف بهرمونات القلق، وهذه الهرمونات تزيد مخاطر الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى .
الضوء الأزرق والأحمر
يرى البروفيسور ريتشارد ستيفينز الاختصاصي في تأثير النوم في صحة البشر بجامعة كونيتيكت بالولايات المتحدة أن الضوء الأزرق هو الأكثر ضرراً على صحة البشر موضحاً انه ينتج بمقادير ضخمة من المصابيح وشاشات الكمبيوتر، وقال ان شاشات التلفزيون تبعث بعض الضوء الأزرق لكنه ليس بكثافة الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الكمبيوتر . وبالرغم من أن لون الضوء يبدو أبيض في أعيننا، إلا أنه في الحقيقة يتشكل من طيف من الألوان، والضوء الصناعي يتسم بمقدار كبير من الضوء الأزرق . وهذا الضوء الأزرق يبدو أنه يلعب دور الساعة المنبهة، فهو يقلل مستويات الميلاتونين في أجسامنا، ويجعلنا نشعر بيقظة أكبر .
ويقول البروفيسور ستيفينز: "يبدو الضوء الأزرق كما لو أنه طريقة الطبيعة للقول: استيقظ، لقد حان وقت الصباح" .
وتبدأ المشاكل حينما نضيء المصابيح، فهذه المصابيح "أو اللمبات" تطلق مقداراً كبيراً من الضوء الأزرق، وبالرغم من أن هذا الإطلاق لا يصنع فارقاً خلال اليوم، وقد يعتبر ميزة إيجابية لأنه يعزز الانتباه، إلا أنه في المساء قد يوقف إفراز الميلاتونين في الجسم، وهذا يعني أننا قد نشعر باليقظة لفترة طويلة .
ويشير البروفيسور ستيفينز إلى الحاجة لإجراء مزيد من الدراسات للتحقق مما إذا كانت التغييرات في الجسم الناجمة عن الضوء الصناعي تسهم فعلاً في زيادة مخاطر الإصابة بالأمراض .
ويقترح الدكتور ستيفينز استخدام الضوء الخافت بقدر المستطاع في الأمسيات، خاصة في غرف النوم .
وتذكر بعض الدراسات أن المصابيح ذات الضوء الأحمر، تتسم بتأثير صحي أقل ضرراً في ساعتنا البيولوجية .
وينصح الخبراء بتعديل درجة الضوء على مدار اليوم، فإذا كنت، على سبيل المثال، ترغب في الشعور باليقظة والانتباه في الأوقات الصباحية، فمن الأفضل أن تستخدم إضاءة "الفلورسنت" الساطعة، ولكن في المساء حينما لا ترغب في الشعور بالانتباه قلل الإضاءة واستخدم مصابيح تحتوي على ضوء أزرق أقل .
ويدافع البروفيسور رسل فوستر، أستاذ علوم الأعصاب في جامعة أوكسفورد عن استخدام الضوء الخافت في المساء . ويقول: "أسعى دوماً لإبقاء الإضاءة في أدنى درجة ممكنة، نحو 30 دقيقة قبل الذهاب للفراش . وآخر شيء يقوم به غالبيتنا قبل النوم هو الوقوف في غرفة ذات ضوء ساطع وتنظيف أسناننا بالفرشاة . ولكن هذا الضوء سيزيد مستويات الانتباه وبالمقابل يؤخر النوم" .