عشت حالة من التفكير والحيرة بشأن كلمتي الحزن والسعادة. وتساءلت لماذا نعيش السعادة لحظات وربما ساعات، ونعيش الحزن عمراً طويلاً؟ لماذا نحس بالمرارة أكثر بكثير من السعادة؟ لماذا لا يدوم طعم الحلو في فمنا كثيراً بالمقارنة مع طعم كل ما هو مر والذي يبقى ساعات وساعات طوالاً ولا نعرف كيف نمحوه، وأيضاً أتساءل من منّا عاش طوال عمره سعيداً، ومن منّا قضى عمره بلا لحظة ألم؟
من الممكن أن يعيش الإنسان طوال حياته في حالة تألم وحزن والعكس غير ممكن، فما معنى الألم؟ وهل سألتم أنفسكم يوماً هذا السؤال؟ وحتى إذا سألتموه، فالرد واحد ومتشابه، فكل منا يرى الألم من وجهة نظره. بعضنا يراه في أنه لا يجد في هذا الكون الفسيح من يفهمه أو يقدر مشاعره أو حتى من يقدره كإنسان، والبعض الآخر يراه في صورة أشخاص يدخلون حياته لأجل مصلحة وبمجرد الحصول عليها تجدهم يخرجون من هذه الحياة كأنهم لم يدخلوها، وهناك من يرى الألم في تجربة مرّ بها، وبعد أن انتهت بدأ يكتشف أخطاءه فيها، وهذا لا شك أصعب من اكتشافه أخطاء من شاركوه التجربة. وثمة من يراه كله في افتقاد كلمة حنان ومودة، يبحث عنها عند أهلها فلا يجدها فيضطر مرغماً إلى البحث عنها بعيداً، فإما أن يجدها عند أشخاص صادقين لا ينتظرون ثمناً لها فيستريح، وإما أن يجدها عند أشخاص كل شيء عندهم بثمن، وهو مرغم على دفع هذا الثمن مقابل هذه الكلمة، حتى وإن كان غالياً.
هناك صور كثيرة للألم، ولكن المعنى الحقيقي هو ماتراه أنت وما تعيشه وما تحسه لا ما يحسه الناس أو ما يشعر به الآخرون، وخير علاج لهذه الحالة اللجوء إلى الله والبعد عن مواطن الذكرى حتى لا يزيد الألم.
وأما التطبع بالسعادة، فهو اتخاذ السعادة رفيقاً ولو لم تكن تملك مفاتيحها. فالإنسان في ذاته عبارة عن مشاعر وأحاسيس متى ما عودتها على أمر اعتادت عليه، سواء أكان خيراً أم سعادة أم ألماً وبؤساً وشقاء. والألم النفسي أشد تأثيراً في الإنسان من الألم الجسدي إن لم نتعايش معه ونتقبله تماماً مثل بعض الأمراض التي نصاب بها ونتعايش معها، كالسكري والضغط، وكذا الألم النفسي، لا بد من وضع برنامج وطريقة نتعايش معه بها حتى لا يؤثر في مستقبلنا وحياتنا، وأن نضع له حيزاً صغيراً لا يتعداه حتى لا يغلب على قالبنا.
وخير دواء في حالة الألم البعد عن التفكير المستمر فيه وإشغال النفس بما فيه فائدة، والتعايش مع الناس لمقارنة هموم الناس وهمومنا، وأنهم متعايشون مع الألم بلا تذمر ولا تعب، وهذه حال الدنيا إن لم تكن قوياً كفاية أمام الألم وتهزمه هزمك الشيطان.
منذ أيام قرأت نصيحة لأحد الحكماء تقول: السعادة في بيتك فلا تبحث عنها في حديقة الآخرين. نعم السعادة في متناول أيدينا لكننا غالباً ما نغفل عنها، بل وننظر إلى ما لدى الآخرين على أساس أن بلوغ ما عنده هو منتهى السعادة. نحن دائماً لا نرضى بما في أيدينا، بل ننظر إلى ما عند الآخرين ونتمنى ما في حوزتهم، بينما معجزة السعادة تكمن في مواصلة حب ما نملك والحفاظ عليه بدلاً من ضياع العمر في تمني ما قد يكون تعاستنا إن نحن حصلنا عليه. والرضا والقناعة نفسها سعادة، وبدلاً من أن نحصي النعم التي حرمنا منها، فلنحصِ النعم التي أنعم الله بها علينا فنتأكد أن عطاء الله كله خير، سواء كان خيراً أم شراً.