الماء وقود الفضاء في المستقبل

اكتشافه على سطح القمر تطور جديد
03:28 صباحا
قراءة 5 دقائق
إعداد: محمد هاني عطوي

لا شك أن الشغوفين باستخراج المعادن من سطح القمر شعروا بسعادة غامرة خلال الأيام الماضية عندما أعلن الباحثون أنهم وجدوا أدلة قاطعة على وجود جليد مائي على سطح القمر، بل إن وجود جليد الماء هناك أكثر مما كنا نظن فضلاً عن أننا بتنا نعرف بالضبط مكان وجوده. وقد تؤدي عملية استخراج الماء إلى إعادة استكشاف القمر بشكل جدّي في المستقبل.
وقبل وقت طويل من هذا الاكتشاف، كان الباحثون حريصين على جمع أي دليل يشير إلى وجود مياه على سطح القمر. فالماء مورد يمكن أن يكون ذا قيمة كبيرة جداً بالنسبة للبعثات المستقبلية طويلة الأمد على القمر لأن الماء ضروري للحياة كما نعلم هنا على الأرض. ومن الممكن إعادة تدويره داخل موئل قمري أو استخدامه للشرب أو الاستحمام. ويمكن أيضاً أن يستخدم لمساعدة النباتات على النمو على سطح القمر، والتي هي ضرورية لتغذية سكان القمر في المستقبل.
ربما يكون التطبيق الأكثر أهمية لمياه القمر هو استخدامه كوقود الصواريخ، فالمكونات الرئيسية للماء - الهيدروجين والأكسجين - هما من أكبر المواد المستخدمة في تشغيل الصواريخ حالياً، ولذا فإن تصنيع وقود للصواريخ من الماء على سطح القمر قد يخفض كثيراً من تكلفة القيام بمهام طموحة في الفضاء. وفي الوقت الراهن، يجب أن تحمل الصواريخ التي تنطلق من الأرض على متنها كل الوقود الذي تحتاجه. ولكن من خلال الاستفادة من جليد القمر، يمكن للصواريخ أن تزود بالوقود بمجرد وصولها إلى الفضاء، مما يسمح لها بالوصول إلى مواقع بعيدة بتكلفة أقل.
وتقول جولي بريس، الباحثة المشاركة في معهد فلوريدا للفضاء: الفكرة تكمن في الحصول على نوع من سلسلة التوريد التي تبدأ خارج الأرض لمنتجات معينة - وعلى وجه الخصوص، المياه كوقود - بحيث يكون من الأسهل بكثير الانتقال إلى الفضاء من جسم إلى آخر.
وتضيف بريس أن الحصول على أي شيء في الفضاء أمر مكلف. وإذا كنت تريد أن يتحرر القمر الصناعي من جاذبية الأرض، فتحتاج إلى الكثير من الوقود الدافع للوصول إلى المدار. والواقع أن معظم وزن الصاروخ عند الإطلاق يتمثل في الوقود. وكلما بلغ الصاروخ أعماق الفضاء احتاج إلى الوقود الدافع وكانت الحاجة ماسة إلى طاقة أكبر لبلوغ مسافة أبعد عن جذب الكوكب. وبالتالي تصبح المهمات في الفضاء الأعمق أكثر تكلفة كلما احتاج الأمر إلى الوقود الإضافي اللازم للوصول إلى الهدف المنشود.ولكن ماذا لو قمنا بدلاً من أخذ كل الوقود الذي نريده من الأرض، بإعادة ملء الخزان بالوقود الموجود بالفعل في الفضاء؟ في هذه الحالة سيصبح السفر إلى الفضاء الخارجي أشبه برحلات بسيطة عبر البلاد.
يقول جورج سويرز، الأستاذ في مدرسة «كولورادو» للمناجم ونائب الرئيس السابق في تحالف الإطلاق المتحد: فقط تخيل لو أنك اضطررت إلى الخروج إلى «دنفر» ولم تكن هناك محطات وقود على طول الطريق وكان عليك حمل كل الوقود معك من نيويورك. من المحتمل أنك لن تستطع فعل ذلك في سيارتك ولكن تقوم بسحب كل الوقود الذي بحاجة إليه في مقطورة صغيرة مثلاً. ولهذا السبب فإن فكرة التعدين القمري مثيرة للغاية حيث يمكن استخراج المياه من القمر، وتكسيره على شكل وقود للصواريخ، ونقله إلى المستودع إما بالقرب من هذا الكوكب أو في مدار منخفض حول الأرض. بعد ذلك، لن نضطر لجعل الصواريخ كبيرة جداً لإيواء كل وقودها بل يمكن أن ترسو ببساطة مع مستودع والتزود بالوقود لرحلات أطول إلى الفضاء.
كان العلماء يحلمون بتحويل المياه القمرية إلى وقود للصواريخ منذ عقود ولكن يبدو أن هذا بات ممكناً مع تزايد الأدلة على أن قطبي القمر قد يكونا أماكن مميزة للتعدين.
ومن المعروف أن هذه الأماكن لا ترى أبدًا ضوء الشمس ولا تصل أبدًا درجات حرارة فيها إلى أعلى من- 250 درجة فهرنهايت. ومنذ ذلك الحين أشارت بعثات متعددة إلى أن الماء قد يكون موجودًا في هذه المواقع. وفي عام 2009، أطلقت وكالة ناسا مركبة فضائية تسمى LCROSS إلى فوهة في القطب الجنوبي للقمر، لمعرفة أي المواد قد تظهر بعد قصف الفوهة. ووجدت ناسا أن حوالي 5 % من المقذوفات عبارة عن مياه.
ومع ذلك، فإن أبحاث نشرتها قبل أيام ( PNAS ) «محاضر الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم» تشير إلى أن بعض مناطق القمر قد تكون تفيض بالماء. وكان باحثون من جامعة هاواي وجامعة براون حللوا بيانات جمعتها المركبة الفضائية Chandrayaan-1 الهندية، وحددوا مناطق الجليد على القمر بقياس مقدار انعكاسية الماء. ورصدوا هذه المواقع بالأشعة تحت الحمراء، ما سمح لهم تحديد ما إذا كان الماء موجوداً في شكل جليد وليس على شكل بخار أو سائل. وتبين لهم أن بعض المناطق على سطح القمر تتكون من 20 إلى 30% من الجليد. واعتمادًا على عمق السطح الذي يوجد فيه الجليد، يمكن أن يكون ذلك وقوداً دافعاً للصواريخ.
ويقول فيل ميتزجر، مختص فيزياء الكواكب في جامعة سنترال فلوريدا ومؤسس مشارك في (NASA's Swamp Works) التابع لمركز كنيدي للفضاء: لا نحتاج إلى التركيز في كل مكان بل فقط على بعض المواقع للحصول على المياه الكافية لتوفير احتياجات النقل الفضائي.

القاطرة الفضائية

من المتوقع أن يوفر مستودع الوقود الذي يتم وضعه في مدار أرضي منخفض فرص كثيرة لأنواع جديدة من البعثات الفضائية. وهي فكرة تتمثل بإيجاد ما يسمى بالقاطرة الفضائية وهي عبارة عن صاروخ في الفضاء، يزود بالوقود باستمرار، لنقل الأقمار الصناعية إلى وجهاتها. وحالياً، فإن الأقمار الصناعية التي تحلق في مدارات فوق سطح الأرض توضع في مدار أوّلي، وبعد قضاء ستة أشهر إلى سنة ترتفع ببطء إلى مدارات أعلى وعلى متنها الدوافع. وخلال هذا الوقت، لا يمكن للقمر الصناعي أداء وظيفته، ولكن مع توفر القاطرة الفضائية، يمكن نشر الأقمار الصناعية في مدارات أقل ارتفاعاً مع صواريخ أصغر، ويمكن لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام موجود بالفعل في الفضاء، أن «يسحب» المسبار إلى مداره النهائي في أيام قليلة، ما سيحفظ أموال مشغلي الأقمار الصناعية لأنهم لن يكونوا بحاجة إلى صواريخ كبيرة لنقل حمولتهم إلى الفضاء.

حملة تنقيب

مياه القمر كوقود تكون ذات فائدة كبيرة، ولكن ليس من السهل استخراج المياه في الفضاء. فأولاً، يجب أن تكون هناك حملة تنقيب موسعة. فبفضل الدراسة التي قامت بها (PNAS)، ابتكر الباحثون أولاً خريطة تبين أماكن العثور على قطع الجليد المملوءة بالماء على القمر. والخطوة التالية هي إرسال مركبات تهبط في هذه المناطق لتحديد أفضل المواقع التي تحوي جليد. ولا يزال العلماء يجهلون ما إذا كان هذا الجليد في صورة ثلج ذائب ممزوج بتربة القمر أو أنه في صورة طوب صلب مدمج مع مواد أخرى. ويقول ميتزجر: نعرف كيفية تصميم المعدات لاستخراجه، لكننا لا نعرف أي المعدات يمكن استخدامها.
وثمة فكرة تتمثل بجمع التربة القمرية باستخدام روبوت حفار ينقل المواد إلى معالج يفصل الجليد عن التربة من خلال التسخين وتفكيك الماء إلى أجزائه الأساسية. وسيستخدم الوقود الناتج لإطلاق بقية المياه من القمر على مركبة نقل، وإرساله إلى مستودع في الفضاء.
ويقول ميتزجر: بالطبع، هذا سيكون باهظ الثمن والأمر يتعلق بتحليل التكلفة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"