لا ينظر الإسلام إلى الزواج على أنه مجرد حق للإنسان يتمتع به حينما يرغب . . بل ينظر إلى الزواج على أنه ضرورة حياة لا يجوز الاستغناء عنه أو التفريط فيه بأي حال من الأحوال .
يقول د . محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر:
من أبرز حقوق الإنسان في الإسلام حقه في الزواج وتكوين أسرة، فمن حق الإنسان أن يتزوج وأن ينجب وأن يكوّن أسرة ولا يجوز لأحد مهما كانت سلطاته في المجتمع أن يحرم الإنسان من هذا الحق .
ويضيف: موقف الإسلام من الزواج واضح كل الوضوح وهو موقف مثالي حيث لا يوجد دين دعا إلى الزواج وحث عليه ورغّب فيه كما فعل الإسلام، وهو لم يفعل ذلك إلا لتحقيق مصلحة الإنسان رجلاً كان أو امرأة ففي الزواج عصمة للشباب من الزلل والخطيئة وحفاظ على خطاه من الانزلاق في وحل المعصية والرذيلة، وفيه حفظ للعين من النظر إلى ما حرم الله، فالنظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله، وفيه حصانة للشرف وحماية للأخلاق . . ثم هو إلى جانب هذا فيه المودة والسكن والرحمة والسعادة والطمأنينة للأسرة والأمان والاستقرار للبيت الزوجي، وانتشار وإكثار للنوع الإنساني وحفظه، وهو طريق العفاف، ولقد أرشد الله تعالى العاجزين عن مؤن النكاح إلى العفة ووعدهم بعد ذلك إن عفّوا أنفسهم بأن يغنيهم من فضله، لأن فضله أولى بأهل العفة الصالحين . قال تعالى: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله . فإذا لم يستطع الشاب الزواج وعجز عن مؤن النكاح فعليه بالصوم فهو أهم وسائل الاستعفاف لأنه يكسر الشهوة والأهواء، وبالصيام يتعود الإنسان على الفضائل والبعد عن الرذائل لأنه يهدف إلى تقوى الله تعالى .
والامتناع عن الزواج غير مشروع، لأن الزواج سنة الله سبحانه وتعالى، وهو يمثل حاجة ضرورية لكل إنسان طبيعي، ولذلك لا يجوز لأحد أن يعزف عنه تحت مبررات واهية، والقدرة على الزواج أمر نسبي، وليس المراد بها كثرة العرض والمال والعقار حتى لا يتذرع كثير من الشباب أو الأكثر من أهل الفتاة بالرغبة في كثرة المال والثراء .
وهنا يحذر د . شامة من الأفكار الخبيثة التي انتشرت بين الشباب والتي تشجع على عدم الزواج هروباً من مسؤولياته، لأن عدم الزواج يعني أن يبحث الشباب من الجنسين عن البديل الحرام للعفة الحلال، وهذا أمر خطير للغاية، ويهدد أمن واستقرار المجتمع، ولذلك ندعو الآباء والأمهات إلى تيسير سبل الزواج على الشباب، والتخلي عن العادات والتقاليد البالية التي تقف في طريق العفاف الكريم .
النهي عن التبتل
ويلتقط الشيخ علي عبدالباقي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر خيط الحديث من د .شامة . . ويقول: الإسلام راعى في هذا الحق حاجة الإنسان، فإذا كان الإنسان لديه غرائز جنسية يريد إشباعها فقد وقف الإسلام دون إرخاء العنان لغريزة الجنس أن تنطلق بغير حدود ولا قيود، لذلك حرم الزنى وما يفضي إليه وما يلحق به ولأنه دين لا يصادم الغريزة ولا يكبتها، فقد دعا إلى الزواج ونهى عن التبتل والخصاء، فلا يحل للمسلم أن يعرض عن الزواج مع القدرة عليه بدعوى التبتل إلى الله أو التفرغ للعبادة والترهب والانقطاع عن الدنيا . . . وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم سلوك بعض أصحابه عندما رأى منهم نزوعاً إلى الرهبانية وأعلن أن هذا انحراف عن نهج الإسلام وإعراض عن سنته عليه الصلاة والسلام، وبذلك طارد تلك الأفكار المرفوضة من البيئة الإسلامية فعن مجاهد قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح فنزلت الآية الكريمة: يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين .
وروي أن بعض الصحابة ذهبوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون أزواجه عن عبادته فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها أي اعتبروها قليلة فقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ . فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر فلا أفطر . وقال الثاني: وأنا أقوم الليل فلا أنام . وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فلما بلغ ذلك النبي بين لهم خطأهم وعوج طريقهم وقال: إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكن أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، ووجه عليه الصلاة والسلام نداءه إلى الشباب عامة فقال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج .
ومن هنا قال بعض العلماء: إن الزواج فريضة على المسلم لا يحل له تركه ما دام قادراً عليه، وقيده غيرهم بمن كان تائقاً إليه خائفاً على نفسه .
يقول الشيخ علي عبدالباقي: لا يليق بالمسلم أن يصد نفسه عن الزواج خشية ضيق الرزق عليه أو ثقل المسؤولية على عاتقه، وعليه أن يحاول ويسعى وينتظر فضل الله ومعونته التي وعد بها المتزوجين الذين يرغبون في العفاف والإحصان يقول تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة حق على الله عونهم . الناكح الذي يريد العفاف، والمكاتب الذي يريد الأداء، والغازي في سبيل الله، وقال أيضاً: من كان موسراً لأن ينكح ثم لم ينكح فليس مني، ونهى الإسلام عن العزوبية لأنها خطر على الفرد والمجتمع، فهي إذا انتشرت في أمة فلا شك أن شبابها وشاباتها سيتجهون إلى المجون والخلاعة .
عقبات في الطريق
وإذا كانت مجتمعاتنا العربية والمسلمة المعاصرة تعاني مشكلة كبيرة في تيسير الزواج فإن مرد ذلك كما تقول د . سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يرجع إلى أسباب مادية ومؤثرات اجتماعية علينا دراستها والعمل على حلها . وأول الأسباب هو غلاء المهور، والقاعدة الأساسية في الإسلام تقول: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، والرسول الكريم قال للرجال في الحديث الصحيح: التمس ولو خاتماً من حديد، لكن الناس في مجتمعاتنا بدأوا يطلبون الآلاف والملايين، وهذا أمر إن رضي به واحد واستطاع لا يقدر عليه الآخرون، فنحن نعلم أن القرآن الكريم يقول: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ولننظر إلى رسول الله الذي زوج رجلاً وجعل صداق زوجته أن يحفظها القرآن، بل زوج الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه للسيدة فاطمة رضي الله عنها وجعل مهرها درع علي، فالمهر يكون بأي شيء له قيمة .
وإن كانت هناك عقبات كثيرة أخرى تقف في طريق إتمام الزواج مثل ارتفاع تكاليف العرس ومسكن الزوجية والظروف الاقتصادية التي يعانيها الشباب نتيجة البطالة وغلاء الأسعار وما شابه ذلك فإن هناك وسائل عديدة يمكن للمجتمع من خلالها تيسير أمر الزواج، أولها دور الآباء وأولياء أمور العروسين بعدم المغالاة في المهور والطلبات والتكاليف الباهظة في الفرح أو تأثيث بيت الزوجية .
وثانيها: دور الدولة ومؤسساتها ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال عن طريق إنشاء صناديق الزواج كما هو الحال في الإمارات والكويت مثلاً وإقامة حفلات الزواج الجماعية والتبرع بالهدايا ومن رجال الأعمال لكل عروسين وهكذا لأن تعسير أمر الزواج وبال على المجتمع كله وبالتالي فإن تيسره واجب على كل قادر .
فإذا ما نجح الإنسان في التغلب على عقبات الزواج وبدأ الخطوات الجادة نحو تكوين الأسرة المسلمة التي ستكون لبنة في بناء المجتمع المسلم فإن الإسلام قد وضع له مجموعة من الأسس والقواعد التي تضمن له حياة زوجية وأسرية سليمة وقوية وأول تلك الأسس كما ترشدنا إليها د .سعاد صالح حسن الاختيار، والقرآن الكريم يؤكد لنا أنه لأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: تنكح المرأة لأربع، لدينها ولمالها ولحسبها ولجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك . ويقول أيضاً: إن الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، وقال كذلك في شأن الرجل: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ثلاث مرات .
فإذا تم الاختيار تأتي بعد ذلك مرحلة التعارف وهي ما يطلق عليها الخطبة فقد جعل الشارع الخطبة مقدمة للزواج لما له من قدسية وأهمية وما يترتب عليه من آثار ونتائج، والخطبة تعبير واضح عن الرغبة في الزواج . ولابد أن تتم الخطبة بالرضا التام والإرادة الكاملة لكل من الزوجين، فلا إكراه لأحد ولا سلطة لرب الأسرة على بعض أفرادها بإلزام الزواج وهذا عدل واجب وحق طبيعي لا غرابة فيه، لذا يقول عليه الصلاة والسلام: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت، فهذا يرسي بناء الأسرة على دعائم وطيدة وأسس راسخة من الحب والرغبة والتفاهم .
رقابة الولي
ولكن هل يحق للمرأة الاستقلال بمباشرة عقد زواجها من دون إذن وليها ورضاه؟ . .
تقول د .سعاد: الإسلام كما اشترط قبول المرأة للزواج اشترط إقناع وليها ورضاه نظراً لأن الفتيات قد يقدمن على الزواج في سن لا تتوافر فيه التجربة الكافية للحياة والمعرفة الدقيقة بشؤون الرجال، فجعل الولي رقيباً على هذا الزواج فإن أحسنت الفتاة الاختيار كان زواجها صحيحاً وإلا كان للولي حق الفسخ لأن آثار الزواج تتعدى الزوجين إلى الأسرة فالمجتمع . فالولي هنا قائد بصير ورائد ناصح، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل . وفي المقابل نهى الإسلام الأولياء عن أن يعضلوا النساء فلا يمتنعوا عن تزويجهن متى كان الخاطب كفؤاً: فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا فإن امتنع الولي عن التزويج بلا عذر مع كفاءة الزوج واستقامة الحال سقطت ولايته وأصبح معضلاً وانتقلت الولاية إلى القاضي .
ثم تأتي مرحلة الإشهاد على هذا الزواج وهذا شرط متفق عليه بين فقهاء المسلمين في كل العصور والغاية منه إشهار الزواج وإعلانه بين الناس فهو الفرق بين الحلال والحرام: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، ويقول الحديث: أعلنوا النكاح ولو بالدف .
ومن الأسس والقواعد التي أرساها الإسلام في بناء وتكوين الأسرة حتى تستقيم الحياة الزوجية تبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين.