د. رشاد سالم *
هناك فرق دقيق بين الكمال والتمام يدق على بعضهم إدراكه؛ فاللفظان وإن كانا يتفقان معجميًّا في الدلالة على معنى واحد هو: إزالة النقص؛ فإنهما يفترقان بعد ذلك؛ إذ يختص الإتمام -كما ذكر بعض المفسرين- بالدلالة على إزالة نقصان الأصل. والإكمال بالدلالة على إزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل.
ولهذا كان قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
[البقرة: 196] أحسن وأبلغ من «تلك عشرة تامة»؛ لأن التمام في العدد قد علم بإضافة الثلاثة إلى السبعة، لكن بقي احتمال نقص في الأوصاف، وهو ما نفاه وصفها بالكمال.
ولهذا يقال: «رجل كامل» إذا كان جامعًا للمناقب وخصال الخير، فهو متكامل الأوصاف، بينما يقال: «رجل تام» إذا كان غير ناقص الطول؛
ف «تم» تُشعر بحصول نقص قبل التمام، و« كمل » لا تشعر بذلك.
ومما يُشعر بوجود الفرق بينهما أنهما
جاءا متعاطفين في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3].
والقاعدة تقول: إن العطف يقتضي المغايرة؛ تغليبًا للتأسيس على التأكيد.
يقول أبو هلال العسكري: (الكمال) اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به... و(التمام) اسم للجزء والبعض الذي يتم به الموصوف بأنه تام؛ ولهذا قال أصحاب النظم: القافية تمام البيت، ولا يقال كمال البيت، ويقولون: البيت بكماله؛ أي باجتماعه، والبيت بتمامه؛ أي بقافيته، ويقال: هذا تمام حقك للبعض الذي يتم به الحق، ولا يقال: كمال حقك.
وعلى أساس هذا الفارق -والله أعلم- أوثرَتْ لفظة «الإكمال» مع الدين؛ وذلك للدلالة على أن أصل هذا الدين -بمعنى الإسلام أو عقيدة التوحيد- هو أساس ثابت لا يحتمل زيادة أو نقصًا في كل الأديان والشرائع السماوية (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19].
ذكر ابن عباس والسّدِّي في تفسير المراد بإكمال الدين من أنه: «اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي بتنزيل ما أنزلت، وبيان ما بينْت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان فيه بالنسخ بعد هذا اليوم».
ولعل مما يؤيد هذا الرأي أن سورة المائدة التي نزلت فيها تلك الآية الكريمة قد جاءت حافلة بتشريع الأحكام في التحليل والتحريم والغسل والطهارة والسرقة والقصاص والخمر... وما إلى ذلك من أحكام، هذا فضلًا عن أن الآية التي نحن بصددها قد صدرت بالنص على بعض ألوان التحريم (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ...).
ولعل مما يؤيده -أيضًا- تخصيص الإكمال بالمخاطبين من المسلمين، ثم إضافة الدين إلى الضمير العائد عليهم (لَكُمْ دِينَكُمْ)؛ ففي هذا وذاك دليل على أن متعلق الإكمال ليس هو أصل الدين الثابت في كل الشرائع السماوية، بل هو ما قررته تلك الشريعة الخاتمة من أصول التشريع والأحكام التي لا تقبل زيادة ولا نسخًا.
أما العدول عن لفظ الإكمال إلى لفظ الإتمام في الآية الكريمة فذلك لأن متعلق الإتمام هو النعمة التي ظفر بها المسلمون تدريجيًّا، حتى أوفت على غايتها عند نزول تلك الآية التي ذكر المفسرون أنها قد نزلت يوم عرفة في حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم بعرفات.
ونحن بذلك نرجح الرأي القائل في تفسير النعمة بأنها نعمة ظهور الدين، ونصر المسلمين على أعدائهم، وأن تمامها كان بفتح مكة ودخولهم لها آمنين ظاهرين.
ولعل مما يدعم هذا الرأي قوله سبحانه قبل ذلك في الآية ذاتها، مخبرًا عما آل إليه أمر الكفار من قهر وإذلال: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ).
وبناءً على ذلك نقول: إن في العدول عن لفظ الإكمال إلى لفظ الإتمام في (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) لفتًا للمسلمين إلى تذكر فضل الله سبحانه في هذا النصر المظفر الذي نالوه بعد أن كان مجرد أمنيات تجول في خواطرهم وتتطلع إلى تحققها نفوسُهم.
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة