صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو أندرس فوغ راسموسن، في كلمة ألقاها في نادي الصحافة الوطنية بالعاصمة الأسترالية كانبيرا يوم 13-6-،2012 بأن حلف الناتو لن يتخلى عن أفغانستان، ولن يخلّف وراءه فراغاً أمنياً . جاء هذا التصريح بالتزامن مع إعلان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يوم 9-6-2012 أن انسحاب القوات الفرنسية المقاتلة من أفغانستان سيبدأ في شهر يوليو/ تموز المقبل، وسينتهي في نهاية ،2012 بعد الهجوم الانتحاري الذي أودى بحياة أربعة جنود في ولاية كابيسا شمال شرقي أفغانستان . وأثار قرار فرنسا مخاوف من احتمال حذو أعضاء آخرين مشاركين في قوة المساعدة الأمنية إيساف التي تعمل تحت قيادة حلف شمال الأطلسي حذوها والإسراع في خطط انسحابها، وجاء بيان مكتب هولاند بتأكيد الانسحاب الفرنسي بعد تزايد العنف في مختلف أنحاء أفغانستان، ومرور عشر سنوات على احتلالها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها . ومازالت أفغانستان تعاني غياب الأمن والاستقرار رغم سقوط نظام طالبان، إذ عجزت الولايات المتحدة وحلفاؤها عن حفظ الأمن، وتوفير الاستقرار، فانفرط عقد الدولة وباتت سيطرتها على العديد من أطرافها وولاياتها معدومة، وأمسى الإنسان الأفغاني خائفاً يعاني يومياً القتل والسلب، أو يدمّر بيته وتهجّر عائلته لأي سبب، وفي معظم الأحيان دونما سبب، فطاحونة الموت تحصد المئات من البشر كل عام، بل لعل عدد القتلى والجرحى والمعاقين الذين حصدتهم الحرب على مدى عشر سنوات، يقدر بالآلاف . ويظهر المجتمع الدولي حتى الآن عاجزاً أمام مهامّ أكثر صعوبة تتمثل في مدى القدرة على الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة، وتواري الخيارات العسكرية لمصلحة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية . وحيث إن الولايات المتحدة تمثل، اليوم، الطرف الدولي الرئيس الفاعل في المعادلة الأفغانية، فإن النقاش الأمريكي عمّا يمكن وصفه بمهمة بناء الدول، يبدو مهماً ومؤثراً . وقد اعترفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، خلال زيارتها الأخيرة إلى إسلام أباد، بأن اتصالات تمهيدية جرت بين واشنطن وشبكة حقاني القريبة من تنظيم القاعدة . وأعلن ريان كروكر السفير الأمريكي لدى أفغانستان أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكنها أن تدير ظهرها لأفغانستان ولن نكرر أخطاء الماضي، إن التزامنا حقيقي ولأمد طويل . وكان الرئيس أوباما قرر أن يبدأ انسحاب القوات الأمريكية العام الماضي، لكن ضعف الدولة، وعدم القضاء على حركة طالبان، وتنظيم القاعدة بشكل قاطع، ترتّب عليه إرجاء انسحاب الولايات المتحدة مع تنامي الأحداث في المنطقة خاصة ملف إيران النووي، وتصاعد قوة حركة طالبان، وغير ذلك من الأسباب المعلنة والخفية، ما جعل الولايات المتحدة تُبقي قواتها، وتضغط على حلفائها للبقاء في أفغانستان، وخاصة أنه من المفترض أن تنقل المسؤولية الأمنية إلى الأفغان في العام 2014 . ولكن هناك اختلافات في وجهات النظر على تعمير أفغانستان، وليس من الواضح حتى إلى أين سينتهي هذا الجدل الأمريكي . وفي الوقت نفسه، فإن تشكيل جيش أفغاني جديد يسهّل اتخاذ قرار بالانسحاب الكامل، بحيث يصبح الجيش الوطني الأفغاني في النهاية قوة تتألف من 60 ألف عنصر، مدعومة بقوة من حرس الحدود قوامها 12 ألف عنصر، وقوة جوية يبلغ تعدادها 8 آلاف عنصر . ولكن من الواضح أن المفاتيح الأساسية للنجاح ستكون المرونة في التعامل مع الظروف الأفغانية الفريدة، وفي الوقت نفسه ضمان انخراط وزارة الدفاع الأفغانية وطاقمها الخاص في الإسناد اللوجستي .
خارج إطار الهموم العسكرية المباشرة، يبدو أن المجتمع الدولي معنِي برفد أفغانستان بالمقومات المادية اللازمة، من أجل تشييد البنية التحتية، وعليه أن يكون جاداً في وعوده والتزاماته منذ المؤتمر الأول الذي عُقد في مدينة بون الألمانية عن مستقبل البلاد . واستضافت بون مؤتمراً جديداً في المدينة نفسها وسط تلاشي الآمال عمّا رُسم من وعود عن مستقبل زاهر لبلاد أنهكتها الاحتلالات الخارجية والحروب الداخلية . وكان المؤتمر قد عُقد بحضور وفود ممثلة لأكثر من مئة دولة من أجل مساعدة أفغانستان، ولكن لم تلتزم جميع هذه الدول بالوفاء بتعهداتها، وتركت أفغانستان غارقة في الفقر، والبؤس والحاجة، بالرغم من موقعها الاستراتيجي خاصة للمصالح الأمريكية والغربية؛ فهي تقع في آسيا الوسطى، وتحدّها كل من طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان من الشمال، وإيران من الغرب، والصين من الشرق، فيما تحدها باكستان من الشرق والجنوب . وتعدّ إحدى نقاط الاتصال القديمة لطريق الحرير والهجرات البشرية . وتبلغ مساحتها نحو 500 .647 كيلومتر مربع، ولديها موارد طبيعية تشمل الفحم، واليورانيوم، والباريت، والرصاص والكبريت . ومن الناحية الدينية، يعد أكثر من 99 في المئة من الأفغان من المسلمين .
لاشك في أن أفغانستان تسير، حتى اليوم، إلى المصير المجهول، وفي مرحلة ما على طريق الصوملة . وأصبحت عبارة بناء الدول شيئاً غير مرغوب فيه، فالدول الغربية ليست مهتمة ببناء أو إعمار هذه الدول التي تعاني حالة استلاب شامل وتدهور متزايد ومتفاقم في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك فإن حركات القلاقل الداخلية مزّقت الوحدة الوطنية إرباً إرباً، وقذفت بها إلى متاهات الفوضى والاضطراب، وولّدت مذهباً قبليّاً ترعرع على اشمئزاز الآخر نحو الأيديولوجيا السياسية المتصارعة التي قد تنجم عنها كارثة، وهي بذلك تضع العالم في مواجهة مرحلة دامية، ربما لم يسبق لها أن شهدتها أبداً في تاريخها القريب والبعيد، وأنها على أبواب لحظة الانكسار الكبرى وصناعة النهاية، ليتحول الوطن بالكامل إلى رماد، مصيراً ووجوداً، بحيث تزول من الخريطة الجغرافية والبشرية .
* كاتب من الإمارات