الكوارث الطبيعية وإدارتها

05:29 صباحا
قراءة 4 دقائق

التغيرات الكبرى التي تحدث في العالم باتت تنذر بحدوث كوارث في كل مكان، فالزحف العمراني لا يتوقف عن التهام المزيد من الأراضي، بسبب ازدياد أعداد السكان المتزايد، وتزايد بناء المصانع المختلفة بالقرب من المناطق السكنية، وانتشار المخلفات الصناعية التي تُلقى في البحار والمحيطات، وزيادة عوادم السيارات والغازات السامة التي تملأ أجواء الأرض فتسمم الهواء، كل ذلك بات يساهم في تلويث البيئة ورفع نسبة التصحر واحتباس المطر، ما يُشكّل الكوارث، الأمر الذي يهدد بقاء المجتمعات البشرية .

ويمكن القول إنه لا توجد دولة اليوم قد تبقى بمعزل عن خطر حدوث كارثة طبيعية . ورغم أن دولة الإمارات آمنة من الأخطار، إلا أن ذلك ليس دليلاً على أنها قد تبقى في منأى عنها، فهذه الكوارث قد تكمن لفترة زمنية- قد تطول وقد تقصر- لكنها تعود إلى الظهور والفعل، ويشمل ذلك الهزات والزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير وسواها . وكلنا نتذكر إعصار جونو الذي اجتاح سلطنة عمان عام ،2007 والذي تأثرت منه بعض أجزاء دولة الإمارات . وهذا الإعصار لم يكن الوحيد الذي ضرب عمان، بل حدثت قبل ذلك أعاصير كثيرة مدمرة في الأعوام ،1906 و،1948 و،1951 و،1959 و،1977 وقطعاً حدثت في القرون الغابرة أعاصير أخرى كثيرة، لكن لا توجد إحصاءات عنها . وأيضاً، فقد حدثت هزات أرضية متتابعة في إمارة الشارقة عام 2009 شعر بها كل السكان، ولا شك في أنها ليست الوحيدة التي حدثت عبر التاريخ . ومن هنا، فإن الكوارث الطبيعية هي أمر قائم، ويجب التعامل معها على أساس أنها قد تحدث في أية لحظة . وإزاء هذا الواقع، تبدو الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، والتي يرأسها سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني، نائب رئيس المجلس التنفيذي، ومقرها في العاصمة أبوظبي، قد أصبحت حاجة مجتمعية لا غنى عنها، كما هو شأن الدول المتقدمة، حيث يوجد في كل منها مراكز للتنبؤ بالكوارث وإدارتها . ولا شك في أن هذه الهيئة باتت تمارس دوراً كبيراً في حماية مجتمع الإمارات من الكوارث المفاجئة، وخاصة أن رئيسها سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، معروف بحسه الوطني، وتشوقه لخدمة أبناء الوطن بكل ما أوتي من قوة وعزم واقتدار وإيمان، وهو يسعى بكل جهده من أجل تفعيل عمل هذه الهيئة .

وقد أكد سموه، في كلمته الافتتاحية لمناسبة إطلاق العدد الأول من مجلة طوارئ وأزمات، على ضرورة تبني ما يمكن تسميته بالتنبؤ الوقائي كمطلب أساسي في عملية إدارة الأزمات، لتفادي حدوث طارئ أو أزمة أو كارثة مبكراً عن طريق صياغة منظومة وقائية تعتمد على المبادرة والابتكار والتدريب . وشدّد على أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على أساليب التصدي المرتجل للكوارث والأزمات .

لذا، فإن التخطيط والاستعداد يسهمان بشكل أساسي في تجنب الكوارث أو - على الأقل - في عدم دفع أثمان باهظة بشرياً أو مادياً أو تنموياً .

وبهذا الصدد، أقيم في أبوظبي، في شهر يناير الماضي، مؤتمر إدارة الطوارئ والأزمات، والذي نظمته الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، وشاركت فيه تسع دول هي: سلطنة عمان، والكويت، والأردن، وأستراليا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية . وقد شكّل هذا المؤتمر نقلة نوعية في سبيل التعامل مع الكارثة أو الأزمة في حال وقوعها .

وقد أصبح لدى الهيئة الوطنية الكثير من الخبرة والمعرفة، على الرغم من حداثة تكوينها، لكن لا بد من القول إن هذه الهيئة يجب أن تكون مجهزة بأحدث أجهزة الرصد والقياس، وأن تتكامل مع إدارة عامة للإنذار المبكر على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، ذلك أن الكارثة الطبيعية تأتي من دون استئذان، في لحظات الغفلة . لكن أهل الخبرة والاختصاص يستطيعون التنبؤ بحدوثها، سواء أكانت زلزالاً أو بركاناً أو فيضاناً وإعصاراً، فمثلاً يستطيع الخبراء من خلال دراسة التربة معرفة طبقات الأرض، خاصة الطبقة التكتونية، ومدى استقرارها، لأن كل الهزات والزلازل تحدث لوقوع خلل في تلك الطبقة . كما يستطيعون، أيضاً معرفة ما إذا كان ثمة بركان على وشك الانفجار، والخروج إلى سطح الأرض . كما أنهم يمكن أن يتنبؤوا بحدوث فيضان أو إعصار من خلال مراقبة العواصف التي تتشكل على صفحات البحار، ومدى سرعة الرياح فيها واتجاهاتها، وبالتالي، اتخاذ الحيطة والحذر .

لا شك في أن العلم قد حقق نجاحاً ملحوظاً في فهم لغة الطبيعة الخرساء، وهذا الفهم أعطى العلماء القدرة على استقراء العصور المختلفة، وتحديد مكامن الثروات، ومكامن القوة والضعف في كل مكان على كوكب الأرض، وأصبحت الدول المتقدمة تستخدم الأقمار الاصطناعية لرصد ومتابعة أحوال أراضيها والبيئة فيها . والواقع أن مشاريع التنمية الهائلة، والمستمرة في دولة الإمارات يجب أن تتواكب معها دراسات حول إمكانية تحقيق التنمية المستدامة عبر تجنب وقوع الكوارث الطبيعية، أو التقليل من آثارها في حال وقوعها . فمثلاً أدى وقوع زلزال في اليابان عام 2011 إلى تدمير أربعة مفاعلات ذرية، وإلى مقتل عشرات الآلاف من السكان، وقد تكبد الاقتصاد الياباني خسائر هائلة مازال يعانيها إلى الآن . فعلى الرغم من كون اليابان دولة متقدمة، ولديها أجهزة متطورة لرصد الكوارث الطبيعية المختلفة، إلا أن خطأها أنها وضعت مجموعة من المفاعلات الذرية قرب بعضها بعضاً، دون التفكير في عواقب ذلك .

إن وجود هيئة وطنية لإدارة الطوارئ والأزمات في دولة الإمارات كفيلٌ بأن يُسهم في رفد التنمية المجتمعية بعامل أمان، يضاف إلى عوامل الأمان الأخرى التي تسعى إلى تحقيقها القيادة الرشيدة، وبما يضمن الرفاه والاستقرار الدائم لدولة الإمارات العربية المتحدة .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"