ليس جبران خليل جبران هو الوحيد الذي كتب عن الموسيقا. كثيرون غيره فعلوا ذلك.
ثم انه حين كتب عن الموسيقا، لم يكتب عنها بحثاً في التقنيات والأصول، ولم ينقل من المراجع ولم يملأ الصفحات برسوم النوتات الموسيقية. إنه اكتفى بأن يكتب عن الموسيقا كحالٍ تُعاش.
ورغم أن ما كتبه جبران عن الموسيقا لا يعدو كونه صفحات قليلة بالكاد تُشكل كتيباً صغيراً، ألا أننا في كل مرةٍ نعود إلى هذه الصفحات تسكننا تلك الحال الشفيفة من التوحد مع النص الذي يُحيل بدوره إلى الموسيقا كفضاء من المشاعر.
إن التعريفات التي يعطيها جبران للموسيقا ليست من النوع العلمي القاطع، فكعهده في كتاباته الأخرى وفي رسائله فإن جبران أميل إلى الاستطراد الوصفي.
لكننا، رغم ذلك، لا نشعر برتابةٍ في الوصف، ونحن نقرأ ما يقوله عن الموسيقا، التي هي حسب تعبيره: لغة النفوس، والألحان نسيمات لطيفة تهز أوتار العواطف، هي أنامل رقيقة تطرق باب المشاعر وتنبه الذاكرة، هي نغمات رقيقة تستحضر على صفحات المخيلة ذكرى ساعات الأسى والحزن إذا كانت محزنة، أو ذكرى أوقات الصفاء والأفراح إذا كانت مفرحة.
ويمكن لجبران أن يتداعى في هذه الأوصاف دونما نهاية، لا لكي يكرر الفكرة ذاتها بكلماتٍ مختلفة، وإنما لكي يُظلل لوحة الكتابة كاملة.
حين نعود لنص جبران عن الموسيقا نجده نصاً طازجاً كأننا نقرأه أول مرة، لا لشيء سوى أن النصوص الخالدة تحتمل أن تُقدم نفسها، مرة تلو المرة، في صورةٍ جديدة.
إن النص الواحد يُقرأ قراءات عدة، فالأمر هنا أشبه بطبقات الكتابة أو مستوياتها، تماماً كطبقات الصوت اللازمة للأداءات المختلفة أو المتنوعة.
بيد أن في الأمر جانباً آخر يتصل، في ما أظن، بما يمكن أن ندعوه التخوم المشتركة للإبداع.
إن جبران شاعر وكاتب ورسام، ورجل تجتمع فيه هذه المواهب لا يمكن إلا أن يكون على درجةٍ من الرهافة تجعل صلته بالموسيقا بهذا المقدار من الحميمية، التي تجعلنا في كل مرةٍ نقرأ ما كتبه عنها لا نستمتع بعذوبة ما كتب فحسب، إنما نكاد نصغي إلى موسيقا جميلة تصدح، فتلامس في دواخلنا ذلك الوتر الأشد حساسية والأكثر استجابة لما هو جميل.