قالت النملة وفهم عليها سليمان عليه السلام، فماذا تقول تلك الحمامة على غصنها المياد؟ . . ماذا تقول الحمائم في الهديل غير المنقطع، وماذا تقول الأسود في زئيرها القوي الشرس؟ . . كيف تعبر الأسود عن حبها وشوقها، وعن فرحها وحزنها؟ . . كيف يمكن تفسير المواء والنباح والخوار والصهيل والنهيق؟ . . هل تنحصر لغة الحيوان في جنسه الضيق فقط أم يمتد الفهم إلى الأجناس الأخرى؟ . . هل يفهم الحمار على الحصان، والعكس بالعكس؟
ليس خيالاً أو شطحاً من خيال، وعندما عاد الهدهد من سبأ إلى سليمان حكى له حكاية بلقيس، في ما يعد، في لغة اليوم، تقريراً إخبارياً سريعاً ومختصراً .
والطيور تغرد وتقول وتغني وتنشر في الحدائق والفضاءات فنون النغمات الآسرة، وبين الطيور لغة الحنين، وأشياء حميمة، وهمسات ووشوشات، وأهازيج، وحسرات يدركها العارفون بلغة الطيور .
معرفة سليمان لغة الطيور منحة ربانية، وهذا النوع من المنح لا يتكرر، ومن هنا فرادته وبقاؤه على مرور الأعوام والقرون، سراً خالداً وموحياً . فهل جرب العلم، على امتداد العصور، معرفة هذه اللغة، أو على الأقل، الاقتراب منها؟ . . واضح أن هذه التجارب، لو وجدت، لم توصل حتى إلى تخوم قريبة، أو إشارات من المعرفة .
الأسرار الكبرى تظل أسراراً، وعندما سمع سليمان النملة تحذر أهلها النمل من سليمان وجنوده تبسم ضاحكاً من قولها، أما هدهد الأنباء فقد جاء من سبأ بنبأ عظيم .
أما المعري فقد تساءل بحرقة عن هديل الحمامة . . أغناء هو أم بكاء؟
هذه الأسئلة أسست لأساطير مندثرة وباقية ولسوف تظل دائماً حية ونابضة بالدفء والحياة .
ولسوف يظل الإنسان حائراً أمام عالم الطيور والحيوانات . يبدو أنه وضع علاقته معها في السهولة المخلة . يسمعها فيشيح بوجهه إلى الجدار، وقد ينقض عليها صائداً وآكلاً، لكن العلاقة لا تتجاوز في معظم الأحيان سقف الفرجة .
ترى هل لدى الحيوانات والطيور الأسئلة ذاتها عنا نحن بني البشر؟