على غرار الصندوق الأسود في الطائرة، لكن الإنسان، ويا للحسرة لا يطير . قد يطير، مجازاً، من الفرح، لكنه يظل مقيداً إلى الأرض برجلين كالحتين أتعبتهما سنون العمر .

ماهي حكاية الصندوق الفارغ؟

عالم نفس شهير، في الزمن الأخير، اكتشف أن تضاريس مخ المرأة تشبه الشبكة العنكبوتية حيث صناديق المخ تتجاور وتتداخل في بعضها بعضاً . صناديق عقل المرأة ممتلئة جميعاً، وكل واحد منها مخصص لموضوع محدد . في حالة الرجل هنالك صناديق أيضاً لكن التضاريس هنا مختلفة، وبين الصناديق الممتلئة يوجد صندوق واحد فارغ .

لذلك فمن الطبيعي تماماً أن تتكلم المرأة وتتكلم، وأن تتناول كل مواضيع الحياة بلا كلل أو ملل، وهي تترقب من الرجل الأب والأخ والولد والزوج والحبيب التجاوب معها، ودائماً، بالدرجة نفسها، وقد يحاول الرجل أو لا يحاول، لكنه، بالتأكيد، يجد نفسه مرة بعد مرة، أمام صندوقه الفارغ . فماذا يفعل المسكين، وكيف يتصرف؟

في هذا التوقيت بالذات، أنا والعياذ بالله من كلمة أنا، في مواجهة صندوقي الفارغ . أريد فقط أن أسكت وأن أنام . أريد أن أشيح بوجهي إلى الجدار . أريد أن أتمشى في الحديقة أو أتوه في الغابة . أريد أن أتلهى بحل الكلمات المتقاطعة أو ممارسة هواية مصارعة الثيران . أريد أن أحدق في السقف أو أشرب الشاي أو أكش الذباب . أريد أن أفعل أي شيء . أي شيء على الإطلاق، إلا أن أتكلم .

وأحياناً يفضل الإنسان الرجل أن يتكلم مع نفسه على أن يتكلم مع رفيقته المرأة، لأنه، فجأة، يجد نفسه أمام صندوقه الفارغ .

تقول له المرأة: تكلم فأنا أتكلم . لماذا كل هذا الصمت؟ . . ويجيب: كل كلامي خلص ولا أجد ما أقوله .

ويجتهد ويحاول، ويحاول ويجتهد، لكن هيهات . في هذا المقام لن يشفع له تاريخه الذكوري الممتد عبر القرون والألفيات، ولن تفيده فحولته المتوارثة أباً عن جد وكابراً عن كابر .

الصندوق فارغ . دقت ساعة الاسترخاء .

الصندوق فارغ . دقت ساعة الطناش .

[email protected]