أنشودة الحزن الأليم

05:20 صباحا
قراءة 4 دقائق

فواجع الأخبار التي أصبحت تصدمنا يومياً بالعديد من الصور المؤلمة، وتقدم إلينا أصواتاً مزعجة، وأنباء مفزعة، من قتل وغدر وسجن وتعذيب وتشريد، حتى كأننا ونحن نتحلّق حول شاشة التلفزيون نشاهد صراعات في غابة كبيرة تتسع للوحوش، لا يسكنها إلا حيوانات مفترسة، وليسوا بشراً متحضرين، وتحيط بها ويلات الخوف وأنين المظالم، وأسوأ ما يحدث هو سوء هذا المنطق وعنجهية الحقيقة، وهي تترجل أمامنا بكبرياء في كثافة الإحساس في الصورة الممزوجة بالجراحات الإنسانية في عصر صعب، شاحب ومتجهم في زمانه ومكانه يبحث عن حاله إلى أقصى أعماق النفس لكل حالات التمزق، عبر نبرة من الأسى الطاغي، والحضور الكثيف للدم في إيحاء عميق بظلم المجازر والكرامة المسحوقة والضمير الجريح . . إنه واقع الأرض العربية المضرجة بالانكسار الممزوج بالألم، حتى أصبحنا لا نشاهد في نشرات الأخبار إلا لقطات من مسلسل القتل، والجثث المسجاة على النعوش تتأرجح ذات اليمين وذات الشمال، والمشيعون في سيرهم أقرب إلى الهرولة منها إلى المشي السريع، تتلاحق الأنفاس، تتعثر الخطوات وتصطدم الأقدام مع بعضها بعضاً، وتئن الأكتاف من الحمل الثقيل- نحو المقبرة- ثم يبدأ البكاء والنحيب والشهيق بعد أن ينضم إلى الموكب الجنائزي عدة أشخاص . الأنفاس تتلاحق، والملامح غير متباينة، مزيج من روائح الطين المشبع بالماء، وروائح الأجساد المتحللة تحت التراب، بعضهم قد جلس على الأرض، وبعضهم يعجن الطين بالماء، بينما انهمك البعض الآخر في حفر القبور، وبعضهم يرقد في الشارع ينزفون من جرح نتج عن طلق ناري في صدورهم، وجندي آخر يطلق رصاصة من فتحة دبابته، ولهب أحمر يخرج من ماسورة بندقيته، ورجل ثان يلوح بذراعيه قد أصابته رصاصة في الصدر، وعين تدمع وشعور يألم، ورجل آخر مزق رأسه الرصاص، ثم يواصل الجندي إطلاق الرصاص على جسده، ليتأكد أنه فارق الحياة، ثم يقوم باستنشاق عطر الدم . إنها لحظات درامية يومية مؤثرة، يتجلى من خلالها على شاشات الفضائيات التلفزيونية الموت، والرعب، والخوف وتوتر الأعصاب، وكأنها رواية الموت التي تقوم على سبر أغوار الظلام، ليس ذلك الظلام الكامن في الأدغال، وإنما ذلك الظلام الكامن في قلب الحضارة الحديثة، ذلك الظلام الذي يربط بين الحضارة كمفهوم وبين توجهات أفرادها كسلوك، خاصة حينما يصبحون رمزاً للموت والغرق والهلاك، وكأن القتل . . تلك الرسالة الأبدية التي تتوقف ببداياتها نبضات وتتلاشى نكبات . . الموت . . ذلك السر الخفي الظاهر الذي يسلب الإنسان العربي حقه في الحياة، هذه الحياة المتقلبة التي لا تعترف بالسكون، فهي دائمة الحركة كالموج الهادر في بحر ثائر، والسفينة التي تجمع الأمة العربية ممزقة الشراع، ليس لها ربّان يقودها إلى بر الأمان، تحدوها سحب كثيفة، وتغمرها زوابع الريح، وتعود إلى الضياع، والتكفن بالدماء النازفة، وهي تتوهج بالنيران المشتعلة على شواطئ ممزوجة بالدماء، مما جعل شمس الحرية تستحيل لهباً، تصبح مضيئة كالجمرة المشتعلة في الأعماق، وتعكس صورة مثل أسطوانة لسمفونية الغسق على جدائل الفجر المودّع للنهار . ولم يكن هناك سوى الطغيان الذي يميل كل يوم نحو العذاب، بعد أن يخلع رداءه الأسود، ليلقيه على صفحة الماء في عالم التمرد، ويرسف فريق من البشر وراء سياجات الرصاص أبناء وطنه، وكأن الحياة هي ازدحام وتراشق ليس بالكلام وحده وإنما بالسلاح في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان . وآخر مجازر السلاح هي مجزرة الحولة في سوريا، حيث وصل عدد القتلى إلى أكثر من 100 شخص بينهم 50 طفلاً، ومجزرة اليمن التي أسفرت عن مقتل 96 من الجنود والضباط وإصابة نحو 300 آخرين، في هجوم انتحاري استهدف سرية من الأمن المركزي .

لمَ كل هذا العنف؟ وعلامَ نتقاتل؟ ومن أجل تحقيق ماذا؟ أي دين يبيح قتل النساء والأطفال؟ لقد أمست ظاهرة العنف ثقافة تتسم بها شعوب بعض الدول العربية، وذلك على نحو أصبح كل واحد يتهم الآخر، الأقوياء يتهمون الضعفاء، والضعفاء يعيدون التهمة إلى أصحابها في دوامة لا ينتهي دورانها . . الواقع كل يوم يكثر الصخب، ويزداد الضجيج، ويضيع التقدير الواقعي، وتمتلئ الساحة بالأحداث، وتسود التخمينات، وتكثر المقولات، وتضطرب الأخبار، وتتعارض الأنباء، وتختلف التحليلات والتعليلات والتبريرات، في هذا الجو الفوضوي، أسئلة تطغى على واقع الأمة العربية ولا تجد إجابة، بل يزداد الغموض ويتجسد الالتباس، فيجد الإنسان العربي نفسه تارة يسبح في بحار بلا مرافئ، وطوراً يرى نفسه في قفار بلا معالم، وتكثر الأجساد التي اصطبغت بدم العنف حتى ترتوي من مياه البحر المظلم، فتفض ذوائب النور هازئة بخيوطها الهاربة، مع اصطخاب الأمواج على صخور الشواطئ، لتجعل من الإنسان في سفر دائم لا استقرار له، وهي معضلة من معضلات الوجود . إننا نعاني داخل الإطار الإنساني الشامل الأعم الذي لم تزل فيه الدول الصغرى حجارة في رقعة الشطرنج، يتسلى بلعبها من يسمونهم في دنيا السياسة بالكبار، ومازالت أراضيها مسرحاً لتجارب التكتيكات القتالية، وأبناؤها مواد خام لأدوات القتل والدمار والهوائل المفزعة، ويبقى الإنسان العربي ضحيتها الأولى بينما الكبار هم الرابح الأوحد، مرهوناً بحتمية التلاشي في النهاية، ليخترم الحزن العام في الشفق على حفنة من الرمال، ليصبح جزءًا من أشياء الأزمنة الغابرة، إنه لمن أقسى الأمور وأشدها مبعثاً للألم، حينما يكون قدر الإنسان العربي بأن يخلق، وهو يركض على وجه الماء، وسياجات الجراح والألم الذي يمزق النفس وجسد الأوطان، ليصبح المدى دروباً ووطناً لكل قوافل الفجر النافرة من ظمأ السكون وسكون الظمأ .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"