كيف يمكن تهيئة انتصار الخير على الشر؟

04:41 صباحا
قراءة 3 دقائق

العصر الذي نعيش فيه يزدحم بالمتناقضات وتغيير الكثير من مفاهيم الإنسان. إنه عصر التمرد والصراعات. فالجميع يعيش في هاجس الخوف والغربة وسط تناثر أخبار الأمراض والأزمة المالية وسيادة المادة على جميع نواحي الحياة. عالم اختلال التوازن وموت الأخلاق، ففي لحظة نسمع عبر القنوات الفضائية أخبار الأمراض التي تنغص الحياة وتسبب اليأس وفقدان الأمل والخوف الذي يشلّ قوة التفكير ويقتل الثقة بالنفس ويولد الشك ويضعف اليقين، وقد زاد من هذا الخوف تلك الأخبار عن الأمراض القاتلة المختلفة ومنها مرض إنفلونزا الخنازير. فهذه الأمراض التي لم يعرف لها مثيل تستغلها الشركات العالمية وتجار الأدوية لطرح لقاح إنفلونزا الخنازير.

وتتداول العديد من المواقع والمنتديات الإلكترونية معلومات حول هذا المرض ومنها معلومات مغلوطة أو مبالغ فيها حول ما يؤديه من مضاعفات على الصحة مع أن معظم تلك المعلومات لا تستند إلى أبحاث ودراسات علمية موثقة وذلك بهدف العبث بمصائر الناس وكثير منه ليس لعلاج الناس وإنما هو دواء وعلاج وهمي لأمراض وهمية ناشئة من الخوف المستفحل بين البشر بسبب الحديث والتحذيرات المتتالية مما تسببه بمرض حقيقي عند بعض الناس، لأن الإيعاز المستمر بأخبار المرض قد يسبب المرض حيث يستولي الخوف على أفراد المجتمع فيشل تفكيرهم ويؤدي بهم إلى الإحباط والخوف وليست أخبار الأمراض فقط تضعضع أركان المجتمعات البشرية، بل أيضاً أخبار النشرات الاقتصادية عن الاستثمارات والشركات التي تطرح أسهمها للاكتتاب والمضاربة ومقاسمة الربح والخسارة وأخبار البورصة والأسهم بالمليارات من أجل تنمية المال وبما يتوفر من وسائل التوجيه الإعلامي في الأرض كلها سواء أكان ذلك عن طريق الصحف أو القنوات الفضائية ومن أجل إنشاء عقلية عامة بين الناس المساكين الذين يأكل أولئك المرابون لحوم وعظام ملايين البشر من الفقراء والعجزة والمتسولين الباحثين عن رغيف الخبز والفتات في صناديق القمامة وهي صفحة مليئة بالقسوة وعدم المبالاة بأي معنى من معاني الرحمة والعدالة واحترام كرامة الإنسان في شتى بقاع الأرض في مشهد يفسد ضمير الفرد وخلقه وشعوره تجاه أخيه في الجماعة من دون مراعاة للمبادئ والغايات والأخلاق التي يريد الله أن تقود حياة البشر عليها.

وأمام هذا الواقع الصارخ الذي يعجز المدافعون عن تبريره وتفسيره وأمام هذا الكم الهائل من المعلومات غير الصحيحة التي لا هدف لها سوى إرباك البشر ودفعهم إلى المجهول. فإن السؤال هو إلى أين تتجه الأمور في هذا العالم. لا شك أن تصرفات بعض البشر أصبحت مخالفة لروح الحضارة الإنسانية بكل معنى من معانيها ومخالفة لروح الدين بكل مقتضى من مقتضياته وهؤلاء هم المضاربون الذين استولت روح الشره والطمع عليهم وأصبح همهم جمع المال بجميع الوسائل، وينسى أولئك اللاهون المتكاثرون بالأموال يوم الحساب وأنهم مفارقون وتاركون ما يتفاخرون به إلى حفرة ضيقة وكما أنهم ينسون التحذير الإلهي في القرآن يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً (صدق الله العظيم)، فالموت لم يرحم المغرور ولا سطوة الظالم أو طغيان المستبد وكلما كان الميّت عظيما أو غنياً وقف الناس وقفة اتعاظ بموته.

فالموت أكبر ديمقراطي في الوجود، لا يفرق بين غني وفقير، فالكل يموت والكل يدفن في مساحة لا تتجاوز ستة أشبار ومن فهم الموت فهم كوميديا الحياة من أمثال رئيس مجلس إدارة مصرف لازارد وأسطورة وول ستريت الذي توفي يوم الأربعاء 16/10/2009 عن 61 عاماً بعد أن نقل إلى المستشفى في حالة حرجة بسبب عدم انتظام دقات القلب، وكان بروس فاسر شتاين عنصراً فاعلاً في التاريخ الحديث لبنك الأعمال الأمريكي الذائع الصيت، من خلال مشاركته في كل القرارات الاستراتيجية منذ نسق دخوله في البورصة وتولى رئاسته في عام ،2005 مات ولم يجد حلاً سهلاً للمشكلات أو الانحرافات الناتجة عن هذا الصراع الاقتصادي العنيف، وهو صراع شرس. وكان هدفه الأول والوحيد أمام الجميع هو النجاح وامتلاك الثروة بكل الطرق والأساليب وتجاوز الأزمات المالية ولكن عبقريته لم تنقذه من متاعب الحياة، رحل ومضى إلى الأبدية وهو مكره، وهكذا فإن الدنيا كلها والجبروت كله والعظمة كلها فقاقيع في الهواء، أو كتابة على الماء، فحياة عابرة تذهب في لحظة والنعيم يضيع في لمحة كموجة البحر سارت إلى الشاطئ، ثم اختفت وتحولت إلى لفافة دخان في اللانهاية، وهو الموت الذي هو النتيجة الحتمية الطبيعية فالزهرة تتفتح وتذبل ومن ثم تسقط، وكل شيء هالك إلا وجهه.

كاتب من الإمارات

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"