احتلال يبحث عن مؤلف

أفق آخر
04:41 صباحا
قراءة 3 دقائق

قبل زمن طويل من احتلال الولايات المتحدة للعراق، كتبت الروائية أجاثا كريستي رواية بوليسية شأن معظم رواياتها بعنوان جريمة في بغداد، في تلك الأيام كان الأمريكيون والأوروبيون يأتون إلى العراق وسائر المنطقة بحثاً عن الدفء، وإن كانت أساطيلهم أيضاً تتجه شرقاً نحو المياه الدافئة، وأخيراً نحو الذهب الأسود.

رواية أجاثا كريستي لا علاقة لها برامسفيلد أو كولن باول أو تشيني أو رابعهم بوش الابن، إنها ذات حبكة بوليسية تستهدف الإثارة وشحذ فضول القارئ وهو يلهث عبر السطور نحو الخاتمة، لكن تلك الرواية كانت بلا خاتمة على الإطلاق، إنها مجرد عزف منفرد أعقبه بعد عدة عقود عزف صاخب نتج عن وابل القصف الذي لم تسلم منه نخلة أو حتى نملة، ما دامت الأقمار الاصطناعية قادرة على انتهاك أي شيء، بحيث يظهر لها نُخاعه، وسوف يمضي المزيد من الوقت قبل أن تتحول حرب إلى رواية بوليسية، لأن المؤلف ليس فرداً واحداً، أما الشخوص منهم بالآلاف وربما بالملايين، لا يوحدهم شيء سوى ذلك الانتهاك العلني لمصائرهم.

وهناك روايات سواء من الخيال العلمي أو التاريخي والسياسي، كان على مؤلفيها أن ينتظروا في قبورهم مئات السنين كي يتحول الخيال إلى واقع.

ما كتبه فرانز كافكا من كوابيس، جاء عليه وقت تحول فيه إلى مشاهد فوتوغرافية من صميم الواقع، ونبوءات أورويل تحققت بعد نصف قرن من كتابته لرواية حملت عنوان 1984، وكل ما جاء فيها عن الأخ الأكبر الذي يخترق حتى غرف النوم والحمامات ويرصد سلوك الناس تحقق.

وما كتب أيضاً في الخيال العلمي لم يمض عليه وقت طويل حتى أصبح واقعاً، ومن الأمثلة رواية ويلز الشهيرة بعنوان بلد العميان، ولو عاد عباس بن فرناس أو ديدالوس الاغريقي أو دافنشي الايطالي إلى الحياة ورأوا هذه الطائرات تعبر المحيطات لسقطوا مغشياً عليهم، لأنهم حاولوا أن يزرعوا أجنحة على أكتافهم ويقلدوا الطير.. ومنهم من سقط وانتصرت عليه جاذبية الأرض والواقع كعباس بن فرناس، ومنهم من أذابت الشمس أجنحته الشمعية كديدالوس، أما ليوناردو دافنشي فاكتفى بشراء الطيور السجينة في الأقفاص كي يطلقها من الأسر، وتنوب عنه في التحليق.

جريمة بغداد التي وقعت في الأربعينات أو الخمسينات من القرن الماضي كانت مجرد خيال روائي، وحبكة بوليسية مثيرة، لكن نصف قرن من الزمن كان كافياً لزجّ التاريخ كله في رواية لا أول لها ولا آخر، ونهايتها مفتوحة على كل الآفات والاحتمالات.

إن ما شاهدناه نحن الأحياء وما تداولناه حتى الآن من حكايات عن جرائم عصرنا يبقى ناقصاً، ليس فقط لأن الوثائق المخبأة في الخزائن، لا يفرج عنها إلا بعد عقود، بل لأن من يضع وجهه على اللوحة لا يراها، حتى لا تفلطح أنفه على سطحها كما تفلطح أنوف الأطفال على واجهات حوانيت الحلوى.

ثمة بعد غائب، وبمعنى أدق مغيب من هذه البانوراما الحمراء الناقصة، فالمخفي أعظم، وما دار وراء الكواليس لم يظهر على خشبة المسرح، أما المسرح نفسه فقد انهار على النّظارة الذين لم يغادروا بعد الصالة، فالتاريخ ليس دودة شريطية بحيث يقبل مثل هذا التحقيب المدرسي والأفقي، كل ما في الأمر أن أجاثا كريستي تحولت من روائية إلى جنرال أو وزيرة خارجية، وبذلك تغيرت حبكة الرواية وبالتالي شكل الجريمة.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"