الولايات المتحدة لديها أكبر ميزانية عسكرية في العالم، ولديها أيضاً أكبر عدد من القواعد العسكرية - أكثر من 180 عبر العالم - إضافة إلى المجمع العسكري - الصناعي الأكثر كلفة. ومع ذلك، أخفقت في كسب أي من حروبها في القرن الواحد والعشرين.
لقد انخرطت الولايات المتحدة في حروب وانقلابات متعددة منذ بداية القرن الواحد والعشرين، شملت أفغانستان، والعراق، وليبيا، وسوريا، والصومال، وفلسطين، وفنزويلا وأوكرانيا. وإضافة إلى ذلك، مولت وكالات الاستخبارات السرية الأمريكية مجموعات عملت بالنيابة عنها في دول مثل صربيا ونيكاراجوا.
والولايات المتحدة غزت بلداناً، وأعلنت عن انتصارات، ثم واجهت نتيجة لذلك مقاومة، وغرقت في مستنقعات حروب طويلة الأمد تطلبت وجوداً عسكرياً كبيراً ومكلفاً. كما أنها تكبدت خسائر بشرية تعد بمئات الآلاف بين جنود قتلوا، وآخرين أصيبوا أو شوهوا أو عانوا اضطرابات نفسية أو عقلية. وبقدر ما كان البنتاجون ينفق أموالاً أكثر، بقدر ما كانت الخسائر والتراجعات أكبر.
وبقدر ما كانت الأنظمة التابعة للولايات المتحدة أكثر عدداً، بقدر ما كانت تصبح مرتعاً للفساد ومثالاً على العجز. وكل نظام خاضع لوصاية الولايات المتحدة فشل في تحقيق الأهداف التي حددها له مستشاروه العسكريون الأمريكيون.
وبقدر ما كانت الولايات المتحدة تنفق أكثر لتجنيد جيوش من مرتزقة، بقدر ما كانت تتزايد معدلات ارتداد عناصر في هذه الجيوش، وكذلك تحويل أسلحة من ترساناتها إلى خصوم لها.
والمثال الأبرز هو أفغانستان، التي غزتها الولايات المتحدة، وهزمت جيشها النظامي، وسيطرت على عاصمتها كابول... ثم أمضت نحو عقدين من الزمن وهي متورطة في حرب عصابات أخفقت في كسبها.
وفي كل حروب الولايات المتحدة هذه، كانت الانتصارات الأولية تهيئ لهزائم في المستقبل. كما أن حملات القصف الجوي المكثّف الأمريكية في أفغانستان دفعت بملايين من فلاحين ومزارعين، وأصحاب مهن ومتاجر خسروا كل شيء، للانضمام إلى ميليشيات محلية. وقد مني الغزاة بهزائم أمام قوى قومية ودينية. والمقاتلون المحليون تغلبوا على أسلحة ودولارات الولايات المتحدة في العديد من القرى، والبلدات، والمقاطعات.
وتكررت نتائج مماثلة في العراق وليبيا. وبقدر ما كانت الولايات المتحدة، ومعها حلفاء غربيون، تكثف حملات القصف، بقدر ما كانت القوى المعادية لها تزداد قوة وتتغلب على الجيوش المحلية العاملة بالوكالة.
وفي سوريا أيضاً دعمت الولايات المتحدة قوى محلية بالسلاح والمال، ولكن جيش النظام السوري اقترب الآن، بمساعدة روسيا وحلفاء آخرين، من فرض سيطرته على البلاد.
وفي أوكرانيا، حدث في عام 2014 انقلاب مولته ووجهته الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون. وتمكنت الحكومة الموالية للغرب من السيطرة على العاصمة كييف، إلا أنها أخفقت في السيطرة على شرق البلاد وشبه جزيرة القرم. واليوم، نرى أن الوضع في كييف دفع بأكثر من ثلاثة ملايين أوكراني للفرار إلى الخارج من أجل البقاء وتأمين لقمة العيش.
وفي الوقت الراهن، نشهد انتفاضتين تحركهما وتمولهما الولايات المتحدة في فنزويلا ونيكاراجوا. وهاتان الانتفاضتان دمرتا اقتصاد البلدين، إلا انهما فشلتا أمام قوات النظامين.
إن الحروب لا يمكن كسبها بالسلاح وحده. بل إن حملات القصف الجوي المكثف والاحتلالات تثير دائماً مقاومة شعبية طويلة الأمد، وتؤدي في النهاية إلى انسحاب القوات الغازية وهزيمة القوى التابعة لها.
وكل الحروب الأمريكية الكبرى والصغرى في القرن الواحد والعشرين أخفقت في دمج البلدان المستهدفة داخل الإمبراطورية الأمريكية.
الاحتلالات الإمبراطورية ليست انتصارات عسكرية. إنها تغير فقط طبيعة الحرب، من حيث إنها تستنهض مقاومة وطنية. وقد نجحت الولايات المتحدة في هزم جيوش نظامية، إلا أن هذه الغزوات كانت محدودة زمانياً ومكانياً، وأخفقت في مواجهة حركات مقاومة مسلحة قادها ضباط سابقون في الجيوش النظامية المهزومة، ونشطاء دينيون، وأيضاً نشطاء شعبيون.
وفي كل هذه الحروب الأمريكية، كانت القوات الأمريكية مجرد «غزاة غرباء» بنظر شعوب البلدان المستهدفة.
*بروفيسور أمريكي في العلوم السياسية - موقع «أوراسيا ريفيو»