. . زي الهوا . . رحل مؤلف زيّ الهوا التي سرت في دماء جيل بأكمله في السبعينات من القرن الماضي بصوت عبقري الغناء العربي حتى الآن عبد الحليم حافظ . . صاحب زي الهوا هو الشاعر المصري محمد حمزة الذي كتب لعبدالحليم ما يقارب الأربعين أغنية جعلت من العندليب الأسمر ظاهرة فنية صوتية نادراً ما تتكرر خصوصاً في زمن انحطاط غنائي يشهده الوطن العربي - للأسف - بأصوات عدد من الفقاعات الصوتية التي تعيش كما يعيش الضباب . . عمر قصير ثم لا أثر ولا لون ولا طعم ولا رائحة .
محمد حمزة الذي غاب عن 70 عاماً يوم الجمعة الماضي، كان بلا مبالغة أشبه بشلال من الكلمات التي رسخت في وجدان من تفتحت عواطفهم وأشواقهم في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث كل شيء له لون ورنين الذهب .
لم يبق مغن ولا مغنية معروفة لدينا اليوم من ذلك الجيل إلا وكان محمد حمزة مقيماً في حنجرته وعلى لسانه، فقد كان شعره باللهجة المصرية الدارجة شعراً رومانسياً بامتياز . والأهم من ذلك أنه شعر الحياة وشعر الشارع إن جازت العبارة، ولذلك وصلت كلمات حمزة إلى كافة أقطار الوطن العربي من خلال قامات غنائية لا تنسى مثل فايزة أحمد، وردة الجزائرية، عفاف راضي، صباح، نجاة الصغيرة، ومحمد رشدي . . وغيرهم من نجوم تلك المرحلة التي كان فيها أمل الإنسان العربي معوّلاً عليه، ولم يكن للإحباط والانكسار أي وجود لا في المكان ولا في الزمان .
زي الهوا، أيضاً، رحل سيد درويش، وأم كلثوم، وفتحية أحمد، ومنيرة المهدية، وإذا أردت أن توسع قوس الرحيل فإنه كالهواء أيضاً غاب طه حسين، وزكي مبارك، وجمال حمدان، وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور . . . إلخ .
ينفرط ذلك العقد الفريد حبة حبة في السياسة وفي الثقافة وفي الفن، وما يبقى سوى الحنين إلى تلك الأيام التي كانت بالأبيض والأسود (إما أبيض وإما أسود)، ولا مكان للون الموارب المخاتل لون الرماد .
كما كانت المواقف السياسية قبل نصف قرن من الزمن العربي لا رمادية ولا سرابية ولا مراوغة فيها . . كان الغناء أيضاً كذلك وكانت الثقافة موازية للسياسة وليست ذيلاً لها أو تابعاً لها .
. . زي الهوا أو مثل أوراق الخريف يتساقط أولئك الذين تربى وجداننا على أشعارهم وأفكارهم وأصواتهم الصافية مثل ماء الينبوع، ولم يبق لذلك الجيل الذي تقدم في العمر اليوم سوى . . ملوحة الحنين .