يستمر التشظي والاختلاف في هذه الأمة، وتستمر الانتكاسات التي لها عوامل كثيرة، بعضها خارجي يرتبط بصراعات الدول والأمم أو ما يسمى المؤامرة، والكثير منها داخلي يرتبط بواقع المجتمعات العربية والإسلامية . ولعل أهم تلك العوامل الداخلية هو ما يسمى الصحوة الإسلامية التي تجلت إفرازاتها في أكثر من بلد عربي حدثت فيه تحركات شعبية . فقد طفا على سطح هذه التحركات نماذج إسلامية تكفيرية متطرفة تعمل على سحق جميع المبادئ الاجتماعية والأخلاقية، وتمارس تعطيب كل نشاط إنساني، ولا تقف بالتحريم عند حدود، بل ترمي كل من لا يوافقها عليه بأنواع الضلال، وتدعو إلى أسلمة المجتمع والدولة، وتحطيم السلطة السياسية، وتعمل على تغذية القلاقل والاضطرابات حيثما وَجدت مهاداً خصبة للعمل في أية بقعة من بقاع العالم، فهي تحرص بالقول والفعل على تحقيق غاية موحدة شاملة هي هدم المجتمع الحاضر من الأساس واستبداله بمجتمع إسلامي متطرف وفق ما يتوافق مع سياقها النفعي، وعبر فضاءات ذهنية منحرفة تحكم المنظومة النفعية، ولو كان ذلك بقوة السلاح .
والواقع أن هذه الفِرق الإسلامية الأصولية المتطرفة إنما هي صورة من صور الديكتاتورية الدينية أو الطائفية مهما كان اللون الذي تتشح به . إنها لنكسة كبيرة، وإنه لسقوط تاريخي كبير أن ترتد ذهنية هذه الأمة مئات السنين إلى الوراء، وأن يظهر فيها جيل يؤمن بما يسمى الحل الإسلامي باعتبار أن كل الحلول الأخرى لإنقاذ المجتمعات العربية والإسلامية قد باءت بالفشل . لكن المؤمنين بالحل الإسلامي لا يتركون خياراً للشعوب العربية، بل هم يضعون هذه الشعوب بين الإيمان بخيارهم أو تكفيرهم وإخراجهم من حظيرة الإسلام، ومحاربتهم وقتلهم بدعوى أنهم غير مؤمنين وكفار .
ما يحدث في بعض الدول العربية دليل على ما قد يؤدي إليه التشدد من كوارث بالمجتمعات العربية؛ فالمحنة الحقيقية في هذه الأمة اليوم هي محنة عقلية، محنة الإيمان بخرافات عفا عليها الزمن في ظل الاكتشافات الهائلة في عالم اليوم .
فبينما ينشغل شباب هذه الأمة في الدعوة إلى جهاد مزعوم ضد أهلهم وأوطانهم، ينشغل شباب الغرب واليابان والصين في البحث في جزيئيات الخلية وفي علم هندسة الوراثة وفي علوم الجينات والإلكترونات .
فخلال هذا العام، تفجرت مجموعة من العواصف العلمية في الفيزياء النووية والكوسمولوجيا النسبية، وبدأت رحلة بيولوجية جديدة في استنبات الأنسجة الإنسانية لحل إشكالية زرع الأعضاء وفهم الأثر الاجتماعي في تشكيل سلوك الإنسان، أي نقل المسألة منالتيولوجيا إلى الواقع من خلال الدراسات العصبية . وقام العلم حالياً بزرع الكلية، والقلب، والكبد والبانكرياس، وهو في طريقه الآن إلى القفزة الكبرى بزرع الدماغ .
وبينما يبني جهاديو هذه الأمة عصابات للقتل والإرهاب وتخويف الآمنين وتحطيم البُنى التحتية في هذ الأمة، يبني علماء تلك المجتمعات المتقدمة المخابر الحيوية الضخمة ومحطات مراقبة الفضاء والبحث في الكون . إنها مأساة حقيقية تعصف بهذه الأمة التي فقدت عقلها واتبعت رجال دين لا يخافون الله، يفتون بما لا يعرفون، ويحللون قتل الأبرياء تحت مسمى أنهم كفار، ويَعِدون أتباعهم بالجنة وبالحوريات اللائي ينتظرنهم هناك، ويمنونهم بأوهام سقطت منذ قرون على وقع العلم الحديث . إن البؤس الحقيقي هو في ذلك الفهم الخاطئ للدين والفهم الخاطئ للحياة .
لقد فهمت الشعوب المتقدمة الدين والحياة، فقامت بعملية فصل كبرى بين الاثنين، وتسلحت تلك المجتمعات بالعلم، فأنتجت كل مفردات الحضارة التي نراها ونتنعم بها ويتنعم بها أولئك الظلاميون . في المجتمعات المتقدمة يفكر الناس في كل شيء، وهناك يحصل العلماء على جوائز نوبل، وهناك يسكتشفون المريخ والكواكب الأخرى؛ أما عند العرب، فلا يوجد سوى ثقافة العنف، وهي ترميز لنوعية العلاقات بين الناس والقائمة على إلغاء الآخر وعدم الاعتراف به .
لقد تغير الزمن، والذي يظن أنه يستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء إلى اللحظة التي كان فيها المهاجرون في المدينة قبل 1430 سنة، هو مخطئ . والذي يظن أنه يمكن أن تحدث معارك جديدة مثل القادسية ونهاوند واليرموك وحطين، هو مخطئ أيضاً . إن العالم اليوم فيه قِوى عظمى مسلحة بأسلحة فتاكة، وللقضاء على شعب معيّن لا يحتاج الأمر إلى أكثر من كبسة زر لينتهي ذلك الشعب من الوجود .
إن السبيل الوحيد أمام هذه الأمة هو الاتجاه الحقيقي نحو العلم والبحث في أساسيات الوجود؛ فإطعام الملايين من المسلمين عملية تحتاج إلى جهود جبارة، والنوايا الطيبة لا يمكن أن تبني اقتصاداً قوياً ينافس اقتصاد الدول المتقدمة . إن الأمة الإسلامية والعربية تحتاج إلى رفض تلك الأفكار الهدّامة التي تغزوها تحت جدلية الفكر المتطرف إلى عتبة التحول السرطاني والتجلي الأقصى للخوف الكبير في حمى الرعب . ولا يمكن أن يتطور العالم العربي ما لم يتم القضاء على هذا الفكر المتطرف والمقترن بالعنف الذريع الذي يجتاح المجتمعات العربية والإسلامية، ويسعى إلى تدمير أوطانها بدعوى إقامة مجتمع المؤمنين الإسلامي .