مع انطلاق السنة الجديدة، ظهرت على الشاشة الفضية موجة جديدة من الأفلام التي تروي حياة شخصيات تاريخية وسينمائية وأخرى كان لها دور مهم في عالم السياسة . ولعمل مثل هذه الأفلام ينتقى ممثلون وممثلات بارعون أو إن شئنا القول فوق العادة، ولكن كيف يختار هؤلاء؟ وكيف يمكنهم استحضار تلك الشخصيات في اذهانهم وتجسيدها بطريقة تجعلنا نعتقد أحياناً أنها الشخصيات الحقيقية؟ وهل لكلٍ طريقته في أداء الشخصية المعنية، أم أن في الأمر شيئاً مخالفاً؟
المعروف أن الممثل المبدع هو القادر على أداء غالبية الأدوار وتجسيد غالبية الشخصيات، ان لم نقل كلها، بدءاً من الأدوار الكوميدية وانتهاء بدور الرؤساء والشخصيات الفنية . وبعض النقاد يرى أن الصعوبة البالغة التي تكتنف هذا النوع من الأدوار يمكن أن تصل بالممثل الى أن توقظ فيه مشاعر التفرد، بمعنى أنه يشعر أنه بات مسكوناً بشخصية هذا أو ذاك . ومن أفلام السير الذاتية انفيكتوس لكلينت استوود الذي يعرض حالياً ويقوم فيه مورجان فريمان بتجسيد شخصية نيلسون مانديلا الذي قام في 1995 بالاستفادة من مباريات كأس العالم لرياضة الروجبي ليعيد بناء الوحدة الوطنية لبلاده . استوود قام قبيل اخراج الفيلم باستشارة هذا الزعيم التاريخي الجنوب إفريقي حول عملية اختيار الممثلين، لا سيما شخصيته، وكان رده ايجابياً حول الممثل الذي قام بتجسيد شخصيته خاصة أن بين مانديلا ومورجان احتراماً متبادلاً، إذ ثمة نقاط عدة مشتركة من شأنها تسهيل مهمة الممثل الأمريكي الذي يريد عبر دوره أن يكون مثل مانديلا بالفعل . وهذا ما لاحظه المشاهدون على الشاشة، فشخصية مانديلا الساحرة هي نفسها، والجسم هو نفسه والحضور بأقصى درجاته والفم المفوه بالخطابة تكاد لا تميزه عن الشخصية الأصلية، الى درجة أنه يمكن القول إن الرسم الاستشفافي لمانديلا كان مطابقاً جداً للأصل، كما أن المشاركة الفعلية لمانديلا اثناء عملية التصوير أدت بالممثل الى اتقان الدور، حتى أن مانديلا نفسه شعر وكأنه يشاهد ذاته! وإذا كان التشابه الجسدي يلعب دوراً ما في عملية تجسيد الدور، إلا أن التقليد أو المحاكاة فعالة ومعروفة، ويمكننا الرجوع الى مثال الممثل الفرنسي جيرار دوبا رديو وتأديته لدور مؤلف الفرسان الثلاثة الشرس في فيلم دوماس الآخر الذي بدأ عرضه في فبراير/شباط الماضي . وهنا سنلاحظ العجب العجاب، فكل حركة وايماءة وسمة، بل وكل كلمة، تذكرنا بالشخصية الأصلية وكأن دربارديو عمل من نفسه نسخة مطابقة جداً لشخصية دوماس وتلك براعة لايستهان بها .
وربما نجد هذه الاحترافية الفذة لدى الممثل البريطاني بين كنفسلي عندما جسد دور غاندي وهو يرتدي ازاره الشهير الدوتي أو لدى الممثلة والكاتبة والمخرجة الفرنسية سيلفي تستود التي حاولت أن تعيد عبارات الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساجان حرفياً . وكذلك نجد ذلك لدى الممثلة سلمى حايك التي ارتدت اثواب شعب الزابوتيك المكسيكي لتجسد شخصية الرسامة المكسيكية الشهيرة فريدا كاهلو، ولا يمكن أن نغض الطرف عن براعة الممثل البورتوريكي بينيشيو ديل تورم الذي جسد بذكاء عال شخصية المناضل الكوبي تشي جيفارا وهو يعتمر طاقيته المشهورة .
وفي العام الماضي، تمكن الممثل الفرنسي ايريك الموسنينو ببراعة غير مسبوقة في تجسيد شخصية الموسيقار والممثل الشهير سيرج جينسبورج عن رواية لجوان سفار جينسبورج لفنون حياة بطولية . بلغ الأمر بالموسنينيو أن يندمج بالدور الى درجة أنه اكتشف في نفسه موهبة الغناء والعزف مع العلم أنه لم يكن على الاطلاق من محبي شخصية المغني والموسيقار سيرج جينسبورج . ويقول عن ذلك حاولت ان اقترب من جينسبورج بطريقة روحية خشية أن اقع في التقليد، كما حاولت الاحتفاظ بالرغبة في انجاز هذا العمل في نفسي وأن اترك خيالي على سجيته لأصل الى نقطة التواصل الحميمية أو الروحية مع الشخصية . وتقول الممثلة الفرنسية لايتيسيا كاستا التي جسدت الى جانب الممثل ايريك الموسنينو شخصية بريجيت باردو لم يكن من السهل على الاطلاق القيام بدور باردو والتحدث مثلها والغناء والرقص على طريقتها وأداء الحركات الصاخبة الحسية المفعمة أحياناً بالاثارة كما شاهدنا في فيلم الازدراء للمخرج جودار .
لذا كان لابد من الاتصال ببريجيت باردو نفسها لتشجع لايتيسيا كاستا على تجاوز مخاوفها وان تترك لنفسها العنان لتؤدي هذا الدور بكل أحاسيسها، خاصة أنها تمتلك من الناحية الجمالية القدرة على اتقان دور الاغراء بشكل ربما يفوق ما فعلته بريجيت باردو في أوج شهرتها . وتشير لاتيسيا كاستا الى أنه من الصعب على الممثل ان يعيد رسم صورة شخصية مشهورة جداً أمام الكاميرا، خاصة إذا كان صاحب الشخصية لم يزل على قيد الحياة . وتتساءل: هل من السهل أن تكون إحدانا بريجيت باردو أو جولييت جريكو ممثلة ومغنية شعبية فرنسية مشهورة؟ وهل يمكن للممثل مهما بلغ من المقدرة ان يتجنب خيانة الشخصية الأصلية؟
رؤى
يبدو أنه حتى في عالم السينما نجد اختلافاً في صورة الشخصيات التاريخية وذلك وفقاً لآراء ورؤى المخرج . مثلاً نرى أن شخصية هتلر التي ظهرت في بعض الأفلام لا علاقة لها بنفس الشخصية التي ظهرت في فيلم Mom Fuhren للمخرج داني ليفي، كما أن شخصية المسيح عليه السلام التي اخرجها زيفيريلي غير تلك التي اخرجها سكوريس أو باسوليني . وحاول المخرج الأمريكي تودهانير في فيلمأنا لست هناك أن يكون صورة للمغني الأمريكي بوب ديلان من خلال 6 ممثلين احدهم امرأة هي كيت بلانشيت، بمعنى أن هذه الممثلة الاسترالية استطاعت أن تظهر جانباً معيناً لديه بشكل بارع ما كان لآخرين أن يظهروها بنفس البراعة .
والملاحظ أنه منذ سنوات عدة، غدت الشخصيات الموسيقية الأسطورية أمثال جون لينون، ومايكل جاكسون وفرانك سيناترا مادة دسمة لمخرجي هوليوود الى درجة أنه من المتوقع أن نشاهد تهافتاً خلال السنوات المقبلة على تجسيد مثل هذه الشخصيات التي تركت بصمة في عالم الموسيقا والغناء .
ويقول نقاد السينما إن هذا النوع من الأفلام ليس جديداً بالفعل، لكنه شهد تطوراً ملحوظاً منذ 1899 عندما قام المخرج الفرنسي القديم جورج ميليس بتقديم شخصية جان دارك على الشاشة وتبع ذلك أفلام أخرى لشخصيات تاريخية مشهورة مثل نابليون لأبيل جانس وكيلوباترا لسيسيل دوميل وموزارت لميلوس فورمان ونيكسون لأوليفيه ستون . ويرى مخرج فيلم اجراء طبيعي مارك دوجين أن ما نحن بصدده اليوم يمكن أن يتحول يوماً ما الى متحف للسينما التاريخية، وإنه يكفي المشاهد أن يمعن النظر في فيلم ستالين ليعلم مدى التطور الذي بلغته السينما في مجال تجسيد الشخصيات التاريخية .
جوائز
ويؤكد غالبية النقاد، إن لم يكونوا كلهم، أن هذا النوع من الأفلام يستحق الترشح لجوائز الأوسكار، ففي 2005 نال الممثل جيمي فوكس جائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره في فيلم راي وحصل عن الدور نفسه على ثلاث جوائز أخرى هي جائزة جولدن جلوب وجائزة نقابة ممثلي الشاشة وجائزة الاكاديمية البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون . والسبب أنه أدى ببراعة لا توصف شخصية راي تشارلز روبنسون الموسيقي والمغني الشهير الذي يعتبر حسب المجلة الموسيقية رولينج ستون أحد العشرة الخالدين في تاريخ الموسيقا والغناء . ولا شك أن ممثلين كثراً حازوا جوائز الاوسكار وغيرها لتميزهم الكبير في تأدية الأدوار المهمة التي تجسد الشخصيات التاريخية وموهبتهم الفذة التي ربما تصل الى حد العبقرية حسب رأي بعض النقاد . ولا يمكننا مثلاً النظر الى ممثلة مثل هيلين ميرين في فيلم الملكة إلا بهذا المنظور لأنها تمكنت بالفعل من تجسيد شخصية ملكة غير عادية أثرت تأثيراً كبيراً في الضمير الجمعي.