عادي
ابن البيئة ويحمل الكثير من المفردات الفصيحة

شعراء قصيدة النثر يكتبون «الشعبي»

23:48 مساء
قراءة 5 دقائق
Dubai Poetry
أحمد العسم
خالد البدور

الشارقة: يوسف أبولوز

في الوسط الشعري الإماراتي، يمكن معاينة ظاهرة أدبية ربما التفت إليها البعض ممن يتابع خريطة الشعر الإماراتي، وتتمثل في كتابة قصيدة النثر إلى جوار كتابة الشعر الشعبي أو النبطي عند الكثير من الشعراء الإماراتيين ممّن يكتبون الأشكال الشعرية الثلاثة: العمودي، والتفعيلي، وقصيدة النثر، وقد نفهم أن الثقافة التقليدية عند شعراء العمودي تدفعهم بالضرورة إلى القصيدة الشعبية أو النبطية، ويمكن أن نفهم أو نتفهّم إقبال شعراء قصيدة التفعيلة على كتابة الشعبي أو النبطي، ولكن، من المستغرب فعلاً أن يقدم شاعر قصيدة النثر، القصيدة المتمرّدة على قوانين الوزن والبحور والقافية، على كتابة الشعر الشعبي الذي يقوم هو الآخر على بحور وأوزان وقافية.

وجه الاستغراب في كتابة الشعر الشعبي والنبطي على يد شعراء قصيدة النثر أن شعراء هذه القصيدة يحملون عادة أو أحياناً مواقف متشددة تجاه أي وزن أو قانون يؤطر القصيدة أو يؤطر الشعر عموماً ضمن قانون عروضي محدد، ويطرحون، عادة، ما يُسّمى «الإيقاع الداخلي»، أو «الموسيقى الداخلية» لقصيدة النثر، لكنهم، وهنا المفارقة، حين يكتبون النبطي والشعبي يلتزمون ببحور وأوزان وقوافي هذا الشعر الموزون.

ولكن، قبل أن نشير إلى 3 نماذج إماراتية على ظاهرة كتابة النبطي بأقلام مبدعي قصيدة النثر رغم الفروق الواضحة تماماً بين القصيدتين: النبطية الشعبية، والنثرية، نحاول الإجابة عن التساؤل التالي:.. لماذا يكتب شعراء قصيدة النثر شعراً شعبياً نبطياً فيما هم يمثلون الأجنحة المتطرفة للحداثة، بينما لا يقع الشعر الشعبي أو النبطي في إطار مصطلحات ومفاهيم الحداثة الشعرية بحسب فهم شعراء قصيدة النثر؟ الإجابة ربما تتمثل في الاجتهادات التالية:

أولاً: يظل شعراء قصيدة النثر في الإمارات شعراء بيئة ثقافية واحدة، وتربية ثقافية جذورها محافظة، ومن هذه الجذور يشار دائماً إلى النبطي والشعبي.. الشعر الذي يشكل جزءاً مهماً من هوية ثقافة المنطقة.

ثانياً: النبطي والشعبي في الإمارات وفي المنطقة سابق على قصيدة التفعيلة، وسابق على قصيدة النثر، لكنه تاريخياً وثقافياً مواز في رموزه وكتابته للعمودي الخليلي، وأكثر من ذلك فالشعبي والنبطي يحمل الكثير من المفردات الفصيحة، وفي المقابل، ثمة ما هو شعبي أو نبطي في الفصيح.

ثالثاً: الشعبي أو النبطي هو شعر المكان والبيئة في الإمارات: هناك شعراء بحر، وشعراء جبل، وصحراء أو شعراء رمل يراوحون بين أجيال عديدة، وفي الإمارات هناك ظاهرة شعرية جديرة بالقراءة والمعاينة، وهي توجه الشعراء الشباب والشابات في الإمارات لكتابة النبطي والشعبي، وفي هذا الإطار يكتب شعراء قصيدة نثر شباب هذا الشعر الذي هو ابن المكان، وابن البيئة الشعبية التراثية.

رابعاً: يبدو أن بعض شعراء قصيدة النثر أو أغلبهم في الإمارات قد وصلوا إلى ما يمكن تسميته «التشبّع» بخطابات ومفاهيم وأدبيات الحداثة الأوروبية الغربية بشكل خاص، وربما أدى هذا «التشبّع الثقافي» إن جازت العبارة إلى ما يشبه الارتداد الحنيني إلى شعر البيئة وشعر المكان، وهو الشعر النبطي أو الشعبي.. شعراء الآباء والأجداد منذ ما قبل زمن الغوص، وما قبل زمن ظهور النفط وحتى الآن.

خامساً: أسهمت الكتابات الانثروبولوجية، وجماليات المكان، والحفريات المكانية، والكتابات ذات الصلة بما يُسمّى «العلامة»، والثقافة الشعبية والتراث بمعناها المعاصر على يد شعراء وفلاسفة ومفكرين اهتموا تماماً بثقافات المكان والدراسات الإنسانية.. أقول، أسهم كل ذلك في توجه الكثير من الشعراء العرب إلى إعادة النظر في مفاهيم ثقافية مهمة كالتراث، والثقافة الشعبية، والرموز والعلامات المكانية، وسيقع الشعر الشعبي وتقع الثقافة الشعبية والتراث في موقع القلب من هذه الدراسات والبحوث التي ساعدت على ضرورة إعادة قراءة التراث ومنه الشعر الشعبي، ثم التوجه التلقائي بعد ذلك للكتابة في هذا السياق، وليس فقط مجرد القراءة.

الآن، آخذ ثلاثة نماذج إماراتية على ظاهرة شعراء قصيدة النثر ممن يكتبون الشعبي والنبطي: أحمد راشد ثاني، خالد البدور، وأحمد العسم، راشد ثاني بدأ تفعيلياً، ثم اختار قصيدة النثر، وكتب في المسرح، وله بحوث في الثقافة الشعبية المحلية، أما خالد البدور فله اهتمام جذري بالسينما، وأحمد العسم يكتب قصيدة النثر، وله اهتمام أيضاً بالثقافة الشعبية.

لراشد ثاني، مجموعة شعر شعبي مبكرة «يا الماكل خنيزي، والخارف ذهب»، وفي المعاجم:.. الخنيزي جذرها (خنز): هو الثريد من الخبز الفطير، ومحلياً، الخنيزي هو بلح أحمر ضارب على سواد حلو لذيذ الطعم، و«خَرَف الثمر»: جناه في الخريف، وفي المعاجم الخارف حافظ النخل، وأياً كانت شروح الكلمات، فإن قصيدة «يا الماكل خنيزي... » هي شعر شعبي ابن بيئته من دون ادعاء، أو افتعال.

ولأحمد قصيدة طويلة أيضاً «رسائل إلى أمي» وهي شعبية، إنسانية، أمومية إن جازت العبارة، وأعتقد بأنه لو كتبها على منوال قصيدة النثر لما جاءت بهذه الحرارة الشعرية والإنسانية.. يقول: «قُوم يَحْمَدْ / قُوم باكحّل عيونك / باللّي ما كحَّلْت به حَدّ / قوم.. باغني لك للماقَطّ غنيته / غناتي انت كبدي يوم / تتلف مِنّي الكبد».. ملاحظة:.. «للماقَطّ غنّيته»، بمعنى، للذي لم أقم بغنائه قط».

فهم معاصر

خالد البدور في إحدى مداخلاته حول تجربته قبل نحو سبع سنوات قال بكل وضوح:.. «أكتب النبطي نتيجة حنيني إلى الغنائية، وهناك من الناس مَنْ يحب سماعي بالنبطي، فاكتب ليس بدافع ما، بقدر ما هي حالة من الرغبة في أن أكتب بالنبطية الحديثة لأجسّد فيها صور الحنين..».. ويضيف «.. العامية أكثر قدرة على التعبير، وأعمل خلالها على الأوزان اللامتناهية في المفردة العامية، معتمداً على البحور القديمة في تفعيلات حديثة. لقد أصبح همّي أن أنشر القصيدة العامية الحديثة..». ومن شعر البدور الشعبي:-

«الفَضا سُكّر / شبابيكي مرايا.. / والستاير.. نور أصفر / شمس تصحا كأنها من دهر نامَتْ / دق باب النوم هاليوم جديد.. والزوايا../ تحتضن ليل ووصايا..».

ننتبه هنا بالطبع إلى رؤية البدور في ما يتعلق بما سمّاه:.. القصيدة الشعبية الحديثة، والتفعيلات الحديثة، أي أننا أمام فهم معاصر وحديث للقصيدة الشعبية من وجهة نظر شاعر قصيدة نثر، ولا تنس عزيزي القارئ هنا، ما أشرت إليه قبل قليل بشأن الحنين لهذه الكتابة الشعبية، وهو الأمر الذي يؤكده البدور في رؤيته لكتابة الشعر الشعبي.

العسم، يقول إنه يكتب شعراً عامياً باللهجة القديمة لأهالي رأس الخيمة، ومرة ثانية، نجد أنفسنا في أفق من النخل والرطب و«خنيزي» آخر يتحدث عنه العسم بنزعة حنينية أيضاً: «جمعت من النخل وايد في شف حبكم ما /

عطش نخل. شرب من مائكم واحد يا حلو / الرطب وعزوجه لي ذاق الرطب من شفاكم واحد..».في 2003 أصدر العسم، مجموعة بالعامّية بعنوان: «.. ورد عمري»، وفي 2010 أصدر مجموعة ثانية بالعامية بعنوان «صوت الرمان»، وله مخطوط تحت الطبع «شعر شعبي» بعنوان «فنر»، والفنر هو السراج الذي كان يُعَلق ويضيء ليلاً في الفرجان، والفرجان باللهجة المحلية هي الأحياء الشعبية في الإمارات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"