تعديل السلوك في الإسلام

نفض الغبار
12:19 مساء
قراءة 4 دقائق

تعد الوسائل الأداة الوحيدة لتحقيق ما يؤمن به المسلم من أهداف، وينبغي العناية بها والتدقيق في بحثها واختيارها، فالوسيلة الفاسدة تضيع الهدف الصحيح وتبعده عن الطريق الصحيح، وعناية المنظور الإسلامي بوسائل وطرائق تعديل السلوك الإنساني واضحة جداً لأن هذه الوسائل تتعلق بالإنسان، فهو يتأثر ويؤثر في كل ما حوله وما في مجتمعه، ومنهج المنطور الإسلامي في تعديل السلوك الإنساني منهج متميز في وسائله لافت للنظر يدعو إلى التأمل والتفكير، وقد يسأل سائل: هل وردت في القرآن الكريم وسائل تهذب سلوك الإنسان، لعل خير جواب ما قاله الجمالي: إن القرآن الكريم كنز عظيم من كنوز الثقافة الإنسانية ولا سيما الروحية منها وهو أول كتاب تربية وتهذيب على وجه العموم وكتاب تربية اجتماعية وأخلاقية وروحية على وجه الخصوص .

إن الوسائل المتبعة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه، عليه الصلاة والسلام، هي آية في الإعجاز، وهي وسائل تتفق مع ما وصل إليه أرقى الفكر التربوي قديماً وحديثاً، فالقدوة والتربية بالعمل وإثارة العواطف ومخاطبة العقل والوجدان وأسلوب الاستجواب والقصة ما هي إلا وسائل تربوية نجدها مبثوثة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، فالمنهج الإسلامي اشتمل على الوسائل التي تساعد في تعديل وتغيير السلوك إلى الأفضل .

فالقصة والنماذج الشخصية تهدف إلى تغيير سلوك البشر إلى السلوك الإيماني الصحيح . ومن أحد الأساليب المهمة في تعديل السلوك في المنظور الإسلامي هو الحوار المباشر مع الفرد وبيان السلوك الصحيح وغير الصحيح وما هو المطلوب، وهذا يؤثر تأثيراً إيجابياً في النفس الإنسانية وبخاصة إذا كان المحاور صادقاً مخلصاً يريد الخير والتحذير من عواقب السلوك غير الصحيح . ومن الممكن أن يأخذ الحوار شكل النصيحة وتكون النصيحة سرية وعلنية، وذلك بحسب حال المخاطب، وتكون بلين القول وحسن العرض وأن تخلو من العنف والتجريح، ومما لا شك فيه أن النصيحة وسيلة مهمة من وسائل تعديل السلوك لا يستغنى عنها بحال ولا يشك في تأثيرها على الكثير من الناس لا سيما إذا قام بها صاحب عقل نير وخبرة واسعة .

ومن الأساليب العامة في تعديل السلوك في المنظور الإسلامي الممارسة العملية للسلوك فتعد ممارسة الفرد العملية للسلوك أسلوباً مهماً من المنظور الإسلامي لتعليم الفرد السلوك الصحيح، وهذا الأسلوب استخدمه النبي عليه الصلاة والسلام في تعليم الصحابة سلوكيات جديدة لم تكن عندهم أصلاً أو تصحيح سلوكيات مارسوها .

فالتدريب العملي على السلوكيات والممارسات التطبيقية لها ولو مع التكلف في أول الأمر وإجبارها على غير ما تهوى من الأمور التي تكسب النفس الإنسانية السلوكيات، سواء طال الزمان أم قصر . ومن الأساليب أيضاً القدوة فهي المعلّم القدير بلا لسان والمرشد الناصح من غير بيان، وهي مدرسة الإنسان العلمية التي يرسخ تعليمها في النفوس، ويعلق بالإفهام والناس مائلون طبعاً إلى أن يتعلموا بعيونهم أكثر مما يتعلمون بآذانهم، والمرئي يؤثر أكثر من المقروء والمسموع، وتعليم العمل أنفع من تعليم القول، والارشاد يري الطريق ولكن القدوة البكماء تسير فيه ومهما أوتي المعلم من البراعة في تهذيب النفوس فليس ببالغ ما يبلغه زميل له دونه في المهارة وفوقه في السيرة، ولذا كان خير النصح افعل كما أفعل لا كما أقول وقد قال تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً . الأحزاب، فالآية تبين أهمية القدوة في المجتمع وما لها من تأثير واضح في أفراد المجتمع لذا جعل الإسلام القدوة الدائمة في شخص المصطفى عليه الصلاة والسلام فهو عليه الصلاة والسلام قدوة متجددة على مر الأجيال وفي واقع الناس، ولا تعرض التربية الإسلامية هذه القدوة للإعجاب والتأمل إنما يعرضها على الناس ليحققوها في ذوات أنفسهم بقدر ما يستطيع كل فرد منهم وبقدر ما يصبر على الصمود . إن الفرد يكتسب كثيراً من السلوكيات بعضها مرغوب فيها وبعضها غير مرغوب فيها، فإذا ما سلك الفرد سلوكاً غير مرغوب فيه فلابد أن يتعرض للقدوة الحسنة من أجل أن يكسب منها سلوكاً حسناً ويتخلى عن سلوكياته الأخرى، إننا بالقدوة يمكن أن نصلح الكثير من الأفراد ونعالج كثيراً من السلوكيات، ومن هنا أكد النبي عليه الصلاة والسلام في أهمية الصاحب الصالح والصاحب السوء لما له من تأثير واضح في أخلاقيات وسلوك الأفراد .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك ونافخ الكير لا يعدمك من صاحب المسك إما أن تشتريه أو تجد ريحه ونافخ الكير إما أن يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة فالقدوة من المنظور الإسلامي من أنجح الوسائل تأثيراً في الفرد فهو يقلد القدوة سلوكياً، ويحاكيه خلقياً من حيث يشعر أو لا يشعر .

ومن الأساليب أيضاً تعديل السلوك بضبط الذات أو وقف الأفكار ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم، فُصّلت . الآية الكريمة تنبه إلى أن الإنسان قبل أن يسلك سلوكاً معيناً يمر بحالة فكرية معينة والآيات تنبه إلى أمر مهم فهناك أفكار تؤثر في سلوك الإنسان، فإذا راودت هذه الأفكار الإنسان أمره الله سبحانه وتعالى أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن هنا يتبين لنا أن الأسلوب الذاتي في تعديل السلوك مهم، فقبل الإقدام على سلوك معين يفكر الإنسان به هل هو يقرر ما إذا كان السلوك مرغوباً فيه أم غير ذلك، فإذا كان غير مرغوب فيه وجب على من يقوم به وقف التفكير فيه مطلقاً .

وتعد دراسة السلوك الإنساني مهمة، فالسلوك مفتاح شخصية الإنسان وهو لسان حالها والمعبر عنها والكاشف عن مكنوناتها والناطق بأسرارها، وهو القالب الذي تتجسد فيه المشاعر والأحاسيس والعواطف والانفعالات والغرائز، وفي السلوك تتحد الجوانب العقلية والنفسية والاجتماعية لمواجهة الحياة البشرية . لذا كان السلوك القويم عنواناً للشخصية السوية والسلوك المعتل المتذبذب عنواناً للشخصية العليلة المهترئة . فدراسة السلوك الإنساني هي دراسة مهمة لأنه الجانب الحقيقي للإنسان والانعكاس الصادق لمشاعره وانفعالاته .

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"