الجاذبية الأرضية غموض يثير فضول العلماء

رابع قوة كونية يصعب قياسها
18:39 مساء
قراءة 6 دقائق

تلاعبت الجاذبية الأرضية بعقول كثير من العلماء ممن حاولوا قياسها، وأفشلت محاولاتهم المستمرة على مدار 200 سنة للتوصل إلى أرقام ثابتة ودقيقة .

والجاذبية الأرضية من المسلمات التي يؤمن بها الجميع، فالكل يعي وجود قوة جاذبة تشد الأشياء باتجاه الأرض، وهذه القوة ثابتة لا تتغير، وإذ تغيرت سيترك ذلك آثاراً مدمرة على الكوكب الأرضي . كما أن لوجود هذه القوة أهمية كبرى، فلنتخيل أنه في يوم ما تعطلت الجاذبية الأرضية، يستحيل العيش فوق سطح الأرض الذي يحمل السيارات، والناس، والأثاث، وكل ما له وزن وكتلة، وستتحول آنذاك إلى أشياء تطفو فوقه .

من أهم الأشياء التي تحافظ الجاذبية الأرضية على استقرارها الغلاف الجوي ومياه البحار والمحيطات، فبدونها لن يثبت الهواء في الجو، بل سيتسرب إلى الفضاء، وهي المشكلة التي يعانيها سطح القمر الذي حرمه ضعف القوة الجاذبة عليه من وجود غلاف جوي يحيط به، لذا يغوص في محيط فارغ، وبدون الغلاف الجوي لن يستطيع كائن حي العيش والبقاء، كما أن السوائل ستغلي وتتبخر إلى الفضاء .

وتضاعف قوة الجاذبية له الآثار نفسها التي تنتج عن ضعفها، لأنه في هذه الحالة سيتضاعف وزن الأشياء، وما يترتب عليه من انهيار المباني والمنشآت، كما ستطال هذه الآثار السيئة النباتات والأشجار، وخطوط الطاقة، والضغط الجوي والطقس .

يشير هارولد باركس، أستاذ الرياضيات في جامعة أوريجون بالولايات المتحدة في مجلة نيوساينتيست، إلى إنه آخر محاولاته خلال العامين الماضيين لقياس الجاذبية الأرضية في معمله بمعهد أبحاث الفيزياء الفلكية المختبرية جيلا التابع لجامعة كولورادو .

وتوقع هذه المرة ألا يتغير الرقم الذي حصل عليه منذ عشر سنوات، ولكن خاب ظنه عندما رأى رقماً مغايراً .

ونشر باركس وجيم فوللر نتائج محاولاتهما لقياس قوة الجاذبية الأرضية في صحيفة فيزيكال ريفيو ليترز الأمريكية التي تصدرها الجمعية الأمريكية للفيزياء، في سبتمبر/أيلول 2010 . وأكدت لهما نتائج دراساتهما منذ ذلك التاريخ إلى الآن ثقتهم في ما توصلوا إليه، بيد أن باركس قال إن ما يقلقه اختلاف القياسات التي توصل إليها عن ما توصل إليه الآخرون .

باري وود، عالم القياسات في معهد كندا القومي لقياس المعايير، ورئيس اللجنة الوطنية التي تقرر الثوابت الفيزيائية الأساسية، ومنها رقم بلانك الثابت الذي يحدد حجم وحدات الطاقة أو شحنة الإلكترون، وقانون نيوتن للجاذبية، وهو الرقم الذي شغل بال باركس وفوللر .

وتقوم لجنة وود كل أربع سنوات بمراجعة هذه الأرقام، ومن المقرر أن تكشف الستار عن آخر نتائجها قريباً .

وخلال 200 سنة، من القياسات المتكررة لثابت نيوتن، أو المعامل G الكبير، بالنسبة إلى لأرقام الأخرى، لم تتعد دقة النتائج أكثر من 1 كل 10 آلاف، وقللت آخر قياسات توصل إليها باركس وفوللر من هذا الرقم . وقالت اللجنة التي يترأسها وود إن الجاذبية في تضاؤل، لكنها لم تعلن عن ذلك رسمياً .

ويختلف سلوك الجاذبية ويكتنفه الغموض، كتأثيراتها المنتشرة في كل مكان من حولنا .

وتمكن اسحق نيوتن عندما سقطت التفاحة من فوق الشجرة باتجاه سطح الأرض، منذ أكثر من 300 سنة، من تحديد أول وصف كمي لقوة الجاذبية الأرضية، ومنذ ذلك الحين حار العلماء في تفسير ما تعنيه هذه القوة . ولم يكن لدى نيوتن إجابة شافية، ولكنه على الأقل قدم تعريفاً لها، ووصفاً بأنها قوة سلسة نستطيع استنتاج وفهم تأثيراتها .

وحسب قانون التربيع العكسي لنيوتن، فالجاذبية تتسبب في انجذاب شيئين لبعضهما البعض بقوة تتناسب مع كميتهما مقسومة على مربع المسافة الفاصلة بينهما . وأشار نيوتن إلى الناتج بالرمز G الكبير .

ولم تنجح أي من المعادلات الحديثة في اكتشاف مصدر هذا الرقم، ولا في معرفة قيمته الدقيقة .

يقول كلايف سبيك الذي قضى 30 سنة في دراسة تقلبات الجاذبية الأرضية في جامعة ببرمنجهام بالمملكة المتحدة، نسلم جميعاً بوجود هذا المعامل، ونسلم بوجوده في قانون نيوتن للتربيع العكسي، وفي النظرية العامة للنسبية لاينشتاين، وأيضاً في ما توصلنا إليه في الآونة الأخيرة من وصف للجاذبية .

وحسب مجلة نيوساينتيست فالسبيل الوحيد لقياس القيمة الفعلية للجاذبية هو قياسها ضمن تجارب تفرض عليها رقابة وتحكم شديدان، فكتلة الأرض الهائلة تجذب إليها كل شيء، ويخفي ذلك حقيقة مهمة مفادها أن الجاذبية تعد أضعف رابع قوة كونية، والأشد دهاءً وخداعاً إذا ما قيست .

ومنذ محاولات العالم البريطاني هنري كافينديش (1731 - 1810) الأولى لقياسها منذ قرنين كانت خطى العلماء تسير على استحياء، وسجلوا تقدماً حثيثاً في المجال .

ويقول وود في معهد كندا القومي لقياس المعايير ليست المسألة مجرد بقاء أحد العلماء لأيام أو حتى لأسابيع داخل معمله ليخرج للعالم بعد ذلك برقم ما، معلناً أنه مقياس الجاذبية الأكيد، فأغلبية التجارب تمتد لعقود، ولا تتوافر هذه المدد الزمنية الطويلة إلا للقليل من العلماء، إضافة إلى قلة المصادر، وافتقاد القدرة على الصبر والاحتمال إلى آخر التجربة .

ويؤكد أنه إذا تمكن العلماء من تحديد المعامل G الكبير بدقة، فسيؤدي ذلك إلى التنبؤ الدقيق بحركة الكواكب والنجوم .

ويقول سبيك إن ضعف العلماء الملحوظ وعدم قدرتهم على التوصل لرقم ثابت يثير السخرية .

وفي ،1995 أزاح فريق من المعمل القومي الألماني للقياسات (PTB) في مدينة براونشفايغ، النقاب عن رقم جديد، باستخدام نسخة حديثة من الجهاز الذي استخدمه كافينديش منذ مائتي سنة .

يقول تيري كوين، رئيس المكتب الدولي للأوزان والقياسات (BIPM) لديهم المعدات، ولديهم الخبراء، والمال والوقت الكافيين، فليس هناك من أعذار .

ووقعت الكارثة عندما أعلن فريق PTB عن رقم جديد يزيد على القيمة المسلم بها آنذاك بستة أجزاء في الألف . وبالمفهوم القياسي، فذلك الرقم يبعد كثيراً عن المنطق، فلا يمكن أن يصدق أحد أن الجاذبية قويت بهذه الدرجة وبهذه الصورة المفاجئة، وأن كل التجارب السابقة سجلت الخطأ نفسه، فلابد إذاً أن يكون هناك خطأ ما .

يقول كوين أعتقد الجميع أننا يجب أن نجتهد أكثر من ذلك، وتجمعت فرق من العلماء من سائر البقاع والتفوا حول هدف واحد وهو التوصل لقيمة ثابتة ومؤكدة للجاذبية، كما تعهدت لجنة وود بعدم الكشف عن أي قيمة للمعامل G، إلى أن يأتي التغيير على لسان أعضاء الفرق المجتمعة .

وأجرى العلماء التجارب لمراجعة الثوابت الأساسية من جديد في ،2002 وأجمعوا على استبعاد الرقم الذي سجله فريق PTB، وأكدوا أن قيمة المعامل G زادت قليلاً، وأن الخطأ الرسمي يعود لما قبل 1998 .

وفي نفس الأثناء كان باركس وفوللر يجريان تجربة استخدما فيها جهازاً مختلفاً عما استخدم في محاولات من سبقوهم وتكون من عدة بناديل معلقة يحيط بها حزم ضخمة من التنجستين، كلما تحركت الحزم للداخل جذبت البناديل لبعضها بعضاً بقدر يصغر قطر شعرة الرأس بألف مرة، بيد أنهما قالوا إن الرقم كبير بالدرجة التي تمكن جهاز مقياس التداخل الليزري من قياسه .

وتتحرك البناديل وحزم التنجستين في بيئة مفرغة لضمان عدم تأثرها بدرجات الحرارة أو بمقاومة التيارات الهوائية التي ربما تبطئ حركة البناديل . كما ثبتت الحزم فوق طبقة سميكة من الهواء المضغوط للحيلولة دون اهتزازها، ولمنع أي مؤثرات خارجية، مُنع أي شخص من المشي ولو على إصبعي قدميه بالقرب من مكان التجربة، فكتلة جسم المار بالمكان ربما تتسبب في انخفاض مستوى أحد جانبي مكان التجربة، ما قد ينشط الجهاز بطريقة غير متوقعة .

والخطورة لا تتوقف فقط عند أعتاب مكان التجربة، فهناك عامل آخر أكثر خطورة، وهو تعرض المكان للشمس عند شروقها، وتنقل أشعتها من مكان لآخر عبر السماء، ما يسبب سخونة جانب من المكان، والانتقال بنفس الأثر للجانب الآخر، محدثاً فيهما قليل من التمدد المتفاوت . وتحدث إمالة للمكان ولكل مايحيط به .

وواجهت التجربة عراقيل أخرى، فذات مرة دق جرس إنذار الحريق، فأحدث تموجات منتظمة في البيانات المتحصل عليها أثناء النهار . كما أن حركة المصعد بالمكان أحدثت تغيراً خفيفاً في جاذبية البناديل، وترتب عليه عدم دقة النتائج .

وتوصل باركس إلى رقم اعتقد أنه النهائي، والذي يقل بمقدار 0،03 في المائة عن القيمة الرسمية للمعامل G .

والسؤال الذي يطرح نفسه بشكل ملح هو هل الجاذبية متغيرة بالفعل؟ حسب علماء، فالإجابة بالنفي .

وأوردت نيو ساينتيست نظريات عدة غريبة متعلقة بالجاذبية، تسلم جميعها باختلاف قوتها من يوم لاخر، وباختلاف المكان، وباختلاف فصول السنة، بيد أننا لا نشعر باختلافها الدقيق .

يقول سبيك يشبه المعامل G، أي من المعاملات الثابتة في قانون نيوتن .

ويذهب كوين لما هو أبعد من ذلك بقوله إننا لا نناقش مثل هذه الأمور، ولماذا نشعر بالضيق عند إخفاقنا في الحصول على قياس دقيق للمعامل G، ونحن ندرك تماماً كم هو مخادع؟ .

يقول سبيك المسألة تشبه إلى حد كبير عملية تنظيف الحديقة من الحشائش الضارة، فبمجرد أن ينتبه صاحبها إلى وجود هذه الحشائش، يبدأ في الشعور بالضيق منها، على الرغم من وجودها قبل التفاته إليها بفترة طويلة .

ويعتزم سبيك وكوين نشر آخر تقاريرهما حول قيمة المعامل G، والمبني على مجهوداتهما التي بدآها في ،2001 والذي يعد نتاج سنوات بحوثهما لسنوات طوال من العمل الدؤوب .

ويؤكد كوين أهمية معرفة القياس الحقيقي للمعامل G، والتي ستتضح آثاره في كثير من المجالات، ليس فقط للوقت الحالي وإنما في المستقبل أيضاً، ويضيف بأن التوصل لنظرية مؤكدة لمعامل الجاذبية، ربما سيؤدي إلى التنبؤ الدقيق بقيمة المعامل G . ويضيف إذا توصلنا لهذه النظرية فسنحتاج لتجربة تقيمية للتأكد من صحة أو خطأ هذه النظرية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"