اللغة العربية وجذورها في إفريقيا

عن ثقافة تنتظر الاكتشاف **
05:23 صباحا
قراءة 7 دقائق

اتسمت الثقافة الإسلامية في معظم البلدان الإفريقية بأنها عربية في طابعها، فقد أقبلت الشعوب الإفريقية عليها، ونهلت منها حتى إنّ الذاكرة المركزية لكثير من بلدان غرب إفريقيا تعتمد بدرجة كبيرة في ما وثّق منها على اللغة العربية، خلال فترة المدّ الإسلامي وانتشار ثقافته ذات الطابع المغربي، لأنّ أكثر الهجرات العربية جاء من بلاد المغرب العربي، فالمذهب المالكي كان من بين ملامح تجذر الثقافة العربية الإسلامية وتمكنها في تلك المناطق.

هناك علماء وفقهاء ومفكرون أفارقة، أسهموا في المسيرة الحضارية للثقافة العربية، فأصبحوا من روادها وأعلامها، مثل: أحمد بابا التمبكتي (ت1627) الفقيه واسع الثقافة ألف الكثير من الكتب، وذيّل لابن فرحون في كتابه نيل الابتهاج والعلامة عبد الرحمن السعدي المؤرخ الكبير والذي ألف كتاب تاريخ السعدي وأشار فيه إلى دلائل وشواهد تؤكد وجود مجتمع ثقافي عربي في غرب إفريقيا يحاكي المجتمعات العربية في شمال إفريقيا، كما ترجم لأكثر من مائة عالم وشاعر ومؤرخ وفقيه إفريقي، عبّروا عن فكرهم بالعربية.

شهدت الثقافة العربية في إفريقيا أيضاً مدناً ومراكز ثقافية اشتهرت بالعلم والفكر، منها: تمبكتو، وأودغست، وأغدس، والتي تعلّم فيها ابن فودي، وكاتشينا، ومن علمائها محمد الكتشناوي الذي امتدحه الجبرتي، وجاندوت، ومن علمائها البكري وزارها الإمام العلامة السيوطي..

بالإضافة إلى ما سبق كانت هناك عدة ممالك ودول وإمبراطوريات إفريقية إسلامية ذات مرجعية ثقافية عربية، فكراً ونهجاً عملياً، مثل غانا، مالي، صنغي، برنو، كانم، صكوتو.

ومن خلال رصدنا ومتابعتنا للأوضاع العامة في المجتمعات الإفريقية وطبيعة الظروف التي تعيشها الثقافة العربية وأصحابها والأبعاد الأساسية التي ترتبط بها، استخلصنا بعض النقاط التي تمثّل قاسماً مشتركاً لتلك الوضعية في أكثر البلدان الإفريقية، وتلخصت تلك السمات المستوحاة في الآتي:

أولاً: ثقافة خارج السياق المحلي: تتميز الثقافة العربية في إفريقيا المعاصرة بأنّها ثقافة خارج السياق المحلي، فلا يوجد للعربية وجود ثقافي مستقلّ في المحافل الوطنية الإفريقية.

ثانياً: ثقافة خارج الأنساق والمنظومة: تعتبر الثقافة العربية في أغلب البلدان الإفريقية ثقافة خارج الأنساق والمنظومة السياسية، حيث لا وجود لها في إطار أو داخل الأنظمة والمؤسسات الرسمية الحكومية.

ثالثاً: ثقافة الأقلية: تعتبر الثقافة العربية في إفريقيا المعاصرة ثقافة الأقلية، بسبب أنّ المتحدثين بها والمنتمين إليها ثقافة وفكراً يعتبرون أقلية عددية بالنسبة إلى بقية السكان.

رابعاً: ثقافة دينية إسلامية: ترتبط الثقافة العربية في السياق الإفريقي وبشكل مطلق بالإسلام، حيث إنّها ثقافة دينية إسلامية، ذات طابع روحاني، حيث إنّ كلّ من ينتمي للثقافة العربية يملك حصيلة وفيرة في العلوم الشرعية، وله ارتباط قوي بعالم روحانية القرآن المنزل بالعربية والذي يتيح لصاحبها التعامل مع قوى غيبية سلباً وإيجاباً.

اتسم الواقع الحالي للمدارس العربية في إفريقيا بالتالي: مجانية تعليم العربية (أو شبه المجاني) لضمان الإقبال عليها - في ظل الأوضاع العامة للعربية والمستعربين - وقد جلب ذلك تداعيات سيئة للغاية، فمجانية التعليم العربي كان لها تأثيرها في تواضع أجور المدرسين، ونتيجة لذلك ضعفت عطاءات هؤلاء المدرسين وتسببت في ظهور مشكلات عديدة بين مؤسسي المدارس العربية، أهمها أنهم يعتمدون في تسديد الرواتب على الهيئات الخيرية وطرق أبواب الأثرياء على رغم ما في ذلك من مشقة ومذلة وسلبيات.

لم تعترف الحكومات الإفريقية بالمدارس العربية، ومع الجهد المضني الذي يبذله أصحاب المدارس العربية، فإنّ العدد الكبير منها ليس معترفاً به رسميا من السلطات الحكومية في معظم الأقطار الإفريقية، وهذا بالطبع له انعكاسات خطيرة على المؤسسات التعليمية وأصحابها وخريجيها، ورغم أنّ هذا الوضع لم يكن مرضيًا لأصحاب المدارس العربية إلاّ أنّ الظروف القاهرة أجبرتهم على الرضوخ له، وفي مقدمة ذلك مخاوفهم من السيطرة الحكومية الكاملة والتي من شأنها المساس برسالتها وأهدافها الإسلامية، إضافة لعدم قدرتهم على الوفاء بالمتطلبات الرسمية للاعتراف الحكومي الذي يستلزم تكاليف باهظة.

تميز الواقع الإفريقي بقلة المدارس العربية مقارنة بغيرها وارتفاع نسبة الاحتياج إليها في الأوساط المحلية، فالدوافع الدينية والحرص على أداء المتطلبات الإسلامية والتي لا بدّ من مرشد وعالم فقيه في الدين وعالي الثقافة العربية كلها من حيثيات تزايد الاحتياج إلى تلك المدارس العربية الإسلامية.

المستعربون الأفارقة

على الرغم من أن القاعدة الأساسية لجماعات الأفارقة المنتمين للثقافة العربية اتسعت بشكل تضمّ أكبر عدد من الشعوب الإفريقية بفضل العامل الديني الإسلام وامتداد نفوذه وانتشار تعاليمه، إلا أنّ الحركة الفكرية العلمية الثقافية العربية المتشبعة بالوعي والإدراك بالذات الثقافية المستقلة لم تنهض منذ سقوط الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية ذات المرجعية الثقافية العربية.

إذا ما حاولنا أن نضع خريطة تصوّر لتصنيف المستعربين الأفارقة وفق بعدين رئيسيين هما: الانتماء للثقافة العربية/ والتحدث بالغة العربية كلغة الثقافة والفكر، فيمكن أن نتوصل إلى هذه التصنيفات التالية: فئة يتكلم أفرادها باللغة العربية وتشعر بالاعتزاز للانتماء إلى هذه الثقافة (لغة القرآن الكريم)وهي الفئة الرئيسة التي تمثّل أكثر من 70% من مجموع المستعربين في إفريقيا، فئة لديها حظ من العربية، ولكنها لا تتحمس للمشاركة في الحياة الثقافية العربية، وتحاول أن تقف موقف حياد في المعركة الثقافية الفكرية الدائرة في المجتمع، فئة ذات انتماء للثقافة العربية بحكم التخصص، لكنها لا تتكلم العربية، بل أحياناً لديها موقف تحفظ من انتشارها وتعلّمها، حيث تركت هويتها الثقافية العربية للذوبان في ثقافة الغرب، فئة لا تتكلم العربية ولا ينتمي أفرادها للعربية ثقافة، ولكنها تتحمس لها وتدافع عنها، وتسعى بشتى الوسائل للتمكين لها، على الرغم من جهلها بها.

التحديات

ألقت الهوية الثقافية العربية التي يحملها بعض الأفارقة بظلالها على واقعهم والأوضاع التي يعيشونها في ظل مجتمعات ذات طبيعة معقدة سياسياً ودينياً وثقافياً، وسوف نقتصر على أهم التحديات، وهي التحديات الذاتية والتحديات الداخلية والتحديات الخارجية.

بالنسبة إلى التحديات الذاتية يمكننا القول بأن الوعي والإدراك الحقيقيان بالذات وطبيعتها يعتبران أهم الشروط الأساسية للتعرف الى كينونة الهوية وخصائصها المميزة لها عن الآخر، وقد أجمع المنظرون للأيدولوجيات الفكرية القومية عبر التاريخ على أنّ اللغة تشكل العنصر الرئيسي الأهم في تحديد الهوية الثقافية لأية أمة أو شعب، ولذا كانت اللغة العربية هي التي شكلت تاريخياً القاسم المشترك الأول الذي أدى إلى بدايات الوعي العربي حتى قبل ظهور الإسلام، ومع شديد الأسف إنّ هناك معان غائبة عن إدراك معظم المستعربين الأفارقة في هذا الشأن، وهي الإدراك والوعي التام بذاتيتهم الثقافية واستقلاليتها عن التبعية للآخر.

كان من تداعيات هذه الحالة المؤسفة أن جلبت تداعيات في مجملها سلبية على المثقفين بالعربية، ومنها: ظاهرة اليأس والجنوح نحو الاستسلام لمحاولات النفي من التاريخ التي تكرّسها القوى المعادية للإسلام وثقافته العربية في المنطقة.. ظاهرة الضعف بشكليه المادي والمعنوي، حيث انتشر الضعف الفكري وضمر المستوى الثقافي والعلمي بين المستعربين جراء سلسلة عمليات ضغط استهدفت مسخهم ثقافياً وفكرياً، ومن توابعها ضعفهم في العربية، الشيء الذي أصبح ظاهرة منتشرة بل متزايدة حتى في صفوف الذين كانوا يجيدونها ويتميزون بالملكة السليمة من قبل إلى جانب تغييب أدوار الكثير من النخبة والصفوة من المستعربين داخل البيت الإسلامي، بسبب انتمائهم لمدارس ومشايخ وعلماء محليين، وساد بذلك نوع من الجمود الفكري، يفرض فيه الخضوع لتلك المدارس والمشايخ ويرغم الناس على التخلي عن النقد الاجتماعي والعلمي، وسادت الساحة الفكرية ثقافة الاتباع التبريري والتضييق على النقد الموضوعي.

بخلاف التحديات السابقة هناك مجموعة من التحديات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. برزت الإشكالية السياسية في كون العربية ثقافة خارج حدود الاعتبار السياسي لمعظم الأنساق والأنظمة السياسية في إفريقيا جنوب الصحراء، فعلى سبيل المثال: لا يوجد لها وجود معتبر داخل المؤسسات الرسمية الحكومية، تحرير معاريض طلب في الوزارات، فهذه الوضعية تمثّل تحدياً حقيقياً للوجود الثقافي العربي في الحياة والمجتمعات الإفريقية المعاصرة. وهناك تفاعل متبادل بين المجتمع والمستعربين الأفارقة، غير أنّ طبيعة الخاصية الدينية للعربية وثقافتها والمتمثلة في الإسلام، قد ألقت بظلالها على ذلك، فمعظم أوجه التفاعل الاجتماعي في غالبيته يأتي من مداخل الاستخدامات الاجتماعية للدين الإسلامي لهؤلاء الناس، (الإمامة/الفتوى/التوجيه والإرشاد الديني) بالإضافة إلى استخدامهم في جلب الأعمال الروحانية للحصانة من الأرواح الشريرة، الأمر الذي تشوهت معه سمعة الكثير منهم وروّج له خصومهم للضرب على أوتاره.

الإشكالية الناجمة من الوسط الثقافي لها وقع أكبر ومضاعفة شديدة على أوضاعهم، فطبيعة النظرة إليهم سلبية وقاتمة، فهم يعيشون حالة تغييب متعمد وإقصاء تام من دائرة الاهتمام والاعتبار، فهم ليسوا مثقفين ولا أنصاف مثقفين، طالما لا يعرفون اللغة الأجنبية السائدة في المجتمع، بل هم في بعض الأوقات ينعتون بنصف إنسان، لأنهم لا يرون الواقع إلا من خلال عيون الموتى!!

تتمثل التحديات الخارجية في شبهات وإشكالات مثارة ضدّ الثقافة العربية في بعض المناطق الإفريقية، فهناك حملات عدائية قوية تشنّ ضدّ العرب وثقافتهم العربية والتي تروّج لها بعض القوى والجهات عبر قنوات عدة في الأوساط الإفريقية، وتمثّل في جملتها تحديات تعيق الجهود والمحاولات الرامية لتعزيز التقارب بين الأفارقة والعرب من جهة، وبين المدّ الإسلامي وانتشاره من جهة أخرى، حملات يخطط لها وتنظم في مختلف صور وفي أكثر من مجال وحقل، غير أنّ الفكرة الأساسية لتلك الحملات تقوم على جدلية العلاقة بين العروبة والإفريقانية باعتبارهما هويتين متناقضتين لا يمكن أن يلتقيا، وتسعى تلك الحملات لتدعيم اتجاهات التشكيك في نوايا العناصر العربية، ومن بين تلك الشبهات والإشكالات المثارة ما يلي:

1- اتهام العرب بالسعي لفرض استعمار جديد على إفريقيا وشعوبها عبر نشر الثقافة العربية

2- الدعوة إلى عدم اعتبار الهوية الإفريقية لعرب شمال إفريقيا

3- الدعوة إلى رفض القبول بالعربية كلغة إفريقية وطنية

4- إثارة بعض التجاوزات التي حصلت في الماضي والتركيز على(عملية المتاجرة بالإنسان الإفريقي الأسود) من قبل بعض العناصر العربية، وتوظيفها لمصلحة القوى الإمبريالية المعادية للإسلام وللعرب.

هذه التحديات جميعها هي التي شكلت خلفية داعمة للمواقف المتباينة لمختلف الجهات والأوساط في المجتمعات الإفريقية ذات التوجه الأنغليفوني أو الفرنكفوني من العربية والمنتمين إلى ثقافتها، والتي تتأرجح بين مواقف عادية، وأخرى متخوفة ومتشككة، واستعلائية وإقصائية تارة أخرى.

اتجاهات وقضايا

واجه المستعربون في إفريقيا خلال تاريخهم الحديث مهمات صعبة، هي مسؤولية الانعتاق من الهيمنة والغزو الثقافي الغربي الاستعماري، وقد شكّل خيار المواجهة الإطار العام للعمل منذ سقوط الإمبراطوريات الإفريقية الإسلامية ذات المرجعية الثقافية العربية، وتطور هذا العمل خلال ما يزيد على قرن ونصف القرن، وحتى مع قيام الدولة الوطنية الحديثة لم يتغير شيء بالنسبة لهذه الوضعية، فقد برزت في هذا الشأن طروحات وأفكار تمثّل تيارات فكرية مختلفة(المحافظ/الليبرالي/ الإصلاحي).

#183; مدير المركز النيجيري للبحوث العربية وأستاذ في جامعة الحكمة في نيجيريا

** مقتطفات من محاضرة تم تنظيمها مؤخراً في

المركز الثقافي الاعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"