ساهم البريد في إنعاش الحركة الثقافية والفكرية في الإمارات منذ الربع الأول من القرن العشرين، فسفن الشركة البريطانية الهندية للملاحة التي أخذت تمر على دبي بواقع رحلتين في الشهر قادمة من الهند، وأيضاً السفن التجارية التي كانت تعمل بين الإمارات والدول المجاورة، كانت وسائل نقل مهمة للبريد الشخصي بين المثقفين، ونقل الكتب والمجلات التي كانت تصدر في العراق ومصر وبلاد الشام والهند إلى الإمارات، فكانت تصل من العراق إلى موانئ دبي والشارقة صحيفة الصراط المستقيم، ومجلة جوز ولوز السياسية الفكاهية، ومجلة بوحمد ومن مصر كانت تصل مجلات الشبان المسلمون والشورى والفتح وصحف الأهرام والمقتطف ووادي النيل والرسالة والهلال والمنار والبيان والحقوق ومن السعودية أم القرى والإصلاح والمنهل وصوت الحجاز، ومن البحرين جريدة البحرين، ومن الكويت مجلة الكويت ومن سوريا المقتطف، وكانت تلك الصحف والمجلات تصل إلى الطبقة المثقفة في الإمارات نظير اشتراكات سنوية، وكانت هناك مراسلات بين الطبقات المثقفة في الإمارات والعالم العربي . ويشير أحد المصادر التاريخية إلى أن البريد كان ينقل الرسائل المتبادلة بين المفكر الإسلامي محب الدين الخطيب وإبراهيم المدفع وغيره من المثقفين في الإمارات، ورسائل بين الأديب عبدالله بن صالح المطوع وبعض المثقفين والكتاب في الدول العربية، ورسائل بين الأديب والقاضي محمد بن سعيد بن غباش قاضي رأس الخيمة مع الملك عبدالعزيز ملك السعودية وشيوخ المنطقة مثل الشيخ عبدالله السالم الصباح حاكم الكويت، وعلي بن جاسم آل ثاني حاكم قطر، كما كانت هناك مراسلات بين الشيخ عبدالله بن علي المحمود والشيخ عبدالله محمد الشيبة وغيرهم، مع شيوخ دين في السعودية وقطر ومصر وغيرها . (1) وبانتهاء عقد الخمسينات من القرن العشرين، بدأ البريد في الإمارات عهداً جديداً بفتح فروع جديدة، وتوسع شبكة التوزيع، وظهور الطوابع لكل إمارة على حدة، وأصبحت الطوابع مصدر دخل لبعض الإمارات .
البريد في الستينات: حتى بداية الستينات من القرن العشرين، كان بريد دبي تابعاً للسلطة البريطانية التي كانت تديره من خلال بعض الموظفين المعينين من قبلها، وكان مدير البريد البريطاني في البحرين مسؤولاً عن مكتب بريد دبي وقطر ومسقط، كما وافق المسؤولون البريطانيون في رسالة مؤرخة في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1961 على افتتاح مكاتب بريد في أبوظبي والشارقة، في تلك الفترة بدأ الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي بالطلب من الحكومة البريطانية انضمام بريد دبي للحكومة المحلية، والخروج من دائرة السيطرة البريطانية، وبنفس الوقت تعيين مستشار بريطاني للمساعدة في إدارة البريد بعد انفصاله . (2) كما طالب الشيخ راشد باستمرار مكتب البريد البريطاني بضمان علاقة دبي باتحاد البريد العالمي، وتعهد بدفع ثمن الخدمات المقدمة للسلطة البريطانية عبر تمثيلها لدبي في اتحاد البريد العالمي . (3) .
كان مدير البريد في البحرين، والذي يشرف على مكتب دبي، يقوم بأداء العديد من الخدمات لدبي مثل المراسلات مع الإدارات البريدية الأخرى، والتعامل مع المطالبات المقدمة من الجمهور وغيره والإجابة عن الاستفسارات، ودراسة الوثائق المستلمة من اتحاد البريد العالمي وتنفيذ مضمونها، ومراقبة مسارات البريد، وتطوير الوضع بسلسلة من التغييرات في الحركة والمنافذ، وإصدار الطوابع وغيرها، وكان انفصال البريد بدبي عن الإدارة البريطانية في البحرين، يعني تولي الموظفين لجميع هذه المهام، وهذه أمور تحتاج إلى خبرة ودراية، وتشير رسالة دائرة الخدمات البريدية في لندن لوزارة الخارجية بتاريخ الأول من يناير/كانون الثاني 1962 إلى أن موظفي بريد دبي ليسوا مؤهلين لتسلم إدارة البريد حتى لو استمر مدير البريد بالبحرين تقديم المشورة بين الحين والآخر، فالبريد يحتاج إلى أناس مؤهلين، ويجيدون التحدث بلغات أخرى إضافة إلى اللغة العربية، وتختتم الرسالة بالقول إنه من غير المحتمل العثور بسرعة على الموظفين المناسبين الذين يجيدون الانجليزية والفرنسية وغيرهما، والمتدربين بشكل جيد في الشؤون البريدية العالمية . (4) وتعليقاً على ما ذكرته رسالة مصلحة البريد البريطانية، فبلا شك أن الخدمات البريدية تحتاج إلى موظفين مؤهلين لهذه المهام، ولكن الأمور لا تصل إلى درجة إعاقة هذا الموضوع، والادعاء باستحالة قدرة دبي على تسيير أمورها من خلال موظفيها، فكل ما في الأمر هو إرسال مجموعة من الموظفين إلى البحرين للتدرب في مصلحة البريد، ولكن السلطة البريطانية كانت تضع العراقيل بشكل متعمد لأية محاولات خروج على سيطرة الإدارة البريطانية، وفي النهاية، وبعد عدة أشهر، وافقت الحكومة البريطانية في مايو/أيار 1962 على تسليم مكتب البريد في دبي ليصبح تحت سلطة الحاكم المباشرة، كما وافقت على أن تكون ممثلا لدبي في اتحاد البريد العالمي . (5) وتسلمت دبي مسؤولية خدماتها البريدية، وانتهى دور وكالة البريد البريطانية في 14 يونيو/حزيران ،1963 وأصدرت مجموعتها الأولى من الطوابع وعليها صورة الشيخ راشد بن سعيد، وتوالت إصداراتها بمعدل إصدار شهري طيلة الستة أشهر الأولى من بدء عمل إدارة بريد دبي الجديدة، هذا بالنسبة لدبي، أما الشارقة، ففي بداية الستينات، تم تعيين بروس كوندي ليعمل مستشاراً بريدياً لحكومة الشارقة، وكوندي الذي سمي أيضاً باسم عبدالرحمن كوندي أمريكي الجنسية، وعمل باليمن في مجال البريد خلال فترة الخمسينات قبل أن ينتقل إلى الشارقة، وبدأ كوندي بالعمل على تصميم الطوابع التي ستستخدم عند افتتاح مكتب البريد، كما قام بتجهيز مقر مكتب البريد الذي كان عبارة عن غرفة مقسمة إلى قسمين، وبعد اتخاذ الترتيبات اللازمة مع إدارة البريد البريطاني بالبحرين فيما يخص البريد الجوي والبحري، تم افتتاح أول مكتب للبريد في الشارقة في 10 يوليو/ تموز ،1963 وفي نفس اليوم، طرحت حكومة الشارقة إصدارها الأول من الطوابع للبيع، كما افتتحت حكومة الشارقة مكتباً للبريد في خورفكان في 20 فبراير/شباط ،1965 وفي البداية لم تكن توجد في مكتب بريد خورفكان اختام الغاء، وكانت الرسائل تختم في بريد الشارقة، ثم ترسل إلى وجهتها، وفي عام ،1966 أصبحت هناك أختام بريدية تحمل عبارة خورفكان الشارقة، وفي يوليو/ تموز ،1966 تم الانتقال إلى مكتب بريد جديد لمواكبة التطورات الجديدة في الخدمات البريدية في الشارقة، وخلال عام 1967 استلم سالم بن علي المحمود إدارة مكتب البريد، وهو أول مواطن يتسلم إدارة مكتب البريد بالشارقة، من الأردني يوسف سالم تدروس الذي عاد للأردن، وبالنسبة لأبوظبي، ففي 30 مارس/ آذار 1963 افتتحت وكالة البريد البريطانية أول مكتب لها في أبوظبي، ومكتب آخر في جزيرة داس، ولم يمض عام واحد، حتى استلمت إمارة أبوظبي خدماتها البريدية، وذلك في 30 مارس/ أذار ،1964 وأصدرت أول مجموعة من الطوابع تحمل اسم أبوظبي مكونة من فئات عدة، وعليها صورة حاكم الإمارة الشيخ شخبوط بن سلطان وقصر الحصن .
طوابع البريد: قبل ظهور الانترنت والقنوات الفضائية، كان للكثير من الناس هوايات يقضون بها أوقات فراغهم، ومنها جمع الطوابع، وكان لي صديق يطلب من كل شخص يعرفه يسافر إلى بلد ما، أن يحضر له مجموعة من طوابع ذلك البلد، وكان يضع تلك الطوابع في ألبومات أخذت تزداد يوماً بعد آخر وتأخذ حيزاً كبيراً من منزله، ولا أعرف ماذا أصبح مصيرها بعد أن سافر للدراسة في الخارج، ولكنني لم أعد أسمع بهذه الهواية في السنوات الأخيرة، وكانت طوابع البريد تمثل أهمية كبيرة لبعض الإمارات كونها أحد مصادر الدخل للإمارة، ولهذا، صدرت مجموعات كبيرة من الطوابع في كثير من الإمارات خلال فترة أوائل الستينات تحمل صورة قديمة أو حدثاً عالمياً أو شخصية تاريخية أو علمية أو أجنبية تزين تلك الطوابع الملونة الجميلة .
ومرت إصدارات الطوابع بالإمارات بمراحل عدة وهي: الطوابع التي استخدمت منذ افتتاح مكتب بريد دبي عام 1909 حتى منتصف الأربعينات: في تلك الفترة استخدمت الطوابع الهندية، وبما أن المكتب كان تابعاً للبريد المركزي في بومبي، والهند في تلك الفترة كانت تحت الانتداب البريطاني، منذ استخدمت طوابع مرسوم عليها بعض ملوك وملكات بريطانيا مثل فيكتوريا وإدوارد السابع وجورج الخامس وجورج السادس، وعندما ألحق بريد دبي بباكستان بعد الانفصال في الأربعينات، كان الطابع المستخدم هندياً يحمل صورة ملك بريطاني ومكتوب عليه اسم باكستان، وفي عام 1949 ألحق بريد دبي مباشرة بالبريد البريطاني في لندن، وأصبحت ادارة البريد تتبع الإدارة المركزية للبريد في بريطانيا، حيث استخدمت في المراسلات الطوابع البريطانية نفسها التي تستخدم في إنجلترا، إلا أنه تم تسعيرها بالعملة المستخدمة في الإمارات وهي الروبية الهندية، وظلت تستخدم حتى إصدار طوابع باسم الإمارات المتصالحة . (8)
طوابع الإمارات المتصالحة: خلال الفترة من 7 يناير/ كانون الثاني 1961 إلى 14 يونيو/حزيران ،1963 أصدرت الحكومة البريطانية طوابع باسم الإمارات المتصالحة وكانت تلك الطوابع تحمل رسماً فيه سبع نخلات ترمز للامارات السبع، ومجموعة أخرى فيها صورة قارب ترمز لارتباط الإمارات بالبحر، ولكن تلك الطوابع لم تلق رواجاً في الإمارات، وكانت تستخدم في دبي فقط، أما بقية الإمارات فقد استمرت تستخدم الطابع البريطاني، واستمرت تلك الطوابع إلى أن استلمت الحكومة المحلية بدبي مكتب البريد . (9) ويبدو أن الحكومة البريطانية شعرت بعدم تقبل الناس للطوابع التي أصدرتها، لذا قررت أن تصدر طوابع لكل إمارة على حدة عندما تلحق إدارات البريد بالحكومات المحلية، ويشير أحد التقارير إلى توصية من البريد البريطاني بافتتاح مكاتب للبريد في أبوظبي والشارقة، وإصدار طوابع لكل من أبوظبي ودبي والشارقة، إضافة إلى إصدارات خاصة من الطوابع كل سنة لأبوظبي والشارقة وقطر . (10)
طوابع الإمارات: أول إمارة أصدرت مجموعة طوابعها الخاصة بها هي دبي، بعد أن أصبح البريد تابعاً للحكومة المحلية عام ،1963 وكانت المجموعة الأولى من الطوابع تتكون من 17 طابعاً صدرت في 15 يونيو 1963 تحمل صورة الشيخ راشد بن سعيد وبعض الرسومات عن إمارة دبي، تلتها الشارقة التي أصدرت مجموعتها الأولى في 10 يوليو/ تموز 1963 وتحمل صورة حاكم الشارقة الشيخ صقر بن سلطان القاسمي واسم الشارقة واسم الإمارات المتصالحة وخلال عام ،1964 أصدرت كل من أبوظبي ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين والفجيرة مجموعاتها الأولى من الطوابع، وحوت المجموعة الأولى لأبوظبي صور الشيخ شخبوط بن سلطان وصدرت في 30 مارس/آذار ،1964 أما رأس الخيمة، فقد اصدرت مجموعة من 3 طوابع تحمل صور الشيخ صقر بن محمد القاسمي، وسبع نخلات ترمز للإمارات السبع، والطابع الثالث يحمل صورة مركب شراعي، وصدرت في 21 ديسمبر/ كانون الأول ،1964 كما أصدرت عجمان مجموعة من 18 طابعاً تحمل صورة الشيخ راشد بن حميد النعيمي ومجموعة من الطيور والأسماك، وصدرت المجموعة الأولى من طوابع أم القيوين في 29 يناير/كانون الثاني 1964 وتحمل صورة الشيخ أحمد بن راشد المعلا، أما الفجيرة فقد صدرت مجموعتها الأولى في 22 سبتمبر/أيلول 1964 وتحمل صورة الشيخ محمد بن حمد الشرقي . (11)
توصيل الرسائل: على الرغم من تأسيس مكتب بريد دبي عام ،1909 وتطور العمل البريدي بعد افتتاح مطار الشارقة عام ،1932 وخاصة للتجار وأيضاً للمراسلات التي تخص الإدارة البريطانية في المنطقة إلا أن المراسلات بين أبناء المجتمع وذويهم في البلدان الأخرى ظلت ضعيفة، وتعتمد على الطرق القديمة، وأهمها المشافهة، أي نقل الأخبار بواسطة أشخاص مسافرين يتولون عملية نقل الأخبار شفهياً، وكانت مواسم الغوص فرصة ثمينة لنقل الأخبار بين مدن الخليج المختلفة، كما تولت رحلات السفن التجارية بين موانئ الخليج مسؤولية نقل جزء كبير من الرسائل الشفاهية بواسطة أفرادها العاملين على ظهر تلك السفن، وكانت تلك الرسائل الشفاهية في معظمها تبليغ سلام أو نقل أخبار سعيدة أو حزينة، أو نقل أغراض أو أموال، وخلال النصف الأول من القرن العشرين، ظهرت مجموعة من الكتبة الذين تلقوا تعليماً بسيطاً على يد رجال الدين، ويجيدون القراءة والكتابة، وبدأ هؤلاء يخطون الرسائل للناس الراغبين في مراسلة ذويهم، كما تم تعيين بعض هؤلاء ككتبة للحكام، وكان يسمى من يعين بهذه المهنة الكيتوب، وهو بمثابة أمين سر للشيخ الحاكم، وأصبح لكل حاكم كيتوب، واشتهرت أسر بأكملها بهذه الكنية الكيتوب لأنهم تخصصوا بهذه المهنة، أما الكتبة الذين يخطون الرسائل للعامة من الناس، فكان يطلق على أحدهم اسم كراني، وهي كلمة فارسية تعني كاتب، واتخذت بعض العائلات في الخليج من هذه الكلمة لقباً لها بسبب امتهانها هذه المهنة، ورغم تطور حركة البريد منذ الاربعينات من القرن العشرين، إلا أن حركة نقل الرسائل بين الأفراد والتجار وغيرهم من مركز البريد ظلت بدائية، فلم تكن توجد سيارات أو وسائل نقل منتظمة تنقل الرسائل، ولذلك استخدمت وسائل متعددة، منها البنوك، فبعد افتتاح البنك البريطاني لفروع له في أبوظبي ودبي، تولى عملية بيع الطوابع وتوزيع الرسائل، وكان عنوان كثير من السكان هو عنوان البنك البريطاني، كما تولى البنك العثماني في أبوظبي هذه المهمة من ضمن نشاطاته، وكان معظم الأجانب من هنود وباكستانيين وأوروبيين وغيرهم يعتمدون على البنكين في استلام رسائلهم، أما دواوين الحكام والتجار والمواطنين، فقد كانوا يستلمون رسائلهم بواسطة أشخاص تولوا مهمة توزيع البريد في الشارقة وبقية الإمارات، وأهم هؤلاء هو أحمد عبدالرحمن الشامسي الذي سمي باسم أبو أحمد رغم أن اسمه أحمد، وخليفة بوعميم، وبومنتاح، وكان أبو أحمد هو الأشهر، حيث كلفه الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة الذي تولى الحكم في عام 1924 إلى عام 1951 مسؤولية البريد بالشارقة، لما عرف عنه من أمانة وجدية في العمل وقدرة على تنظيم أعمال البريد، وكان أبو أحمد مكلفاً بإحضار البريد من دبي ليسلم ما هو خاص بحكومة الشارقة إلى المسؤولين بالحكومة، ويسلم الرسائل الخاصة إلى أصحابها من المواطنين والمقيمين، وفي الوقت نفسه كان مسؤولاً عن توصيل الرسائل الصادرة عن حكومة الشارقة إلى الحكومة المحلية الأخرى، وكان أبو أحمد يحضر البريد من مركز البريد الواقع على خور دبي، وكانت الرحلة التي يقطعها أبو أحمد بين الشارقة ودبي رحلة شاقة يستخدم فيها المواصلات البرية والبحرية، وكانت حكومة الشارقة اتفقت مع السائقين العاملين على سيارات الأجرة الموجودة بموقف السيارات والمخصصة لنقل الناس بين الشارقة ودبي، على نقل أبو أحمد دون مقابل لإحضار البريد اليومي من دبي، وعندما يصل أبو أحمد إلى دبي، يستقل أحد القوارب في خور دبي للانتقال إلى بر دبي، ثم يمشي إلى أن يصل إلى مركز البريد ليأخذ أكياس الرسائل، ويعود من حيث أتى، وحينما يصل إلى الشارقة في رحلة العودة، كان ينتظره في موقف السيارات شخصان يتوليان حمل الأكياس ومساعدته في توزيع الرسائل على أصحابها، ومن المعروف أن يومي الاثنين والأربعاء من كل أسبوع هما موعدا احضار الرسائل، حيث يكتظ موقف السيارات بالشارقة بمنتظري الرسائل من أبو أحمد، وكان الجمهور المنتظر يتكون عادة من مدرسي البعثات التعليمية الموجودة بالشارقة وهي البحرينية والمصرية والفلسطينية، وحين يصل أبو أحمد، يقف في ساحة الموقف، ويبدأ بقراءة أسماء الأشخاص الذين وصلت إليهم رسائل، وكان الموجودين يلتفون حوله وينتظرون بلهفة سماع أسمائهم، وكما ذكرنا سابقاً، تؤخذ بقية الرسائل ليتم توزيعها من طرف أبو أحمد ومساعديه، ولم يكن أبو أحمد يعاني فقط من ارهاق الانتقال الأسبوعي مرتين بين دبي والشارقة لنقل الرسائل، وإنما كان يقوم بتوزيع الرسائل على أصحابها في الشارقة سيراً على الأقدام، وكان ذلك عملاً مرهقاً وخاصة في فصل الصيف، أو خلال فصل الشتاء وخاصة أيام سقوط المطر، فكان أبو أحمد مشهوراً بالسوق وبين الأهالي والتجار والمدرسين، كما كان قوي الذاكرة، فعندما يقابله شخص ما، ويسأل عن رسائله، يتذكر أبو أحمد في نفس اللحظة إن كانت هناك رسائل قد وصلت لهذا الشخص أم لا، وكان حريصاً على تسليم الرسائل أولاً بأول من دون تأخير، كما كان من عادته أن يقوم بفرز الرسائل التي لم توزع، ويلف كل مجموعة منها بخيط، وكانت كل مجموعة منها تخص حياً معيناً، أو سوقاً، أو بعثة تعليمية معينة، أو مدرسة، وكان يعرف جميع العناوين بالشارقة وأصحابها، ولم تكن مهمة أبو أحمد محصورة باستلام وتسليم الرسائل فقط، ففي الأيام الأخرى من الأسبوع، كان يمر على المدرسين في مدارس العروبة والقاسمية وحطين كل صباح للسلام عليهم واستلام رسائلهم الراغبين في إرسالها إلى ذويهم، كما كان يمر على تجار دبي ويستلم منهم رسائلهم أو أي أغراض يرغبون في إرسالها إلى تجار الشارقة، كما أن أبو أحمد كان المسؤول عن توفير الخدمات البريدية الخاصة بمطار الشارقة الذي كان يسمى المحطة، وظهر فيما بعد مراسلون كأبو أحمد، وأشهرهم خليفة بوعميم الذي كان يوزع الرسائل والكتب والصحف والمجلات التي تصل إلى ميناء الشارقة من الخارج بواسطة السفن، كما اشتهر شخص يسمى بومفتاح الذي عرف بمعطفه الذي تملؤه بالرسائل، والمعطف يسمى محلياً كوت، وأصبح هذا الكوت مضرباً للأمثال، فيقولون فلان كوته مثل كوت بومفتاح . (12)
ولكن خدمات البريد شهدت توسعاً كبيراً بعد إعلان الاتحاد، حيث أصبح البريد تابعاً لوزارة المواصلات، ثم أصبح هيئة مستقلة ومتطورة في وقتنا الحاضر .
هوامش
1) انظر مجموعة كبيرة من المراسلات بين الأدباء في المرجع التالي، رسائل الرعيل الأول من رواد اليقظة في الإمارات، ج ،1 للدكتور عبدالله الطابور، إصدار دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 1999
2) مختارات من أهم الوثائق البريطانية، تاريخ الإمارات العربية المتحدة، مجلد ،3 ص 265-266
3) الهيئة العامة للبريد، لندن، إلى وزارة الخارجية، يناير ،1962 مختارات من أهم الوثائق البريطانية، مجلد ،3 ص 403
4) المرجع السابق
6) وزارة الخارجية البريطانية، 8 مايو ،1962 مختارات من أهم الوثائق البريطانية، مجلد ،3 ص 402
7) عبدالعزيز عبدالرحمن المسلم ومحمد عبدالسميع يوسف، بريد الإمارات في الماضي، ص ،11 72
8) المرجع السابق، ص 68
9) معتز محمد عثمان، تاريخ طوابع الإمارات، ص 33
10) مصلحة الخدمات البريدية، 14 نوفمبر ،1961 مختارات من أهم الوثائق البريطانية، مجلد ،3 ص 265
11) معتز محمد عثمان، تاريخ طوابع الإمارات، صفحات متفرقة
12) عبدالعزيز عبدالرحمن المسلم، ومحمد عبدالسميع يوسف، م .س
Facebook:Mohammed Faris AL Faris