قبل سبعة أعوام، سمح في سوريا لأول صحيفة خاصة هي الدومري بالصدور داخل البلاد فجاءت ناقدة ساخرة بالقلم والصورة حيث استخدمت الرسم الكاريكاتيري بدلا من الصور الفوتوغرافية وتشددت كثيرا في انتقاد الواقع الإداري والسياسي في دمشق، ما عجل في إيقافها قبل أن تكمل عامها الأول وليضع قرار توقيفها عن الصدور أول إشارة استفهام حول الوعود الحكومية بأن يعمل إعلام خاص إلى جانب الإعلام الرسمي في سوريا.
وبعد سنوات قليلة بدأ المواطن السوري يرى ولو بشكل بطيء قنوات تلفزيونية منوعة ويسمع عبر الأثير إذاعات خاصة فنية، ويقرأ صحفاً رياضية وفنية واجتماعية وكلها لا تحاكي السياسة فطرح السؤال الملح نفسه: لماذا كل شيء عدا السياسة؟
جاء الجواب قبل سنتين من الآن بالسماح لقناة تلفزيونية خاصة ذات طابع سياسي بحت بالبث هي قناة دنيا مترافقة زمنياً مع صدور أول صحيفة سياسية خاصة ومستقلة في البلاد منذ أربعة عقود هي صحيفة الوطن.
إلا أن المتابع وبعد أن عرف أن هذه الوسائل الإعلامية الخاصة تبث من المنطقة الحرة وليس من داخل المدينة.. عاد ليتساءل: هل هذا الإعلام الخاص داخلي أم خارجي؟ وبعد أن أعلن وزير الإعلام السوري ومديرة التلفزيون السوري الرسمي ورؤساء تحرير صحف محلية حكومية أن السطوة والانتشار والمتابعة ما تزال أفضليتها للإعلام الرسمي، كان لا بد من مساءلة القائمين على الإعلام الخاص بعد فترة لا بأس بها من إطلاق إعلامهم عما قدموه؟ وكيف يعملون؟ وهل هم مستقلون فعلا أم أن المسألة غير ذلك؟ وما معنى أن يبث الإعلام الخاص من داخل المنطقة الحرة؟ ولماذا لا يخرجون عشرة أمتار خارج حرم تلك المنطقة المحسوبة على خارج الحدود السورية؟
هي مجموعة من الأسئلة طرحت فأجاب عنها فؤاد شربجي مدير قناة دنيا الخاصة ووضاح عبد ربه رئيس تحرير صحيفة الوطن الخاصة، والصحافية سعاد جروس المعروفة بانتقادها الدائم للأداء الإداري في سورية.
يقول فؤاد شربجي: عندما أسسنا قناة دنيا الخاصة، وضعنا في أولوياتنا أن نتواصل مع المواطن العربي ليشعر هذا المواطن أننا نقدر على قول الحقيقة كاملة كما هي دون أي مساس بها من أحد، وبعد فترة من إطلاق القناة بدأنا نشعر بالانتشار والمتابعة من قبل الجمهور العربي عامة والسوري خاصة.
نحن مستقلون في عملنا ولا علاقة لأحد بنا ونبث برامجنا من المنطقة الحرة في دمشق، وعلى ذلك تعامل القناة وكأنها قناة أجنبية أي من خارج الحدود لذا لا رقابة على برامجنا ولا على أخبارنا حتى السياسية.
تعرضنا لمضايقات من الحكومة في سوريا أكثر من مرة علما أننا قناة تلفزيونية ولسنا حزباً سياسياً في الجبهة الوطنية في سورية ولا حزباً معارضاً وإنما نعبر عن آرائنا، والتمويل الذي يأتينا لا علاقة للدولة به لا من قريب ولا من بعيد، فالقناة يمولها سبعة رجال أعمال معروفين، وبالمختصر المفيد هناك جهات رسمية تسبب لنا مشكلات.
ولمن قال ويقول إن لوزارة الإعلام علاقة بنا، عليه أن يعرف أننا بمجرد بثنا من المنطقة الحرة فإن وزارة الاقتصاد هي صاحبة العلاقة بنا، لكن بعض المسؤولين في وزارة الإعلام اعتبرونا منافسين لهم لذا لم يدعمونا أولاً، ومن ثم قاموا بتصرفات وأفعال بحقنا لا داعي لذكرها. الفرق بيننا وبين الإعلام الرسمي هو أننا نقدم إعلاما للطبقة الشعبية العادية في سوريا والعالم العربي ولا نقدم شيئا للمثقفين الذين للأسف لا يكتفون بعدم مشاهدة التلفاز بل ويحتقرونه أيضاً.
هناك مستقبل واعد للإعلام الخاص في سورية شرط أن يتحلى المجازفون بالصبر والجرأة في الطرح والتحدي الذي هو أهم عوامل نجاح أي إعلام خاص في العالم، فلا يكفي أن يوافق أصحاب القرار في دمشق لنا على إنشاء قناة أو جريدة خاصة لأن الأهم من ذلك هو وجود كفاءات وكوادر فنية وإعلامية لتحقيق هذا الإعلام، كما أنه من الضروري وجود عقليات إدارية عصرية في مرافق الحياة العامة تفهم وتتفهم معنى الإعلام الخاص.
وضاح عبد ربه يقول: منذ سنتين أقدمنا على مغامرة مادية وسياسية فأنشأنا أول صحيفة سياسية خاصة في سوريا منذ أربعة عقود، وكان هدفنا الأول تقديم إعلام خاص للمواطن السوري المتعطش لنوع كهذا من الإعلام، وبعد الأعداد الأولى تبين لنا أننا نجحنا في ذلك حيث كانت النسخ اليومية تنفد من الأسواق مبكراً.
اخترنا أن نعمل من المنطقة الحرة لعدة أسباب أهمها الهروب من الروتين المتبع في العمل الإداري في سوريا، وفي الصحافة يؤثر هذا الروتين من الناحيتين المادية والفنية والطباعة، ولأننا نعرف تماماً من يعبث في العمل الإعلامي السوري فقد اخترنا البعد والعمل بصمت، لكن للعمل في المنطقة الحرة فوائد كثيرة يحصل عليها صاحب أية صحيفة أو مهنة أخرى، فبالنسبة لنا في صحيفة الوطن يوفر العمل في المنطقة الحرة الضرائب التي
ترهق من يعمل في الداخل، كما أن وجودنا داخل هذه المنطقة يعفينا من دفع ضريبة 25% للمؤسسة العربية للإعلان عن الإعلانات التي ننشرها في صحيفتنا.
بالنسبة للسياسة التي ننتهجها في العمل هي سياسة جريئة بامتياز، فلا ننظر إلى ما ينظر له المواطن العادي الذي يعتبر أي كلمة جريئة ممنوعة بل إننا نعمل على الجرأة ولا ننظر إلى الوراء لكي يعي ذلك المواطن المتردد أن الممنوع شيء والمسموح أشياء أخرى أكبر من الممنوع.
الإعلام الخاص شريك للإعلام الرسمي في تشخيص حال الوطن وليس بينهما أي فرق سوى في الموقع، فالرسمي ناطق باسم الدولة والخاص ناطق باسمه. ليس بالضرورة أن نتبنى كل ما تتبناه الحكومة وخاصة في الشؤون السياسية، لكن بالتأكيد هناك سقف وطني يجب أن نتظلل به لأننا صحيفة خاصة ذات طابع وطني وإن كنا غير مؤيدين لكل شيء.
أما سعاد جروس فترى أن: الإعلام الخاص في سوريا لا يعامل حتى الآن على أنه إعلام داخلي مستقل وإنما يعامل على أنه إعلام خاص خارجي كونه يعمل من المنطقة الحرة صدر ترخيصه بموجب قانون المنطقة الحرة الإعلامية وليس وفق قانون المطبوعات السوري، إلا أنه في الوقت ذاته لابد من الاعتراف بأن صدور صحيفة الوطن وقناة دنيا هو أمر مبشر ويبعث على التفاؤل بأن زمن إعلام عصري جديد آت قريباً.