منطقة الطويين.. تاريخ بين أودية الجبال

تتميز بوجود عدد من المعالم الأثرية
01:40 صباحا
قراءة 5 دقائق
الفجيرة بكر المحاسنة:
تفترش أطراف الجبل وتلتحف زرقة السماء وتتلون بيوتها بألوان الطيف، إنها منطقة الطويين من أجمل المناطق الجبلية في إمارة الفجيرة. تبعد عن مركز مدينة الفجيرة نحو 75 كيلومتراً على الطريق الرابط بين دبا الفجيرة ومنطقة الصرم، وتمتاز المنطقة بعراقة أرضها وأصالة أهلها، فهي طيبة الأرض والزرع، وينسكب الماء من جبالها وجداولها ليتهادى بين البساتين وأشجار النخيل الباسقة، إلى جانب كثير من المعالم التي تدل على البعد التاريخي للمنطقة، الذي ظهر من خلال الآثار التي وجدت في القرية من منحوتات وحصاة وقبور وأحجار بناء قديمة وأطلال للبيوت وآبار وقنوات للمياه ومخازن القمح.
تقع الطويين وسط سلسلة من الجبال الشاهقة الارتفاع المتصلة، ذات الألوان المختلفة التي تكثر بينها الأودية والانحدارات التي تشكل جمالاً يفوق الخيال، فضلاً عن مناظرها الطبيعية الخلابة ومناطقها الساحرة الهادئة، مما شكل لها رونقاً خاصاً، وسحراً منفرداً، إلى جانب أنها تشتهر بوجود عدد كبير من مزارع التمور والفواكه والحمضيات، إضافة إلى محاصيل الخضراوات والحبوب المتنوعة.
تنقسم المنطقة إلى قرى عدة، هي: الطويين والجريف (الرويضة) والريامة وأودية الخب، وعوسق، وسدخ، واليندلي والخروص، والوعبين وهيار والشرية والمية، ومنطقتا الحمري والحَرية والردة والفغوة ومشتى الشوبة والمرعاة والقمر وجبل الغزال وجبل الرعن وجبل العقة والسويت وقر قحيم، ويسكنها قبائل عدة منهم اليماحي والحفيتي والصريدي والزحمي والحمودي وغيرهم من القبائل ذات الجذور العربية الأصيلة في مساكن شعبية حديثة بنيت بعد قيام الاتحاد، ويحتفظ أهلها بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة المتوارثة عن الأجداد والآباء، ويهتم أهالي منطقة الطويين منذ القدم بتربية المواشي والأغنام والجمال، إضافة إلى الزراعة وجني العسل المحلي من الجبال الشاهقة.
عن ملامح الحياة القديمة في أرض الطويين، يحدثنا الوالد سعيد خميس سعيد اليماحي (أبو راشد)، قائلاً: «حياتنا في الماضي كانت صعبة حتى قيام الاتحاد، فبعده بسنة واحدة بنيت المساكن الحديثة القادرة على حماية الأهالي من الظروف الجوية المتقلبة التي كانت تصيبهم بالخوف نظراً لطبيعة المكان الواقع في أسفل سفوح الجبال العالية ولطبيعة البيوت القديمة المبنية من الطين والحجارة وجريد النخيل».
ويضيف: «كنا نعتمد في حياتنا بشكل أساسي على الزراعة وجمع العسل المحلي وتجارة المحاصيل الزراعية والحطب، لتوفير احتياجاتنا اليومية، وذلك عبر بيعها أو مقايضتها مع التجار الذين كانوا يأتون لمنطقة دبا المجاورة، كل موسم محملة باحتياجات الأسر من دقيق وأرز وملح وزيت وقهوة وبعض الأقمشة وملابس النساء».
ويؤكد اليماحي أنه رغم ظروف الحياة القاسية في الماضي، فإن التقارب والتراحم كان منتشراً بين الأهالي في كل المناطق، إلى جانب العادات العربية الأصيلة من احترام للكبير وعطف على الصغير.
البيت في الماضي كان على نوعين، الأول يسمى العريش وهو مصنوع من سعف النخيل وأغصان أشجار السدر والسمر، ويحتضن كل أفراد العائلة، التي تبنيه في المزرعة أو أعلى الجبال في فصل الصيف ويسمى«المقيض»، والنوع الثاني هو بيت الحصى، المبني من الطين والحجارة وجريد وسعف النخيل، وفق الحاج سالم حسن اليماحي، أحد سكان المنطقة.
يضيف:«بعض البيوت كانت تحوي الكرين وخيام العسبق، ويكون لها حفرة كبيرة في الداخل على مساحة الغرفة، وكان هذا النوع من البيوت يسكن فيه الأهالي في موسم الشتاء أي ما يسمى (المشتى) وتقع في أسفل سفوح الجبال».
وعن التعليم قديماً، يقول الحاج محمد بن قدور اليماحي، رئيس مجلس الآباء بالطويين:«في الماضي لم يكن هناك أي مدارس، وإنما التعليم كان على يد كبار السن من المطوعين، وعبارة عن حلقات دينية وتعليم القرآن في أماكن تجمع الناس لأداء الصلاة. وكان المطوع يحظى بالاحترام من قبل الجميع، أما في الوقت الحاضر انتشر التعليم وتتطور من جميع النواحي وأصبح هناك العديد من المدارس لجميع الفئات العمرية، للإناث والذكور، ومنها مدارس الاستقلال، والطويين للتعليم الأساسي والثانوي، والريان والجواهر للتعليم الأساسي، وروضة الريامة للأطفال».
ويكمل قائلاً: «بما أن الحديث عن التعليم، فأود أن أقول إن أول مدرسة في الطويين افتتحت في عام 1976-1977، وكان اسمها مدرسة الطويين الابتدائية وكانت مختلطة، وعدد الفصول الدراسية الفعلية فيها 3، هي الأول والثاني والثالث الابتدائي، أما عدد العاملين فيها كان 12 معلماً ومنهم 5 معلمات، وكان عدد أول دفعة 44 طالباً و28 طالبة، وكانت تقدم الدولة لهم وجبة غذائية متنوعة، إلى جانب الملابس الصيفية والشتوية، وتقدم بعض المعونات المادية للأيتام والمتعففين، وتوفر لهم الكراسات والكتب التي كانت تحوي منهج الكويت».
يتذكر اليماحي فرحة الأهالي بدخول التعليم إلى الطويين، فكانوا يحضرون باستمرار للمدرسة لمعرفة ومتابعة نتائج أبنائهم، فضلاً عن حضور المناسبات الدينية والوطنية التي تقام طوال العام الدراسي والتكريم السنوي للمتفوقين.
ويقول الحاج محمد راشد (56 عاماً): «كانت مناطق الطويين وما زالت تشتهر بكثرة الوعوب الجبلية التي يزرع فيها القمح في موسم هطول الأمطار، حيث يتم تقسيم الأراضي إلى وعوب، ويحشد الأهالي لتجهيز الوعب وإعداده للزراعة، حيث يحرثونه وينبشونه وبعدها يبذرون حبوب القمح، ثم يحولون مياه الوديان عن طريق المسيلة، ليحصده الأهالي ويجمعوه ويخزنوه في مخازن خاصة تسمى (الينز) مبنية من الحصى المُطعم بالطين (الغيلة) على شكل برج دائري وذات باب صغير».
وكانت المزروعات متنوعة بين الشتوية والصيفية، ففي موسم الصيف كنا نزرع النخيل والخضراوات، بينما في الشتاء تكثر محاصيل القمح والشعير والذرة والغليون وغيرها، بحسب راشد.
ويتابع: «منطقة الطويين تشتهر بوجود العديد من الأفلاج القديمة وبرك المياه التي كانت تستخدم لتخزين المياه على مدار أيام السنة، وكانت تكفي مزارع المنطقة والأهالي حتى موسم الأمطار المقبل. وما زال بعضهم يعتمد على البرك والأفلاج في ري المزروعات وسقي الماشية ويستخدمها بعضهم للطعام والشراب، كما لا يزال العديد من الأهالي يعتمدون على جمع الحطب وتقطيعه لاستعماله أثناء الطبخ وصناعة الخبز».

تطور وتنمية

حميد بن قدور، من أهالي المنطقة، يقول: «يتسم الأهالي بالطيبة وكرم الاستقبال وحسن الضيافة، إضافة إلى ارتفاع نسبة التعليم والتفوق والانفتاح على المجتمعات الأخرى، كما نفتخر بالمنطقة بوجود عدد من الشعراء والأدباء والقيادات الإدارية. وتشهد الطويين حالياً تطوراً كبيراً عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً واضحاً، إذ تضم المنطقة مركز الطويين الصحي، وفرع الطويين لبلدية الفجيرة، ومركزاً شاملاً للشرطة ومركزاً للبريد، ومحطة بترول، ومركزاً للدفاع المدني ومقصب الطويين والفلل الحديثة متعددة الطوابق، والمتاجر، كما أصبح من أبنائها المهندس والطيار والمعلم والطبيب وسائر المهن».

ويضيف: «هناك كثير من المبدعين من أبناء المنطقة الذين كتبوا الشعر والنثر والقصة على امتداد الأجيال، وكانوا ممن دعموا الأفكار الخلاقة والرؤى المتطلعة إلى ترسيخ القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية في نفوس الناس، ولا نستطيع إغفال دور المرأة التي أصبحت ذات مكانة مرموقة في المجتمع، فمن النساء من تبوأت المراكز المتقدمة على مستوى الدولة ومنهن من شرّفها في المحافل الدولية، ومنهن من تمسك زمام الإدارة في بعض الدوائر».

كنز موروث

تشتهر منطقة الطويين بعسلها البري، ويعتبره عبد الله محمد التكلاني، أحد سكان المنطقة، كنزاً ورثه الأبناء من الآباء والأجداد، يجب الحفاظ عليه. يقول: «في الماضي كان العسل البري كثيراً ومنتشراً في سهول وجبال المنطقة، لكن شح الأمطار والتلوث البيئي قلل إنتاجه، كما تغيرت الأساليب التقليدية في جمعه، وصار هناك دخلاء عدة على المهنة، لا يحترمون أعراف أصحاب العسل ويعتدون على أي خلية يرونها دون احترام لمنطقة وجودها».

ويضيف: «هناك بعض الأساليب الخاطئة من بعض الأهالي في جمع العسل، الأمر الذي يسهم في موت الخلية أو تهجيرها لمكان آخر. ومن أبرزها عدم ترك عسل كاحتياط غذاء للنحل لكي يعيد بناء الخلية في المكان نفسه في حال قطفها، وتقتات منه الخلية عند انتهاء موسم الشجر المثمر».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"