عندما يشتد الكرب بالإنسان ويضيق أفق الدنيا الواسعة على اتساعها أمامه، لا يجد مخرجا يعينه على التخلص من همومه إلا بالتوجه إلى الله عز وجل مفرج الكروب الرحيم العليم بما تسره قلوب عباده أجمعين، وعندما يتوجه المسلم بالدعاء لابد وان يكون موقنا بأن الله سبحانه وتعالى سيجيب دعاءه وسيحقق له ما ينفعه، كما أن الدعاء يعكس الثقة المطلقة التي يؤمن بها الداعي بأن الله وحده هو القادر على كل شيء، وهذه الثقة هي التي تدفعه إلى التوجه إلى الله كلما احتاج ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الدعاء هو العبادة).والدعاء حق يأمرنا به سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة من كتابه العزيز لما له من اثر بالغ في حياة المسلم وفي آخرته أيضا.. يقول تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، (غافر:60)، ويقول تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان.ويكفي في فائدة الدعاء انه وسيلة يلجأ فيها الإنسان إلى ربه وقت الشدة والاضطرار والاحتياج الشديد للخروج من الأزمة التي تمر به، وهو أيضا وسيلة يشعر بعدها الإنسان بحالة من الراحة النفسية والسكينة والهدوء تعينه على احتمال الألم النفسي الذي يعانيه، كما أن التقرب إلى الله يعطي الإنسان مزيدا من الصبر واتساع الصدر مما يسهل معه تجاوز المحنة.وإجابة الدعاء لا تكون بالضرورة وفق ما طلب الداعي، إذ إن الإنسان قد يطلب في دعائه شيئا يظن أن به خيراً له ولكنه في الحقيقة شر، وبالتالي فإنه سبحانه وتعالى لا يلبي لعباده إلا ما يراه خيرا لهم، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها).الدعاء إذن كله خير ويجب أن نكثر منه تعبيراً عن الإيمان بالله وثقة في رحمته الواسعة وشكرا على نعمه علينا التي لا تعد ولا تحصى، غير أن هناك شروطا لصحة الدعاء يجب أن نراعيها حتى يتقبل سبحانه وتعالى منا، فلا يجب مثلا أن ندعو على أنفسنا أو أولادنا أو بقطيعة رحم.. يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم) والله عز وجل يثني على عباده الذين يدعون لإخوانهم المسلمين ويعدهم بعظيم الأجر والثواب، لأن المسلم عندما يدعو لأخيه فإن ذلك يعكس التحاب والتواد بين المسلمين جميعا وهو أمر يحبه الله ويحثنا عليه في كل الأوقات.. يقول تعالى فى سورة محمد: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد بالخير كل من دعا بقلب صادق مخلص لأخيه المسلم فيقول: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل).بالتأكيد فإننا نمر جميعا في حياتنا بأزمات صغيرة وكبيرة ومحن وابتلاءات تهتز معها حالتنا النفسية ونصل إلى حالة من الضعف الانساني الشديد، بالإضافة إلى توتر وقلق ومعاناة تقلب حياتنا رأساً على عقب، غير أن ذكر الله وحده في هذه الحالات هو بحق الملاذ الآمن لكل مهموم، فقراءة القرآن والدعاء والصلاة كلها عبادات تعيد إلى النفس سكينتها وهدوءها وتهدئ للقلب روعته، وتجعل الروح تستعيد شيئا فشيئا تماسكها وصلابتها، وتبث في النفس صبرا على احتمال الشدائد وتجاوز الألم والمعاناة، فرحمة الله عز وجل واسعة بعباده، وهذه الرحمة تمكن الإنسان من مواصلة مسيرة حياته برغم ما يلم به من عثرات.الدعاء هو الخير كله فلندع الله في السراء والضراء، ولنتذكر فضله ونعمه في كل وقت وألا نقصر الدعاء على أوقات الضيق والشدة والاحتياج فقط، ولكن يجب أن يتواصل الدعاء في أوقات الرخاء والسعة لأنه سبحانه وتعالى يحب عباده الشاكرين.