بقلاوة سوريّة

03:48 صباحا
قراءة دقيقتين

لأنّ ناقل الكفر ليس كافراً، لا ضيْر من أن ننقل عن "معاريف" أن محمود عبّاس أهدى إيهود أولمرت وتسيبي ليفني عُلبتي بقلاوة سوريتين جاء بهما من دمشق في أثناء حضوره القمّة العربيّة، فاخرتين من الخشب ومزيّنتين، أُلصقت على كل منهما أعلام الدول العربيّة وقرارات القمّة بالعبْريّة، ومنها التأكيد على مبادرة السلام العربيّة. وعلى ذمة "معاريف" فإن محيطين بليفني ورئيسها قالوا إن البقلاوة كانت شهيّة، وإن مسؤولين فلسطينيين نفوا أن الهدف من إهدائها تحويل المبادرة العربيّة إلى مذاقٍ طيّب. ومربط الفرس في الحدّوتة أن الرئيس الفلسطيني يجترح صيغةً حلوةً في دبلوماسية هجمة السلام مع "إسرائيل"، وهو الذي كان رائداً في مسار هذه الدبلوماسية منذ السبعينات. وأعقبَ توقيعه (بيده اليسرى) على إعلان اتفاق المبادئ في سبتمبر/ أيلول غير منسي قبل 15 عاماً بقوله إن الفلسطينيين لن يأخذوا في "عملية السلام" أكثر مما سيعطيهم إياه "الإسرائيليون". والبادي أن هذه القناعة، وهي صحيحة بالمناسبة، هي التي تجعل عباس يجتهد، ويُحاول بالبقلاوة، الدمشقية تحديداً، تحبيب أولمرت بمبادرة السلام العربيّة، فإذا أفلح فذلك خير، ولا غضاضة أبداً إذا أخفق.

من دون تطويل كلام، يغيظنا هذا السلوك، ولا تيسر عقولنا وما فيها من طاقة على الفهم والإدراك استيعاب حالة الودّ الحميمية بين عباس وأولمرت الذي يتفنّن في تسميم حياة الفلسطينيين وتنغيص عيشهم واحتقار نوّابهم وسلطتهم الوطنيّة وحكومتيهم في رام الله وغزة، ويضحك على لحى مسؤوليهم في إشاعته رفع حواجز اسمنتيّة بين بلداتهم ومدنهم. وهو الذي يتميّز بوفائه الشديد لمعلمه إرييل شارون في سياسة قهر الفلسطينيين وتعهير المفاوضات معهم وزيادة الأسرى والمخطوفين منهم وتدمير أي كيانيّة لهم، وفي تحويل اللقاءات الدوليّة إلى مهرجانات كلام سمج، وتتفيه الرباعية الدوليّة وخريطة الطريق، ولملمة القتلة ورموز التطرف ودعاة الطرد في حكومته، ناهيك عن إهماله المبادرة العربيّة، بعدم التعقيب عليها رفضاً أو تأييداً، وكأنها مجرد كلام مسترسل لا مدعاة لتضييع أي وقت بشأنه.

نُشر أن محمود عبّاس عاد من لقائه مع جورج بوش مكتئباً، لسماعه من الأخير تأييدا مطلقا للعمليات العسكرية "الإسرائيلية" العدوانية، وعدم إدانته النشاط الاستيطاني، وازوراره عن أي تدخل جدّي مع أولمرت وحكومته من أجل إنقاذ المفاوضات من عبثيتها وسخافاتها المتواصلة. عاد عبّاس من البيت الأبيض إلى مستشفى في عمان، شافاه الله، ونصحه أطباؤه بعد عمليّة قسطرة بأن يفضفض ولا يكتم ما في نفسه. ويكون طيّباً منه لو يُنصت إلى بعض فضفضة لدينا، منها أن أولمرت لا يستحق غير السمّ الهاري، وليس بقلاوة دمشقية شهيّة، كان من الأولى إهداؤها إلى أسرة أي شهيد فلسطيني من ضحايا هذا الرجل وعصابته الحاكمة، وهذا بعض كلام كثير لو ينقله أحدٌ إلى فخامة الرئيس الفلسطيني لن يسرّه ربما، لكنّه لن يبعث على كآبته، وإنْ فيه من الصراحة ما يجب أن يكون،... بشأن علبتي البقلاوة الشاميتين، وغيرهما أيضاً.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"