"التواصل الاجتماعي في الوقت الحاضر، يمثل تواصلاً مع خدمة "الواي فاي" فقط، وليس مع الأقارب والزملاء والأصدقاء، فوسائل التواصل الحديثة، على الرغم من إسهاماتها الكبيرة في تقريب الناس على بعد المسافات بين أماكن وجودهم، إلا أنها لا تؤدي الغرض المطلوب من التقارب والتواصل الإنساني بمعناه الروحي" .
بهذه الكلمات يصف محمد حمدان بن جرش السويدي مدير عام المدينة الجامعية بالشارقة، حالة التردي التي وصل إليها التواصل بين أفراد المجتمع، والتي افتقدت حرارة اللقاءات المباشرة .
ويبدي محمد بن جرش خلال حواره مع "الخليج" أسفه على ما وصلت إليه اللغة العربية في محيطها الجغرافي، معبراً عن ذلك بالقول: "نكتب في سيرنا الذاتية أن اللغة الأم هي العربية، لكن هذه الأم تعاني عقوق أبنائها" .
وتعزيزاً للغة الضاد التي يعشقها أطلق محمد بن جرش بمبادرة خاصة منه مشروع "مكتبة اقرأ"، حيث أهدى عدداً من مدارس الشارقة مكتبات تحتوي كل منها على مجموعة من القصص والكتب، مؤكداً أنه يداوم على القراءة لأنها غذاء الروح .
وبهدوئه المعهود تحدث ابن جرش ل"الخليج" حديث الوجدان والذكريات، عن مراحل تعليمه وعمله، وعن البدايات الأولى في حياته، وعلاقته بأفراد عائلته، وإنتاجه الثقافي . . وهذا نص الحوار:
* مَن هو محمد حمدان بن جرش السويدي؟
- ولدت في 15 إبريل/ نيسان ،1974 ومتزوج ورزقني الله بابنين وبنت، وأنا أكبر إخوتي ال13 (7 بنات و6 أبناء) جميعهم حاصلون على مؤهلات جامعية فيما عدا الأخ الأصغر فهو في الثانوية العامة .
أعمل حالياً مديراً عاماً للمدينة الجامعية في الشارقة، كما أنني عضو مجلس إدارة منتدى الشارقة للتطوير (رئيس الشؤون الإدارية للمنتدى) وعضو مجلس إدارة نادي الشارقة الرياضي الثقافي (مشرف الألعاب الفردية ورئيس اللجنة الثقافية) وعضو مجلس إدارة مجلس أولياء أمور طلبة مدينة الشارقة .
* بداية نود التعرف إلى بداياتك الأولى في مدينة الشارقة .
- كانت البداية في منطقة الخان، حيث قطنت الأسرة، ثم انتقل أبي بأسرته الصغيرة إلى القادسية، وقبلها كنت قد ولدت في المملكة العربية السعودية، فقد عمل أبي في شبابه بمجال البترول في المملكة، وبعد ميلادي رجعت الأسرة واستقرت بمنطقة القادسية، وظللنا بها حتى بلغت من العمر 15 عاماً، ثم انتقلنا إلى منطقة الشهباء، وفي هذه المنطقة قضيت أجمل أيام العمر، حيث كوّنت صداقات مع أبناء الحي، لكن ارتباطي بمنطقة الخان لم ينقطع، فقد كنت أتردد عليها بشكل مستمر لوجود أقاربي فيها .
بناء الشخصية السوية
* كيف كانت علاقتكم بالوالد في مرحلة الطفولة؟
- لم تنحصر علاقة الوالد بأبنائه في الأبوة العابرة فقط، بل أراد أن يجعل منا أشخاصاً يستطيعون تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات وظروف الحياة، إضافة إلى غرس قيم العطاء والإنسانية في نفوسنا منذ الصغر، كما كان يعطينا درساً عملياً بأن الإنسان قد تكون لديه مشاغل ومهام كثيرة إلا أن مهمته الوطنية والشعور بالمحتاجين يطغيان على كل المشاغل، ومن ثم أشركنا معه في عمله، حيث كنا نساعده في تسجيل وكتابة طلبات المساكن التي يتقدم بها المواطنون، عندما كان موظفاً مختصاً بهذا الشأن في دائرة الأشغال بالشارقة، أضف إلى ذلك أن الوالد والوالدة علمانا، منذ الصغر، كيف نعتمد على أنفسنا بعيداً عن الخدم .
وقد استقينا كل سلوكياتنا من البيت، فهو الحاضن الأول للإنسان، كما أن عيون الوالدين لم تغب عنا جميعاً لحظة، فربيانا على بناء الشخصية السوية المعتدلة، وتعلمنا منهما كيفية التعامل مع الأمور بعقلانية، كما كانت تجمعاتنا كأفراد أسرة واحدة فرصة لطرح كل ما يجول بخواطرنا من أفكار وآراء وطموحات، أو حتى ما كان يغضبنا أو يسرنا .
وكانت النصيحة التي كان الوالد يرددها على أسماعنا دائماً ونحن صبية "إن النجاح يحتاج إلى تعب، وإن الحياة تحتاج إلى أن نعيشها بفكر وطاقة إيجابية" .
وهنا أود القول: إن الأسرة تعد وتجهز الفرد لكي يكون مواطناً صالحاً، وتغرس في نفسه أن إنجاز المهام الكبرى يتطلب عزيمة قوية وإخلاصاً شديداً، ولنا في قيام اتحاد إمارات دولتنا الحبيبة خير مثال على ذلك، فلم يكن قيام هذا الاتحاد المبارك إلا ثمرة جهود مخلصة وعزيمة قوية من شيوخنا بقيادة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كما أن ارتقاء دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المراكز الأولى عالمياً في العديد من المجالات لم يكن لولا وجود قيادة محبة لشعبها وتبذل جهوداً جبارة من أجل إسعاده .
عشق البيئة المدرسية
* ماذا عن بدايات تعليمك؟
- تلقيت تعليمي الابتدائي في مدرسة بدر ثم انتقلت منها إلى مدرسة علي بن أبي طالب، وفي الحلقة الثانية (الإعدادية) تعلمت في مدرسة الشهباء، ثم تلقيت تعليمي الثانوي في مدرسة العروبة، ولم يكن جو المدرسة حين دخلتها للمرة الأولى بغريب على نفسي، فقد هيأني أهلي، ولذلك وجدت في داخلي رغبة لمواصلة التعليم، ووصلت هذه الرغبة إلى درجة العشق بيني وبين البيئة المدرسية بكل مفرداتها، خاصة الأنشطة المدرسية وحصص المناشط والمعلمين الذين تولوا المسؤولية الكبرى لترغيبنا في التعليم .
* بعضهم يرى في المعلم إما المثل والقدوة وإما السبب الرئيسي في العزوف عن التعليم، ما الذي مثله لك المعلم؟
- المعلم بالنسبة إلي كان يمثل الأب في المدرسة، وهنا أتذكر معلم مادة الفيزياء في الثانوية (الأستاذ عصام)، وهو من جمهورية مصر العربية، فهو صاحب الفضل بعد الله عز وجل في حرصي على التعليم، على الرغم من شدته المعروفة عنه وسط الطلبة، فعلى يديه تعلمنا الفيزياء بطريقة إبداعية، بعيداً عن التلقين والحفظ، فتميزنا بهذه المادة، ويحضرنا أنه كان المعلم الوحيد الذي يقف خارج سور المدرسة أيام الامتحانات ليراجع للطلبة، ويجيب عن أي استفسار حول المادة .
وبعد تخرجي اعتدت على زيارة المعلمين الذين تتلمذت على أيديهم في المرحلتين الإعدادية والثانوية كرد لجزء من جميلهم عليّ .
* هل كان اختيارك للتخصص الأكاديمي في الجامعة متأثراً برأي الأسرة؟
- قرار دراستي للهندسة نابع من رغبة داخلية لديّ، فأنا أحب المواد العلمية سواء الفيزياء أو الرياضيات أو الكيمياء، وقد انتسبت إلى كلية الهندسة في جامعة الإمارات العربية المتحدة، في مدينة العين، من منطلق هذا الحب إضافة إلى أن الهندسة تجعل الإنسان دقيقاً في كلامه وملاحظاته وفي طريقة تخطيطه وتحليله المصاعب والتحديات، ويتمتع بنظرة عقلانية للأمور، لكني لم أستمر في كلية الهندسة سوى عام دراسي واحد، ثم انتقلت منها إلى دراسة تخصص الإدارة الهندسية في كلية التقنية العليا في الشارقة، وذلك بسبب بعد المسافة بين الشارقة والعين، ثم حصلت بعد البكالوريوس على الماجستير في إدارة الأعمال تخصص موارد بشرية من جامعة عجمان، وحالياً أحضر للدكتوراه في الثقافة بجامعة تونس .
منظومة متكاملة
* ما العلاقة بين "الهندسة" و"الموارد البشرية" و"الثقافة"؟
- هناك قاسم مشترك بين هذه التخصصات، فجميعها يحتاج إلى التحليل المنطقي والعقلاني للأمور، فالهندسة تحتاج إلى الدقة في العمل، وهذا ما تعتمد عليه الموارد البشرية التي تنمي المعارف، وتنمية المعارف تحتاج إلى ثقافة واسعة، خاصة مع شغلي منصب مدير عام مسارح الشارقة من 2009 إلى ،2011 حيث أسهمت هذه المدة الزمنية في توجيهي إلى اكتشاف الذات من ناحية الميول الثقافية والاحتكاك مع مجموعة من المفكرين والأدباء الذين شجعوني على أن أضع قلمي على أعتاب عالم الكتابة، ومن ثم فإنني أرى أن تخصصات دراستي منظومة متكاملة ويحتاج كل منها للآخر .
إسهامات ثقافية
* ذكرت أن لك إسهامات في الكتابة، فهل لنا أن نتعرف إليها؟ وما أبرز مساهماتك الثقافية؟
- أميل بطبعي إلى القراءة بشكل مستمر وبنهم، وما زاد من هذا النهم الفترة التي قضيتها مديراً عاماً لمسارح الشارقة، وقد شجعني عدد من المفكرين والأدباء الذين التقيتهم على الكتابة، فكان أول إنتاج لي هو كتاب "نوافذ" الذي وقعته في معرض الشارقة للكتاب العام ،2013 ولقي ترحيباً كبيراً من القراء ومن شخصيات بارزة في الدولة، وأعمل الآن على إنجاز كتاب آخر .
ومن مساهماتي الثقافية إلقائي محاضرات في عدد من الجهات منها مدارس وكليات وهيئات حكومية عن الموارد البشرية، إضافة إلى أنني قدمت مشروعاً أعتبره مساهمة حقيقية مني في مشروع تثقيف الطفل الذي تعمل عليه إمارة الشارقة، وهذا المشروع يتمثل في مكتبة "اقرأ"، حيث قدمت عدداً من المكتبات لبعض المدارس في إمارة الشارقة، تحتوي كل منها على مجموعة من الكتب والقصص التي تناسب الطلاب على اختلاف أعمارهم، الأمر الذي يسهم في تنمية ثقافة الطلاب ومعارفهم إضافة إلى إثراء قاموسهم اللغوي الذي بات ضحلاً عند شريحة كبيرة من المجتمع، والغريب أننا نكتب في سيرنا الذاتية أن اللغة الأم هي اللغة العربية، ولكنها تعاني عقوق أبنائها .
غذاء الروح
* يبدو أن القراءة تسيطر عليك، ولذلك تمثل كل هواياتك .
- القراءة تمثل لي غذاء للروح، فهي سبيل لتنمية المواهب والمعارف والإدراك، فعقب صلاة الفجر من كل يوم أقرأ لمدة ساعتين تقريباً، والأمر نفسه أقوم به في فترة المساء، وفي يومي الجمعة والسبت أزيد من فترة القراءة، وأشعر بالضيق إن مر يوم من دون أن أقرأ فيه، لكن القراءة لا تلغي هواية الرياضة لدي .
* هل أثرت مشاغل الحياة في التواصل مع زملاء الدراسة والأقارب؟
- مشاغل الحياة المتعددة أثرت في علاقات الناس وتجمعاتهم وتواصلهم بشكل عام، ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهل التواصل مع الآخرين، إلا أن هذا التواصل يبقى مرهوناً باستمرار خدمة الإنترنت، وهنا أتذكر موقفاً شاهدته في أحد فنادق دولة أوروبية، حيث شاهدت جميع من في بهو الفندق منشغلين بأجهزة "الآي باد" أو "التليفون المحمول"، فكان الهدوء يسيطر على المكان بشكل لافت للنظر، وعندما انقطعت خدمة "الواي فاي" تزاحمت الأصوات على الآذان، وتعالت أطراف الحديث بين الموجودين في المكان، فقلت في نفسي "وجود الواي فاي يفرقنا" .
وبناء على ذلك فإنني أعتقد أن التواصل بالوسائل الحديثة فقط لا يمثل التواصل الإنساني بما فيه من روح ووجدان، وإحساس بأفراح وأحزان الآخرين .