تلك الرسالة وجدها جمعة بالصدفة، فقد كان يفتح درج مكتب المحاسب في شركته وعلى ما يبدو انه فتحه بقوة فانسحب من مكانه ووقع على الأرض، ركع ليلتقط الأغراض المتناثرة والأوراق المبعثرة، فرأى مغلف ملصق على الجهة الخلفية من الدرج، استغرب الأمر ودفعه فضوله إلى أن ينتشل المغلف ويفضه ليرى ما بداخله، فرأى اسم حمود بن سالم إلى آخره من الكنية، فكر قائلاً لا أعرف أحدا بهذه الاسم، ما بداخله يا ترى هل هو مال أم شيكات أم مستندات؟ جلس وفتحه ليجد عدة أوراق زهرية اللون عليها دبدوب صغير فرح يحمل قلباً كاملاً، والآخر حزين يحمل القلب المقسوم إلى نصفين، فكر وقال إنها رسالة من فتاة طبعاً كما فهم أيضاً قبل أن يقرأها بأنها رسالة فراق بين حبيبين، فألقى نظرة سريعة على الاسم في آخر الرسالة ليجد أنها امرأة، والله انك إنسان ذكي يا (يمّوع) فقام من مكانه وأقفل باب المكتب وجلس يقرأ الرسالة.
كنت قد عقدت آمالاً كبيرة عليك، راهنت أنا على حبي، متأكدة كنت من فوزه لكن، ويا للأسف فشلت قبل نقطة الوصول، سعيدة كنت بهذا الحب الذي أدى إلى ارتباط ظننته أبدياً، كنت اعتقد بأنني قد وصلت إلى بر الأمان، إلى نهاية الرحلة لكنني أصبت بخيبة أمل، فأنت يا زوجي وحبيبي، الذي لم تكن كغيرك من أبناء جنسك، كنت مختلفاً كلياً عنهم بكل شيء بأحاسيسك وكلامك، مشاعرك ومبادئك، حنانك ورقتك، طريقة سماعك لي طريقة حلّك لمشاكلي وقوفك بجانبي مؤازرتي مساندتي ، كل ما فيك كان يدل على انك إنسان عظيم بالفعل، أحببتك بجنون مددت يدي لك، أمسكتها بقوة حتى ظننت انك انتشلني وفجأة تركتها فعدت إلى السقوط.. كان سقوطي مريعاً، بسرعة البرق هويت، صحيح أنني لم أكن راضية عن حياتي لكنني كنت قد تعودت، فالذي يرتدي ثوباً بالياً في مجتمع حيث يتشابه الجميع لا يشعر بالخزي لكن عندما يتعود رغد العيش ويعود ثانية إلى الحضيض يشعر بنظرات الناس تعريه، تنهشه وتسخر منه.
كان يجب أن تتركني بثوبي البالي إياه، كانت أمل الفتاة الفقيرة الضعيفة المعتادة على حياتها بكل مآسيها تقوي نفسها بنفسها دون دعم من أحد، فكانت إن فشلت تعاقب نفسها وإذا أخطأت تحمل نفسها مسؤولية خطئها، وإذا حزنت تواسي نفسها تربت بإحدى يديها على الأخرى حتى تستكين روحها، إذا نجحت تهنئها وتفرح معها، أما الآن كيف تريدها أن تتصالح مع نفسها وتعود مستقرة بعد أن وجدت من يواسيها ويربت على يدها يفرح معها، يبكي معها ويؤنسها؟ لم أنت صامت؟ لم أنت قاس؟ لم أعهدك هكذا، أنت يا من كنت اعتقد بأنك ستكون البسمة التي تزين شفتي إلى الأبد، الأمل الذي أعيش من أجله، الشمعة التي تنير دربي المظلمة لم قتلت هذا الأمل وأطفأت تلك الشمعة التي لطالما أنارت دربي المظلم، حل الحزن مكان الفرح الذي كنت أنت سببه، لماذا؟ سؤال طرحته على نفسي مرارا وتكرارا فلم أجد أي جواب يرضيني، أنت تقول إنني واهمة لا شيء تغير لكنك تعلم جيداً انك تكذب على نفسك قبل أن تكذب علي، لكنني اعتقد يا زوجي الغالي بأنك قد تعودت علي والعادة كما تعلم غير الحب.. فيا حبيب الأمس أردتك أن تفكر من دون أن أكون معك أو عندك، أريدك أن تشعر بأنني لا أضغط عليك، سأرحل عنك وأدعك وحدك لتفكر وتستعيد ذكريات الماضي الجميل، وتقرر بعدها إن كنت لا تزال تحبني أريدك أن تتذكر حبنا منذ بدايته وحتى الساعة، كلماتنا، سهر ليالينا، خططنا لبناء هذه العلاقة وإنمائها، تذكر كلماتك التي كنت أذوب حين أسمعها، أين حبك، أين شوقك ولهفتك، أين ذهب حزنك عندما لا تسمع صوتي، أين اتصالاتك المتكررة، أين غيرتك، أين سهادك، أين أنت؟ أين حمود القديم الذي كان يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا زعلت منه يحاول المستحيل حتى أرضى، أين حمود الزوج المتفاني المحب، أين حمود الذي كان لا يترك الهاتف من يده سواء كان بالعمل او مع أصدقائه يسمعني أشعاراً بصوت يذوب حناناً ورقة، أين تنهداتك، أين وعودك أين أنت؟ لا تقل إنني واهمة لا تقلها بعد الآن فأنا أشعر بك وأعرفك حق المعرفة، حاول ان تجد زوجي القديم في داخلك، أخرجه من المكان الذي وضعته به ظنا منك انه الأفضل، أعده إلى من فضلك، هذا بالطبع لو كنت لا تزال متمسكاً بزواجنا وبي، القرار بيدك اما إن لم تعد تريد فالأفضل ان تعيد لي قلبي لأنك لا تستحقه، ولا تقلق بشأني إذا كان قرارك ليس لصالحي ولا تشعر بأي ذنب لأنني قد تعودت ان احتمل، فقلبي أصبح قاسياً يحتمل الصدمات وقد بدأت بالتحضير والتمهيد له كي ينساك ويخفف من اندفاعه نحوك، صحيح انه صعب جداً لكنني سأحاول فأنت أغلى من نفسي علي وأقرب من روحي إلي، وأريدك ان تعلم شيئاً ألا وهو أنني لم أحبك يوماً من أجل أي شيء تملكه، ما أحببتك سوى لأجل طيبتك ومعاملتك الرقيقة واهتمامك الكبير بي، فالمرأة مخلوق ضعيف بحاجة دائمة وماسة للاهتمام والعطف والحب والحماية، وأنت أعطيتني كماً هائلاً من الحماية والاهتمام الرعاية والحنان، وأحببتني بقوة لذا أخذت كل تفكيري أصبحت الأوكسجين الذي أتنشقه لذا بدأت أشعر بالاختناق عندما شعرت بفتورك وبعدك عني، بنظراتك الفارغة، أحسست بأن قلبي سيتوقف عن الخفقان، هل تخفي عني شيئاً هل فعلت شيئا أغضبك، تكلم أرجوك، انت تقتلني بسكوتك عندما عرفتك كنت حذرة وخائفة، أقنعتني بعدم فائدة الحذر حيث قلت لي كوني مطمئنة للآخر وأنت معي، فاستكنت واطمأننت وانقدت إليك ومعك وانا مغمضة العينين، ثقتي بك كانت كبيرة وأحببتك بعنفوان وخوف، بكرامة وانكسار، بجدية ولعب، بفرح وحزن، لأنني وبالرغم من كل شيء كنت أعلم بأنني لست من ثوبك ولا بد أن يأتي اليوم الذي ستخذلني فيه لتعود وتعيش بين ناسك ومجتمعك المخملي، فالذي ينظر إلى أسفل يؤلمه وضعه بعد وقت، وهذا ما حصل، إذ يبدو انك بدأت تحن وتندم أو أن هناك أخرى.. تجربة أخرى مع إنسانة أخرى تحبها بشكل مختلف عن حبنا، لديها مؤهلات ليست عندي مع انني أتذكر جيدا كلماتك عندما كنت تقول لي لقد فصّلت من أجلي انت كل ما أتمناه في شريكة حياتي كم انا محظوظ لأنني التقيت بك لكنني عاتب على القدر لأنه تأخر علي او عندما تقول كانت أيامي مملة متشابهة بلا هدف انت أتيت ولونتها أصبح لها طعم ونكهة، أتذكر كم كنت تكره الليل لأنه يبعدني عنك ولا أعود اسمع صوتك، كل هذا نسيته من أجل أخرى، وآأسفاه هل تعتقد يا حبيبي الدائم أنها ستحبك او تهتم بك أكثر مني؟ هل ستعطيك نصف السعادة التي أعطيتها لك هل هي أصغر او أجمل؟ هل هي أحن عليك مني؟ ما عذرك؟ أقنعني لو الخطأ خطئي سأصححه سأفعل المستحيل لأحافظ على زوجي وبيتي، لكن فقط تكلم قل ما عندك فأنا لن أجبرك على البقاء إن كانت مشاعرك قد تبدلت، لكن أرجوك قل لي، انا بانتظار ردك على أحر من الجمر، زوجتك التي تنتظرك مع كل اشراقة شمس وكل نفس مع كل خفقة من قلبها.
تأثر جمعة كثيراً بالرسالة وقال يا ترى هل عاد إليها أم لا، ولماذا تلك الرسالة هنا مخبأة تحت الدرج حيث حرص من خبأها على ألا يراها أحد، لكن لماذا من هو او من هي؟ ولماذا تمت كتابتها بخط اليد، ما تاريخها وكم بقيت مخبأة هنا؟ أسئلة كثيرة دارت في رأسه وشغلته ثم أدرك بأن الرسالة لم تصل إليه فكيف سيعلم بأن زوجته كتبتها له؟ قال والله إنني سأجد حمود هذا، ولكن ماذا أقول له؟ لقد وجدت رسالة من زوجتك؟ نعم لمَ لا مسكينة هي تلك الفقيرة وتحبه يجب أن يعلم بأمر الرسالة ولو كان آخر عمل أقوم به بحياتي، فقام وأمسك الهاتف ليتصل بمعارفه ويسأل عن حمود، اعتقد ان القصة سهلة لكن وبالرغم من ان اسمه مذكور بالكامل إلا انه لم يعلم بأية إمارة هو، فكانوا يسألونه ماذا يعمل وكم عمره تقريبا فكان يحار ويخبرهم بأنه وجد شيئاً يخصه، لم يخبر أحداً بموضوع الرسالة إلا صديقه القديم، وبعد فترة غير قصيرة من البحث والاستقصاء قال له صديقه انسَ الموضوع يا جمعة وأرح رأسك فقد أرضيت ضميرك وما أملاه عليك لكنك لم توفق فدع الأمر على الله سبحانه وتعالى، فلو أراد أن تصل الرسالة لوصلت، قال ونعم بالله لكنني وجدتها وهذا هو أمره وتدبيره، وقد أخذت عهداً على نفسي بأن أظل أبحث حتى أجده وأسلمه الرسالة، فقال صديقه حسنا انا عندي حل لكن لا اعلم ما ذيوله وخلفياته فهل انت مستعد للمضي في الأمر؟ لأن ما أفكر فيه قد يوصلك إلى السجن، صمت جمعة ثم قال لماذا ما خطتك؟ قال لماذا لا تذهب إلى قسم الشرطة وتقول لهم بأنك وجدت محفظة تخصه وفيها مبلغ من المال أو ملف فيه مستندات مهمة باسمه ويجب ان تسلمه إياها فيستدعونه لاستلامها؟ لكن لو قال لهم لا لم أفقد شيئاً أو اكتشفوا بطريقة ما انك تكذب فسوف يودعونك السجن بتهمة الإدعاء الكاذب وإزعاج السلطات؛ قال جمعة والله انك ذكي سأفعلها هيا قم معي لنذهب إلى المكتب لنجهز ما نريد من عقود ونضع عليها توقيعه ومعها مبلغ من المال.. للحديث بقية.