حضور التراث في القصة الإماراتية

استفادت من جماليات السرد العربي القديم
04:35 صباحا
قراءة 9 دقائق

إن التراث كان ولايزال مثيراً للجدل في أوساط المفكرين والنقاد، سواء من حيث مفاهيمه وأشكاله أم من حيث جدواه وأبعاده في عصر يتسم بالجنوح نحو التجانس والتواشج الثقافي العولمي .

يبدو التراث للوهلة الأولى مجسداً للهوية والخصوصية، يتنافر مع النزوع الثقافي العولمي، ولكن التأمل المتأني يؤدي إلى قناعة مناقضة، مؤداها أن التراث المحلي الذي يعبر عن الخصوصية قد يتجاوز دائرة المحلية الضيقة إلى آفاق العالمية الرحبة، وإذا كانت العالمية تختلف في مضامينها عن العولمة، فإنها تتواشج معها من حيث كونها تشكل نواة قابلة للتضخيم أو التعميم الذي تقوم عليه العولمة .

إن القصة القصيرة بوصفها شكلاً أدبياً سردياً، نشأت عالمياً ومحلياً مراهنة على الواقعي والآني وليس على الميتافيزيقي والتاريخي أو التراثي، وما أعمال رواد هذا النوع الأدبي، من أمثال غوغول، وتشيكوف، وغي دي موباسان، ومحمود تيمور، ويحيى حقي، إلا مؤنس قوي إلى هذا الرأي، ولذلك احتفت القصة القصيرة بالمغمورين والمأزومين الذين يعيشون على هامش مجرى التاريخ، ولا يضعون التاريخ على غرار أبطال المسرح التقليدي أو أبطال الرواية الكلاسيكية .

وإذا كانت الأنواع الأدبية قد تطورت وتواصلت عبر التاريخ، فإن كلاً منها ظل محافظاً على أصوله وعناصره ومواصفاته الفنية الرئيسة التي كانت ملازمة نشأته .

ولكن الملابسات التاريخية الحديثة التي تمخضت عن الهزائم والانكسارات السياسية في المحيط العربي وجهت الأنظار إلى الماضي التراثي الذي يؤمن ملجأ وهمياً للانكفاء في كنف الأمجاد المشرقة التي تعيد الثقة بالذات الجماعية، وتعيد شيئاً من التوازن السيكولوجي المفقود لتلك الذات المكلومة .

ولعلنا لا نتنكب جادة الصواب إذا زعمنا أن هذه الملابسات التاريخية التي أخذت إرهاصاتها ترتسم في المحيط العربي منذ توقيع معاهدة سايكس بيكو في عام ،1916 أسهمت بقوة في توجيه كتاب السرديات العربية المعاصرة نحو التراث، وخاصة بعد انفلات موجة الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية وبلوغها شواطئ أوروبا، وهي الموجة التي استمدت طاقتها، فيما استمدت، من التراث السردي العربي، وخاصة كتاب ألف ليلة وليلة، إلا أن الكتاب العرب ما لبثوا أن اكتشفوا قيماً جمالية في تلك السرديات العربية التراثية التي وفرت لهم نبعاً صافياً كفيلاً ببلورة هوية متميزة للأدب العربي .

من هنا نفهم حرص كتاب من أمثال توفيق الحكيم في أشعب، وشهرزاد والسلطان الحائر، وكاتب ياسين في مسحوق الذكاء، وسعد الله ونوس في الملك هو الملك ومغامرة رأس المملوك جابر والمنمنمات، وبوجادي علاوة في ديوان العجب، وجمال الغيطاني في التجليات والزيني بركات، نقول: من هنا نفهم حرص هؤلاء الكتاب على استثمار التراث العربي السردي .

وقد شلمت هذه الرغبة الواعية في العودة إلى الينابيع السردية التراثية نقاداً معروفين، من أمثال عبدالفتاح كيليطو الذي عبر عن ضرورة عودة المبدعين العرب إلى الخامات القصصية التراثية، وإلى كتب التاريخ وكتب النقد بغية البحث عن عناصر أدبية أصيلة تتجاوز الحدود المفتعلة بين أجناس السرد القديمة والحديثة، لاسيما وأن هناك خيوطاً كثيرة - على حد تعبيره - تشد الأنواع في ما بينها على مستويات عدة، بحيث لا يجوز لمن يدرس ألف ليلة وليلة مثلاً، أن يتجاهل تاريخ الطبري ورحلة ابن بطوطة، وكتب التراجم . (1)

وأياً ما يكون الأمر، فبالرغم من انتشار تيار الحداثة وما بعدها في السرديات العربية المعاصرة، فإن التراث لايزال يشكل فيها حضوراً لافتاً للنظر، وخاصة في الرواية والقصة القصيرة .

ويجدر بنا أن نميز بين التراث الشعبي والتراث الرسمي، فإذا كان التراث الرسمي مكتوباً باللغة الفصحى، فإن التراث الشعبي مكتوب باللهجات العامية، وإذا كان التراث الرسمي معلوم المؤلف فإن التراث الشعبي مجهول المؤلف، وإذا كان التراث الرسمي مدوناً فإن التراث الشعبي ليس مدوناً في الأغلب، وإذا كان التراث الرسمي يغلب عليه النزوع الإنساني المطلق فإن التراث الشعبي يغلب عليه النزوع القومي، وإذا كان التراث الرسمي عقلياً فإن التراث الشعبي خيالي .

يظهر التراث الشعبي في القصة القصيرة الإماراتية في صور وأشكال عدة، سواء على سبيل التناص والتوظيف أم على سبيل المحاكاة وإنتاج الخطاب، وهو ما يمكن أن نحصره في ما يأتي:

أ - إن النسيج اللغوي في القصة القصيرة الإماراتية مُنَبّل بالحكم والأمثال الشعبية واللهجات العامية المحلية والمُلَح والأشعار النبطية التي تشيع روح الأدب الشعبي، وهو ما يتراءى لنا في كثير من الأعمال القصصية .

ففي الحوار الذي يدور بين شخوص قصة الطائر الغمري لعبدالحميد أحمد تطالعنا كثير من الحكم والأمثال الشعبية التي تتردد على الألسنة، من مثل بني آدم من التراب وإلى التراب (2)، ومن يعش أكثر ير أكثر (3)، ومثل الطير الغمري (4)، وناس تكمل وناس تسقط . . هذي هي الدنيا (5) .

وفي كثير من القصص يحرص الكتاب الإماراتيون على استخدام مفردات من اللهجة العامية العتيقة، ويضطرون إلى شرحها في الهوامش، على نحو ما يطالعنا في الطائر الغمري (6) لعبدالحميد أحمد، وكان الدفتررادي عليه (7) لعبدالغفار حسين، وعاشق الجدار القديم (8) لعلي عبدالعزيز الشرهان .

وقد يزدحم الهامش بالألفاظ العامية المشروحة في بعض القصص إلى درجة أن القارئ يتساءل عما إذا كان الغرض من القصة أساساً هو تقديم درس في اللهجة العامية؟!

واللافت للنظر أن كاتبات وكتاب الألفية الثالثة* الذين يمكن أن يشكلوا تياراً جديداً في كتابة القصة، أو جيلاً جديداً، على أقل تقدير، لم يهتموا بالترويج لأداة اللغة معجمياً، وكأن أسلافهم قد أنجزوا هذه المهمة التي تسهم في تأكيد خصوصية القصة القصيرة الإماراتية، ولكنها بالمقابل قد تؤثر سلباً في بنائها .

ب - إن القصة القصيرة الإماراتية تمثلت أساليب السرد الشعبي الشفوي، وهو ما يتراءى خاصة في العناية بالمادة الخبرية وعرضها بالأسلوب الشفوي لا الكتابي .

ولعل هذه المسألة تحتاج إلى شيء من الإيضاح في هذه المداخلة، ذلك أن الأسلوب الكتابي عادة يحتفل بالتفاصيل ورسم الفضاءات والأجواء والاستبطان والتحليل السيكولوجي .

ويكفي أن تتمثل في هذه العجالة بفقرتين اثنتين مقتطفتين من قصتين قصيرتين، إحداهما لعبدالحميد أحمد، وهي قصة خروفة، والأخرى لفاطمة الكعبي، وهي قصة مواء امرأة .

في قصة خروفة يحرص الكاتب على سرد الأخبار المتصلة ب محمد صالح على إثر مارأته أم عبدالله في حلمها الكباوسي، وقد كانت أمشاج تلك الأخبار المتعلقة بسلوكه الغريب وكراماته ومواقفه تسرد بوساطة رواة عدة، على النحو الآتي: ففي حين قال البعض إنه رجل يجري في سبحانيته، يذهب إلى الخلاء للعبادة لولا أن مريش البيدار وسالم البعير اللذين يعيشان بالصحراء أكدا أنهما لم يرياه، قالت أم عبدالله إن للرجل الذي يملك حكمة من الله علاقات مع الجن، يحملونه ويطيرون به إلى عوالمهم المخيفة، ثم يعيدونه، وقال حمدان بن كنوت إنه ذهب إلى عمان لرؤية قريب له في الباطنة - رغم أن الجميع لا يعرفون أن للرجل أقارب من أي نوع كانوا - وقد تشاجرا حول ميراث لهما، فغضب منه قريبه غضباً شديداً، وعقاباً له على ذلك سحره لمشيئته وقام بتحويله إلى بقرة تمشي على أربع (9) . وفي قصة مواء امرأة تحرص الكاتبة على رسم الأجواء والولوج في أعماق بطلة قصتها وتحليل هواجسها أكثر من حرصها على استعراض أخبارها .

بوهن أفتح عيني لأطالع وجهها البارد كيديها، أشعرها بتعثر أحشائي، تزيد ألمي بدل أن تطفئه، كن يخشين الاقتراب مني، ولكن نظرات الإعجاب لم تكن تخفى علي، كنت معلمة مثالية، محبوبة ومهابة في الوقت ذاته، لكني شعرت بالملل ينخر روحي، يسرّب شبابي دونما رأفة، امتصت الأيام الكثير من ألقي، جسدي الذي شحب وخمر أيقظني على حقيقة العمر الذي ولى، ومازالت أختي تعلن لي حسدها الدائم على غرفتي التي لم تتغلغل فيها أنفاس رجل، ولم يصدم هدوءها صراخ أطفال!!، أطأ على كل حرماني وأعلن لها سعادتي بحياتي هذه، التي لا أتخيل أن يفسدها علي رجل مثل زوجها (10) .

إن الموازنة بين أساليب السرد في هاتين الفقرتين اللتين اقتطفناهما عشوائياً، تؤكد مدى إفادة عبدالحميد أحمد من أساليب السرد الشفوي الشعبي، خلافاً لفاطمة الكعبي التي تبنت أسلوب الكتابة القصصية الرسمية التي تقوم على وصف الأجواء والاستبطان أكثر مما تقوم على سرد الأحداث والأخبار .

ج - إن بعض الأعمال القصصية الإماراتية توظف المرويات التراثية، وهو ما يتراءى لنا خاصة في استخدام الحكاية الشعبية بالبناء القصصي .

وهناك نوعان رئيسان من الحكايات الشعبية، وهما الحكاية القصيرة المستوحاة من المعتقدات الخرافية أو الأسطورية الشعبية التي تمتح من معين اللاشعور الجمعي، بمصطلح يونغ، والحكاية الطويلة المستوحاة من السيرة الشعبية، كسيرة الهلاليين، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذي يزن .

ويكفي هنا أن نتمثل بنموذجين من هذه الحكايات الشعبية، وهما نموذج حكاية أم دويس، ونموذج حكاية سيف بن ذي يزن، وهما النموذجان اللذان وظفتهما كل من سارة النواف في قصتها الموسومة ب درب أم الدويس، وسعاد العريمي في قصتها الموسومة ب رأس ذي يزن .

في قصة درب أم الدويس تشغل الرواية بالشخصية الخرافية أم دويس التي نسجت المخيلة الشعبية ملامحها في التراث الشعبي الإماراتي بوصفها تغوي الرجال وتختطفهم ويدفعها الفضول إلى البحث عنها في خرابة مهجورة، حيث تفاجأ بأنها تقف أمام امرأة بائسة، ومن خلال الحوار الذي تجريه معها يتضح أنها امرأة مشردة عادية، تختلف تماماً عن تلك المرأة التي رسمتها أوهام الآخرين:

كل يضيف إلى شخصي ما يريد، لوحة لم يكملها الرسام وكل يضيف ما يعجبه، الكل يراني كما يريد وليس كما أنا، حين يرونني في الأزقة المظلمة، أكون كما ترينني الآن، ولكنهم يعمون عن ذلك . . (11) .

أما أسطورة اختطاف الرجال وإغوائهم فإنها - كما توضح تلك المرأة - تعبر عن رغبات الذكور الذين يجرون وراء الأوهام (12)، فيفسرون وقفتها بأنها دعوة صامتة (13)، ويؤولون نظراتها بأنها إيماءة (14) تثير رغباتهم المكبوتة .

ويستخلص مضمون هذه القصة من خلال الإيضاحات التي تقدمها تلك المرأة المنعزلة البائسة، وهو ما يشكل اللمسة الفكرية التي شحنت بها الكاتبة أسطورة أم دويس التي ارتقت بها من المادة المروية الخام إلى النص السردي الفني . وفي قصة رأس ذي يزن تتداخل الأحداث الواقعية الراهنة مع الأحداث السردية التراثية التاريخية المستوحاة من سيرة ذي يزن الشعبية، وتركز الكاتبة على قيمة من القيم الاجتماعية التراثية الشعبية، وهي قيمة الثأر، ذلك أن الشليلة التي ترزق بصبي، وهو ذي يزن، تحاول أن تخفي مولودها عن أنظار قوم داحس الذين يريدون أن يثأروا لقتلاهم لثلاثة أجيال، وتضرب الشليلة في مناكب الأرض محتضنة صبيها بمساعدة والدها، ويشب ذي يزن عن الطوق، فترسله إلى عمه، وقد كتبت رسالة قصيرة (بروة) إلى والدها صاغت كلماتها بعناية ثم بكت(15)، ونفاجأ ب ذي يزن في الولايات المتحدة الأمريكية وهو يخال نفسه قد نجا من ملاحقة داحس له والظفر برأسه، ولكنه ما يلبث أن يكتشف بأنه ملاحق في أمريكا أيضاً، وأن المتربصين يرصدون حركاته، ليس من داحس هذه المرة، ولكن من الشرطة التي كانت تطارد أولئك الذين لا يمتلكون الأوراق الإدارية للإقامة الشرعية .

وتنتهي القصة بموت ذي يزن برصاص الشرطة، وعودته إلى والدته جسداً مسجى في نعش من البلاستيك الأسود(16) .

إن هذه القصة المركبة الزمان والمكان توحي بأن المجتمعات البشرية لم تتطور إنسانياً وأخلاقياً بالرغم من جهود الأنبياء والمصلحين والفلاسفة والمبدعين، وأن قيمة الثأر التي نفت الأديان انتقالها وراثياً (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قد استمرت في العصر الراهن متخذة أشكالاً أخرى، وذي يزن الذي استطاع أن يفلت من الموت في العصور الوحشية لم يستطع أن يفلت منه في عصر الحرية والتمدن الوهمي .

ولعل هذه الرسالة هي الرسالة التي أرادت الكاتبة أن تنقلها إلى المتلقي عبر توظيف سيرة ذي يزن الشعبية .

وأياً ما يكون الأمر، فالذي نخلص إليه أن التراث الشعبي لايزال يشكل حضوراً متميزاً في القصة القصيرة الإماراتية، وهو ما يتراءى لنا في الخطاب اللغوي وفي الخطاب السردي وفي الإسقاطات الفكرية، مما يؤنس إلى تشبث المبدع الإماراتي برصيده التراثي الذي يؤكد هويته وحرصه على الإفادة من زخمه الجمالي في عالم شديد التغير .

الهوامش:

1- عبدالفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل (دراسات في السرد العربي) . دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء ،1987 ص 6 .

2- عبدالحميد أحمد: الطائر الغمري، ضمن مجموعة كلنا كلنا . . كلنا نحب الحبر (قصص قصيرة من الإمارات)، منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، ط ،2 الشارقة 1992 . ص 69 .

3- المصدر نفسه، ص 71 .

4- المصدر نفسه، ص 74 .

5- المصدر نفسه، ص 77 .

6- المصدر نفسه، ص 78 .

7- المصدر نفسه، ص 113 .

* من هؤلاء الكاتبات والكتّاب فاطمة الكعبي، ومريم الساعدي، وروضة البلوشي، وسارة النواف، وأسماء الكتبي، وعائشة الزعابي، وفاطمة المزروعي، وسارة الجروان، وجمعة الفيروز، وصالح كرامة، وغيرهم .

8- ينظر كلنا نحب البحر ص 107-113 .

9- عبدالحميد أحمد: على حافة النهار، منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، الطبعة الأولى، الشارقة ،1992 ص 16-17 .

10- فاطمة الكعبي: مواء امرأة، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة ،2004 ص 38-39 .

11- سارة النواب: حوار صامت، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، الطبعة الأولى، الشارقة ،2004 ص 18 .

12- الصفحة نفسها .

13- الصفحة نفسها .

14- الصفحة نفسها .

15- سعاد العريمي: رأس ذي يزن، منشورات وزارة الثقافة والشباب/اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، الطبعة الأولى (أبوظبي/الشارقة) ،2008 ص 12 .

16- المصدر نفسه، ص 14 .

* ورقة مقدمة في ندوة القصة الإماراتية والتراث .

** جامعة الإمارات العربية المتحدة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"