النميمة صناعة أسرية يتوارثها الأبناء

من البيت نبدأ
01:25 صباحا
قراءة 5 دقائق

كشفت دراسة اجتماعية حديثة أعدتها كلية الآداب في جامعة القاهرة عن انتشار جلسات النميمة بين الشباب عامة والفتيات خاصة، بهدف التسلية وشغل وقت الفراغ نتيجة الشعور بالكبت والإحباط.

وأكدت الدراسة أن معظم الشباب الذين خضعوا للبحث لا يعرفون أن ما يفعلونه سلوك مرفوض شرعا ولا يدركون حكم الإسلام في الشخص الذي يغتاب الآخرين أو يشارك في جلسات نميمة عليهم.

طرحنا نتائج هذه الدراسة على عدد من علماء الإسلام والاجتماع وعلم النفس الذين أكدوا أن الغيبة والنميمة سلوك مذموم مواجهته تبدأ من داخل الأسرة.

الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة يرى أن الآباء مسؤولون عن تعليم أولادهم الابتعاد عن جلسات الغيبة والنميمة لكن عندما يسمع الأبناء آباءهم وأمهاتهم يغتابون الآخرين فسيعتبرون ذلك أمراً طبيعياً وعادياً ولن يتورعوا عن ارتكاب هذا السلوك المذموم ويقول: الإسلام دين المحبة والمودة والتعارف يدعونا إلى حياة الإخلاص والوفاء والنقاء، لذا ركز في دعوته على صفاء القلوب وصلاحها، قال صلى الله عليه وسلم: ألا وإن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.

مسؤولية الآباء

ويضيف: لقد حرم الإسلام إيذاء الإنسان لأخيه الإنسان بأي نوع من أنواع الإيذاء بالقول أو بالفعل ومن أشد الخصال تدميرا للأخوة والمودة وقطعا للعلاقات الإنسانية السوية بين الأفراد والجماعات الغيبة وقد حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته.

ويوضح د. غنايم أن الإسلام حرم على المسلم أن يغتاب أخاه المسلم أو أن يذكره بما فيه أو ما ليس فيه سواء كان ذلك بلفظ أو رمز أو إشارة وجاء النهي عن ذلك من المولى عز وجل قاطعا لينفر عباده منه ويمثله بصورة كريهة تتقزز منها النفوس فقال عز وجل: وَلَا يَغْتَب بعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِب أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.

ويحذر د. غنايم الآباء والأمهات من تعليم أبنائهم هذا الخلق المذموم أو تركهم عليه ويقول: الغيبة سلوك مذموم إذا ما تمكن من الإنسان قضى على ما زرعه فيه والده من أعمال الخير والبر، ولكي نعلم أبناءنا البعد عن هذا الفعل المذموم يجب أن نكون قدوة لهم، فإذا ما ارتأينا منهم هذا الخلق المذموم فعلينا أن نسارع في نهيهم عنه وبيان حكم الإسلام فيه وأخطاره عليهم، وللأسف الشديد فإن الكثير من الأبناء يمارسون الغيبة ولا يعلمون أنها سلوك خاطئ لأنهم لم يجدوا من يحثهم ويمنعهم عنه، فهم يجدون هذا الأمر ممن حولهم وبدلا من أن يعمل الآباء على توعية أبنائهم بمساوئ الغيبة التي تدمر المجتمع عن طريق إفساد العلاقات بين الناس بنقل الأحاديث نجدهم هم من يزرعون ويغرسون هذه الخصلة الخطيرة.

لا يدخل الجنة نمام

الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا يحدثنا عن موقف الإسلام من داء النميمة فيقول: النميمة هي نقل قول إنسان إلى من قيل فيه بقصد الفساد، وهذا هو الذي أعطي حكم التحريم لأن نقل الأقوال بغير هذا القصد لا ضرر فيه.

والنميمة رذيلة يمارسها الفضوليون والوصوليون والأدنياء من الناس فالشخص السوي ينأى بنفسه عن التطبع بهذا الخلق والطبع السيئ الدنيء.

ويضيف: للأسف أن رذيلة النميمة تجر معها رذائل أخرى ففيها تجسس على الناس وتلمس لعيوب الآخرين، ويلازمها الكذب والتزيد والتلفيق والحسد والنفاق وحب الدنيا، بل إنها تقضي على الخصال والأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون الصادقون.

لذلك والكلام على لسان الشيخ علي أبو الحسن ذم الإسلام الشخص النمام ذما شديدا وعدّ النميمة إحدى صفات الكفار والمجرمين الذين يبغون الشر للناس والفساد في الأرض. وحذر منها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب، ونبه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن بعض الناس يهوّن أمرها فيستبيحها ويمارسها غير شاعر بآثارها السيئة وعاقبتها الوخيمة فيقول عندما مر على قبرين يعذبان: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله.

ومن هنا يحذر الشيخ علي أبو الحسن من تهاون الآباء.. ويقول: يجب أن نعلم أولادنا السلوكيات الحميدة ونحذرهم من السلوكيات الخاطئة ونوضح لهم موقف الإسلام منها فالصغير يجب أن يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة نمام وتعويده دائما أن يحمي نفسه ويقيها من رذيلة النميمة، والابن الذي يشب فيجد أبويه يرفضان النميمة ويحاربانها ويضيقان الخناق على النمامين ولا يجاريانهم لن يصبح نماما أبدا.

ويشير الشيخ علي أبو الحسن إلى أهمية أن يقوم الوالدان بزجر الأبناء إذا ما وجداهم يمارسون النميمة وحتى إن كان ما يقولون صحيحا فيجب علينا ألا نصدقهم وألا نواجه مثل هذا السلوك بالصمت لأن الصمت هنا يعني الرضا عما يفعله الابن.

أوقات الفراغ

الدكتورة نادية حليم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تحذر المجتمعات الإسلامية من التهاون مع هذه الأخلاق السيئة التي تؤدي إلى تضييع الوقت وإثارة الضغائن والفتن وترويج الشائعات وإفساد العلاقات بين الناس وإشاعة عدم الثقة وتقول: الشخص النمام الذي يستمتع بالحديث في أمور الآخرين مسؤولية إصلاحه ورده عن هذه العادة الذميمة تقع على عاتق الأسرة ومن يتعامل معه من الناس، إذ يجب عدم تشجيعه على هذا السلوك الشائن بل ينبغي على الأسرة أن تظهر له سخطها منه ورفضها أن يكون أحد أفرادها نماما، هذا ليس فقط حفاظا على الشخص ولكن أيضا حتى لا يكتسب أبناؤه هذه الصفة السيئة.

وترى د. نادية حليم أن استنكار شخصية وسلوك الإنسان النمام قد يجعله يتراجع عن هذه العادة الذميمة ويعطي تنبيها وتحذيرا للآخرين من محاكاته حتى لا ينبذوا مثله وبالتالي نحمي المجتمع من انتشار هذه العادات والأمراض الاجتماعية الخبيثة.

وتشير د. نادية حليم إلى أن بعض الناس يمزجون الغيبة والنميمة بالفكاهة ليضفوا جواً من المرح على أحاديثهم وتقول: الشخص النمام يحسن أساليبه مع الوقت حيث يبدأ بأمور تافهة ثم يبدأ الحديث في أمور مهمة ليجذب الناس إلى أحاديثه فيخوض في حياة الشخص الخاصة وعلاقاته الأسرية وعمله وصفاته وتصرفاته، وعلى الآباء أن يدركوا أن الغيبة والنميمة عند أولادهم لن تنتهي عند هذا الحد بل ستجرهم إلى خصال أخرى سيئة كالحقد والحسد والنذالة.

مرضان سلوكيان

الدكتور عادل مدني أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر يؤكد أن النميمة والغيبة والثرثرة من العادات التي تتوارث من الآباء والأمهات باعتبارها من الأمور السلوكية التي يحاكي فيها الأولاد آباءهم وأمهاتهم ويقول: من المؤسف حقا أننا أصبحنا ننظر إلى النميمة على أنها تسلية فلا نستنكر الشخص النمام ولا نرفض سلوكه وهذا انحدار أخلاقي رهيب لأن تقبل الصفات السيئة واعتبارها نوعا من التسلية يجعلها تستشري في المجتمع وتؤدي إلى تدمير قيمه وأخلاقياته.

ويشير د. عادل مدني إلى أن الغيبة والنميمة مرضان سلوكيان غير مرتبطين بجنس معين ولكن يرتبطان بالفراغ، ولذا يجب ألا نترك أولادنا نهبا للفراغ لأن وقت الفراغ لن يحولهم إلى أشخاص نمامين فقط بل سيجعل داخلهم فارغ المحتوى حيث لا يجدون ما يعملونه فيحاولون صنع هالة حول أنفسهم وفي الوقت نفسه يتلصصون على الآخرين ويتصيدون هفواتهم ومشكلاتهم ليصنعوا منها مادة للتسلية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"