أهداف عظيمة تكمن وراء سرد قصة موت صحابي أو تابعي، والعبرة في ذكر تفاصيل مرحلة ما قبل الوفاة ليست في الأحداث والوصايا والكلمات، وإنما هي بالتجرد والإخلاص لله جل وعلا فكم من أناس طالت آمادهم وقل إمدادهم.. وكم من أناس قلت آمادهم وكثر إمدادهم.
فقد يعيش الإنسان أياما معدودة يقدم فيها الخير الكثير للإسلام وأهله.. وقد يعيش آخر زمانا طويلا لا يشغله إلا شهوات البطون والفروج. فهذا الصنف قد يعيش سعيدا بعض الشيء، ولكنه يعيش صغيرا ويموت كذلك. أما الذي يعيش لدينه ويعلم دوره في خدمة هذا الدين فقد يتعب في سبيل هذا الدور وتلك الرسالة، ولكنه يعيش كبيراً ويموت كذلك. وها نحن على موعد مع رجل عظيم استطاع، وحتى الساعات الأخيرة من حياته أن يعلم ويحدد دوره في خدمة هذا الدين.
إنه الإمام الفقيه المجتهد الحافظ أحمد بن حنبل، وعن اللحظات الأخيرة في حياته يقول ابنه صالح بن أحمد: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، حم أبى ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم، يتنفس تنفساً شديداً وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت، على ما أفطرت البارحة؟ قال: على ماء باقلي. ثم أراد القيام، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء، ضعف، وتوكأ عليّ. وكان يختلف إليه غير متطبب. فوصف له متطبب قرعة تشوى، ويسقى ماؤها. وهذا كان يوم الثلاثاء، فقال: يا صالح. قلت: لبيك، قال: لا تشوي في منزلك، ولا في منزل أخيك. وكثر الناس، فقال: فما ترى؟ قلت: تأذن لهم، فيدعون لك.
قال: أستخير الله، فجعلوا يدخلون عليه أفواجا، حتى تمتلئ الدار، فيسألونه، ويدعون له، ويخرجون، ويدخل فوج، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق. وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئا من السنة فأفرح به.
فقال لي: وجه فاشتر ثمرا، وكفِّر عني كفارة يمين. قال: فبقي في خريقته نحو ثلاثة دراهم، فأخبرته، فقال: الحمد لله، وقال: اقرأ علىّ الوصية، فقرأتها، فأقرها. وكنت أنام إلى جنبه، فإذا أراد حاجة، حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه، ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها. ولم يزل يصلي قائما، وأمسكه فيركع ويسجد، وأرفعه في ركوعه. حتى اجتمعت عليه أوجاع الحصر، وغير ذلك، ولم يزل عقلة ثابتا، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي.
مناقب أحمد
وذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد، والذهبي في السير، عن المروذي قال: إنه دخل عليه شيخ وهو في مرضه الأخير، فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت دموعه. فلما كان قبل وفاته، قال: ادعوا لي الصبيان، بلسان ثقيل، قال: فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم، وعينه تدمع، وأدخلت تحته الطست، فرأيت بوله دماً عبيطاً. فقلت للطبيب، فقال هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه.
واشتدت علته يوم الخميس ووضأته، فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة، ثقل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع.
وروى أبو نعيم في كتاب الحلية وابن الجوزي في مناقب أحمد وفي صفة الصفوة عن عبد الله بن أحمد قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه، فجعل يعرق، ثم يفيق، ثم يفتح عينيه ويقول: هكذا، لا بعد، لا بعد. ففعل هذا مرة ثانية. فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت، أي شيء هذا قد لهجت به في هذا الوقت؟ تعرق حتى نقول: قد فضيت، ثم تعود فتقول: لا بعد، لا بعد. فقال لي: يا بني.. ما تدري ما قلت؟ قلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاض على أنامله، يقول لي: ما أحمد.. فتني.. فأقول: لا بعد.. لا بعد.. حتى أموت. فرحم الله أحمد ابن حنبل وأدخله فسيح جناته.
الإمام البخاري
ويروى أن الإمام البخاري توفي رحمه الله ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين وقد بلغ اثنتين وستين سنة، ورويت في قصة وفاته عدة روايات منها:
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: إنه أقام عندنا أياما فمرض واشتد عليه المرض، فلما وافى تهيأ للركوب فلبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها فقال رحمه الله: أرسلوني فقد ضعفت فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى، رحمه الله، فسال منه العرق شيئا لا يوصف فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا: أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ففعلنا ذلك فلما دفناه فاحت من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك فدام ذلك أياما، ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون ويتعجبون، أما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر حتى ظهر القبر ولم نكن على حفظ القبر بالحراس وغلبنا على أنفسنا فنصبنا على القبر مشبكا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر، فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب ولم يكونوا يخلصون إلى القبر، أما ريح الطيب فإنه تداوم أياما كثيرة حتى تحدث أهل البلدة وتعجبوا من ذلك وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته وخرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا به من ذموم المذهب. قال محمد بن أبي حاتم: ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إلا القليل وأوصى أن يدفن إلى جنبه.
وقال محمد بن محمد بن مكي الجرجاني: سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع، فسلمت عليه فرد عليّ السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول الله، قال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري، فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها.