طفولة

رفيف
02:33 صباحا
قراءة دقيقتين
يوسف أبولوز

بين طفولية الشعراء، وتلقائية الأطفال خط واصل هو الشعر.

كلهم يقولونه بالفطرة، وشعر الفطرة هو شعر الطفولة، أو طفولة الحياة، حيث كل شيء أبيض، ونقي مثل حصى النهر.
نادراً ما تحمل لنا الصحف شعراً من بلدان مثل إرتيريا، حيث يتكاثر حصى النهر. وهذا الشاعر الإرتيري أبو بكر مهال في قصيدة له بعنوان «العشاء»، يقول «دفعني أبي صوب ضرع النعجة، وقال: ارضع، فاليوم المطر قد بلل الحطب، ولا مجال لقدح النار».
ومثل هذه الروح الريفية: روح المطر وروح الحطب والنار، نجدها في شعر الهنود الحمر، وفي شعر القبائل النائية، في الأدغال والغابات الإفريقية، وعند نساء البشتون، وعند بعض الأقليات المغلقة على لغاتها القومية، ونجد حصى النهر هذا عند الحكيم الغامض «آيسوب» وإن كان يكتب نثراً وليس شعراً.
ولكن من قال إن النثر خلو من الشعر. النثر يشبه الطريق إلى البيت كله فرح مؤجل قبل الوصول إلى دفء العائلة.
نثر جبران خليل جبران احتفالاً روحانياً بالشعر، ونثر ميخائيل نعيمة «وليمة شعر»، ونثر أبو حيان التوحيدي شعراً مسكوناً بصوفية كاتب يشرب من دموعه، وكان نزار قباني يكتب مقالة أسبوعية في إحدى مجلات ثمانينات القرن الماضي فيمتلئ الورق بعطر الشعر، أما متقابلات محمود درويش مثل: «أحب النساء اللواتي أحب. أحب الجبال التي سأحب، ولكن قطرة ماء بمنقار قبره على الكرمل الملتهب، تعادل كل النساء، وتغسلني من ذنوبي التي سوف أرتكب»، فهي موجودة أيضاً في نثره، تماماً، مثل حصى النهر.
التألق في كتابة النثر يقابله تألق في كتابة الشعر، والناثر الجيد شاعر جيد. كلاهما كالنهر، ويكثر فيه الحصى المتماوج اللماع.
كان محمد القيسي ابن الإيقاع وابن الموسيقى المولودة من زواج صوت الريح بصوت أغصان الأشجار، ولكنه مع ذلك ناثر بارع، فإذا توغل في نثرياته خلته سارداً بارعاً أيضاً، وأعجب أنه لم يكتب الرواية.
نثريون كبار شعراء، أو صحفيون، أو حتى رسامون ومسرحيون، اكتفوا بقطع من نثرياتهم في مكان ما أو في صحيفة ما وما شدهم هذا الولع بالنثر إلى كتابة الرواية.
أذكر كتابة المسرحي الجميل جواد الأسدي عن الخشبة المسرحية، وعن جسد الممثل، وعند البروفة المسرحية. تقرأ له هذه الكتابة، وتشعر خلسة بأنك تقرأ قصيدة لهذا المخرج الحنائني الذي يتحول إلى داهية مع ممثليه على الخشبة.
دائماً ابحث عن الطفولة في الكتابة، سواء في النثر أو في الشعر.
ابحث عن ذلك الحصى اللامع تحت الماء، وتذوق رائحة المطر الذي بلل الحطب.
الكتابة طفولة، وأجمل الأطفال أولئك الذين يمشون على الطريق، ولم يصلوا البيت.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"