النكتة السياسية سخرية من واقع مرير

13:15 مساء
قراءة 14 دقيقة

يسخرون من كل شيء حتى أنفسهم

المصريون أولاد نكتة بالفطرة

يختلف مضمون النكتة السياسية بين بلد عربي وآخر، على الرغم من أنها تنتج من المعاناة نفسها للشعوب العربية كافة. فهي تنتشر في الأوقات العصيبة وخلال اشتداد الأزمات، سواء كانت محلية أو خارجية، كآلية ساخرة للنقد الاجتماعي، فتعبر عن الرأي العام واتجاهاته وتعتبر سلاحاً شعبياً خفيف الظل. ويقال إنها سلاح الناس المحرومين من حقوقهم في النقد والتعبير، وتقوم على اللاعنف والنقد السلمي. والنكتة السياسية الساخرة بمضامينها المختلفة، تراجعت في العالم العربي، خصوصاً في مصر. أما في لبنان وسوريا، فأخذت اتجاهات مختلفة بسبب الأزمات التي يعانيها البلدان، لا سيما لبنان الذي يقف على حافة الهاوية.

القاهرة - الخليج:

ظل فن النكتة على مر التاريخ، واحدا من أشهر الفنون التي ميزت المصريين عن غيرهم من شعوب المنطقة العربية، نظرا لما تتميز به النكتة المصرية من خفة ظل ولماحية وعمق في دلالاتها في آن، الأمر الذي يجعلها تتجاوز دائما طبيعتها الساخرة، إلى ما هو أعمق من مجرد انتزاع الضحكات من قلوب مستمعيها.

ولا يعرف أحد على وجه الدقة كيف تولد النكتة في مصر ولا كيف تنتشر، ولا من هو صاحب حقوق الملكية الفكرية لها، لكنها تظل بغض النظر عن العثور على إجابات شافية لمثل تلك الأسئلة فنا محليا خالصا وبامتياز.

وتضرب النكتة المصرية بجذورها في عمق التاريخ، بل إن باحثين متخصصين يرجعون تاريخ ظهورها للمرة الأولى إلى العصور الفرعونية، مدللين على ذلك بالعديد من القصص المصورة الموجودة على جدران المعابد، والتي تتضمن حوارات شديدة السخرية، بين الفلاح المصري الفصيح والحاكم.

ويبرع المصريون كثيرا في استخدام النكتة، بل إنهم يحولونها في العديد من معاركهم السياسية، إلى سلاح، لا يقدر أحد على مواجهته أو الصمود أمامه، ولعل ذلك كان واحدا من الأسباب التي دفعت الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عقب نكسة يونيو/حزيران من العام 1967 إلى مخاطبة المصريين، وتحذيرهم من خطورة ذلك السلاح، الذي قد يستخدمه العدو في العمل على انهيار تماسك الجبهة الداخلية عقب النكسة المفاجئة بعد حرب يونيو/حزيران.

وحظيت النكتة المصرية على مختلف العصور باهتمام الحكام، للدرجة التي دفعت الرئيس جمال عبدالناصر إلى التوجيه خلال النصف الثاني من الستينات، بإنشاء وحدة خاصة في المخابرات العامة من بين مسؤولياتها رصد النكات الجديدة التي يطلقها المصريون وتحليلها، وقد تسببت نكتة في تعنيف وزير التموين وكادت تطيح به خارج الوزارة، عندما سمعها عبدالناصر وكانت عن أزمة الأرز.

وارتبطت النكتة المصرية خلال النصف الثاني من القرن الفائت بالعديد من الأحداث السياسية الكبرى، وعبرت عنها بعمق شديد الدلالة، واهتم السادات بها كثيرا، وقد قال اللواء حسن أبوباشا وزير الداخلية الأسبق في غير مناسبة، إن السادات كان يهتم بمعرفة النكات التي تطلق عليه، وإنه كان يطلب من الكاتب أنيس منصور الذي كانت تربطه به صداقة شخصية أن يقصها عليه.

ولعبت النكتة السياسية دورا كبيرا في تقريظ السادات عندما تمت اعتقالات سبتمبر في نهاية عصره في العام ،1981 وبلغ عدد المعتقلين السياسيين في السجون المصرية حينذاك أكثر من 1500 ناشط ومفكر وكاتب وصحافي.

وتحولت بعض مصطلحات السادات تاليا إلى نكات لاذعة أطلقها المصريون ضده بعد اكتشاف زيف وأوهام الرخاء، فتحولت كلمته الشهيرة عن المعارضين من التيار الناصري لسياسات حكمه ح افرمهم إلى نكتة، عندما قيل، إن الجزارين احتجوا لأن السادات ينافسهم في أكل عيشهم.

وتتنوع استخدامات المصريين للنكتة، فهم يستخدمونها للتعبير عن مختلف مشاعرهم الإنسانية، من حب وكراهية وفرح وحزن وغضب، وتقول دراسة لمركز البحوث الاجتماعية إن 40% من الشعب المصري يلجأون للنكتة عند تعرضهم لمواقف يخسرون فيها، وإن 24% منهم يقولونها بعد المشاجرات، بل إن 27% لا يتحرجون من إطلاقها حتى في ظروف الموت.

ولا يعرف أحد كيف تصنع النكتة في مصر ولا كيف تنطلق، لكن ذلك لا يمنع من وجود ما يمكن وصفه بالمراكز الخفية لإنتاج النكتة، لاسيما السياسية منها، وهي النكات التي تتعمد بعض الأجهزة الحكومية إشاعتها، وقياس ردة فعلها لاكتشاف طبيعة المزاج الشعبي ضد قرار من القرارات، حيث يوجد في مصر نحو 56 مركزا تابعا لهيئة الاستعلامات، تنحصر مسؤوليته في تجميع النكت لقياس الرأي العام.

وعادة ما تولد النكات في الأزمات، لكن ذلك لا يمنع من وجود مراكز شعبية لإطلاقها، ولعل من اشهر تلك المراكز مقهى المضحكخانة الكبرى، وكان مقهى شهيرا في حي باب الخلق يشغل مساحة كبيرة من المبنى الذي تشغله من المفارقات المضحكة حاليا مديرية أمن القاهرة.

ومؤخرا دخلت خطوط الهاتف النقال على خط النكتة، وخصصت العديد من مواقع الانترنت على الشبكة الدولية أبوابا ثابتة بها للترويج للنكات، وبث الحديث منها، بل والتصويت على اختيار الأفضل.

وللنكتة في مصر صناع وباعة ومشترون، ويعد محمد أبو الهوا واحدا من بين عشرات احترفوا تأليف النكتة أو الإيفيه الذي يستعين به الممثلون في مسرحياتهم الكوميدية، ويجلس أبوالهوا يوميا على مقهى بعرة الشهير وسط القاهرة، يبيع نكاته لمن يرغب من الممثلين مقابل مبالغ بسيطة لا تتجاوز خمسمائة جنيه في أغلب الأحوال.

ولا ينافس أبوالهوا على صناعة النكتة في مقاهي وسط القاهرة، سوى حسن أبوعلي الذي يتخذ من أحد مقاهي شارع عماد الدين مقرا له يبيع من خلاله بضاعته لصناع السينما ونجومها من الكوميديانات الجدد.

واشتهر في مصر خلال القرن الماضي العديد من الأدباء والشعراء الذين كانوا يجيدون إلقاء النكت وصناعتها، وفي مقدمة هؤلاء الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، وعلي الجارم وعبدالعزيز البشري، وثلاثتهم كانوا يمتازون بتأليف وإلقاء النكات اللاذعة والصارخة.

واشتهر الشاعر الكبير كامل الشناوي فيما بعد بصناعة النكات، ويقال إنه حاول التنكيت مع الرئيس عبدالناصر لكن النكتة كانت بايخة فلم يضحك عبدالناصر، بينما ظل الشناوي مرعوبا لفترة حتى توسط البعض في الصلح بينه وبين الرئيس بعد فترة.

وتتنوع النكتة في مصر وتختلف باختلاف ملقيها والمستمع إليها، فهناك نكات عن الصعايدة، وأخرى عن أبناء وجه بحري، وهناك نكات عن المحامين والقضاة وأخرى عن اللصوص، ونكات عن الأطباء والصيادلة، مثلما توجد نكات عن السائقين والنشالين وغيرهم، وتقول دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية في تحليل الشخصية المصرية: الفكاهة عادة أصيلة لدى الشعب المصري، تهدف إلى التخلص من الهموم والمتاعب لبعض الوقت، لأن وظيفتها هي التفريغ والتنفيس قبل أن يحدث الانفجار.

وتسبب الازدحام الرهيب في شوارع القاهرة خلال الفترة الأخيرة في انطلاق بعض النكات التي تسخر من الأمر، وتحمل المسؤولية للحكومة، وتحكي إحدى هذه النكات عن مصري حوصر في واحدة من إشارات المرور، وفوجئ بأحد الأشخاص ينقر له على زجاج سيارته ويخبره بأن رئيس الوزراء تم اختطافه وأن الخاطفين يطلبون فدية خمسة ملايين دولار، وإلا فسوف يقومون بسكب بنزين عليه وحرقه علنا، ثم سأل هذا الشخص المصري قائلا: احنا بنلم تبرعات تحب تشارك؟ فسأله الأخير: في المتوسط الناس بتتبرع بكام، فأجابه الأول: من خمسة إلى عشرة لترات بنزين.

اخترق الحواجز وطال جميع الأطراف

الزجل الساخر متحدث رسمي باسم اللبنانيين

يتهكم الشارع العربي بنفسه على بعض المواقف الطريفة التي تفجرها الأحداث السياسية، وتظهر معارضة السلطة أحياناً عن طريق التنكيت والتبكيت. لكن النكتة في لبنان تأخذ اتجاهات مختلفة، حيث يسخر الناس من الوضع القائم، وإن كان ذلك بمضامين سياسية واجتماعية. وفي التاريخ اللبناني كان الزجل الساخر والكلمة الناقدة الساخرة والسليطة مؤشراً لاتجاهات الرأي العام. فعلى سبيل المثال، كانت كلمات عمر الزعني الساخرة تؤثر في الرؤساء والمسؤولين، في حين أن اسكتشات فيلمون وهبي المسرحية يكررها الناس في الساحات والشوارع، وخصوصاً خلال الحرب.

بيروت - إبراهيم حيدر:

أما اليوم فالنكتة والكلام الساخر، أصبحا في خبر كان، على الرغم من أن الشارع اللبناني يحفل بالكلام الشفوي الساخر والمتداول في المقاهي وعلى ألسنة الناس ومن خلال الرسائل القصيرة على الهاتف الخلوي. ومن النكات المتداولة: سألني السلام والفرح والصحة عن عنوان للإقامة فأرسلتها إليك، آمل أن تكون قد وصلت بلا قنبلة.

وكان أن خصصت إحدى القيادات الأمنية رقماً للإبلاغ عن أي جسم غريب أو عمل تخريبي آخر، فسخر اللبنانيون من التكلفة غير البسيطة للاتصال التي لا تقتصر على دقيقة واحدة من غير احتساب القنبلة التي قد تنفجر، والتي تضغط على سوء حالهم وما وصلوا إليه من أمن واستقرار على حساب جيوبهم وهواتفهم وفواتيرها، فظهرت النكتة التالية: أهلاً بكم على خدمة البطاقة المدفوعة سلفاً. نصلي كي تتروّى القنبلة ريثما نعبئ رصيدنا الهاتفي ونبلغ عن وجودها.

لكن كلام النكتة اخترق حواجز كثيرة وتخطى الداخل اللبناني، مثل تداول البعض نكتة على الأمريكيين ومشروعهم بالقول: الأمريكيون سيستمرون بدعم لبنان وحمايته حتى يزول عن الخارطة. وفي الحالتين تعبر النكتة عن الاصطفاف القائم بين المعارضة والموالاة في لبنان، بوصول الأمور الى مفصل حساس بينهما من خلال التأكيد على أن كل طرف يلتحق بمحور خارجي.

وإذا كان الشأن الاجتماعي أخذ حيّزاً كبيراً من النكتة اللبنانية في الماضي، فإنه اليوم في مرتبة خلفية، على الرغم من الأزمات المعيشية التي يعانيها اللبنانيون. وفي المحصلة أن النكتة اللبنانية باتت ضعيفة إجمالاً، كما النكتة المصرية التي كانت سلاحاً مؤثراً، ولعل من المفيد التذكير بأن اللبنانيين ينكّتون على بعض ممثليهم في المجلس النيابي وفي الحكم، انطلاقاً من أن الانتخابات كانت توصل الى الندوة البرلمانية بعض الوجوه غير المعروفة من خلال المال.

ويذكر أن أحد النواب المعينين بالتزكية في إحدى الدورات النيابية كان يحضر مناقشة مشروع الدفاع المشترك ولا يشترك في النقاش، وبعد مرور وقت كاف سئل النائب المعني عن رأيه في الموضوع فرد قائلاً: أنا مستعد لدفع ما يتوجب علي من أموال للمشروع. في حين ان نائباً آخر تحدث عن تطبيق القرار الدولي 425 بالقول: نريد تطبيق القرار أربعة وربع ليشمل تحرير الجولان المحتل، والمعروف أن الجولان يدخل تحت إطار القرار 242.

والواقع أن هناك نماذج كثيرة عن النكت السياسية التي تدور حول فلسطين في عز الصراع العربي الإسرائيلي. وتنسحب النكتة على بعض ممارسات زعماء حلف وارسو وحلف الناتو. لكن النكتة السياسية العربية كان لها الأثر الكبير في الحياة السياسية العربية في السابق، وهي اليوم لا تعدو مجرد ترهات لا أثر لها في الرأي العام ولا تعبر بالفعل عن اتجاهاته.

مقاطع صوتية وبلوتوث لترويجها

القفشات تدحض تكشيرة الشعب الأردني

يبدو أنه من الأجدر تحويل قضايا غسيل الأموال الى وزارة البيئة لضمان تنظيفها. هذا التعليق الساخر أطلقه عضو مجلس النواب الأردني عبدالرؤوف الروابدة أمام زملائه فأثار حفيظة بعضهم في ردود فعل سلبية متصاعدة وفنده سواهم تعبيرا دقيقا عن حالة المماطلة في مناقشة تجاوزات الفساد وتجاوب معه فريق ثالث بوصفه مزحة للضحك لا أكثر.

عمان - ماهر عريف:

ذلك التعليق الذي أقر الروابدة باستناده أساسا إلى نكتة سياسية مرادفة متداولة شعبيا وصلته فنقلها بصيغته التلقائية الى من يسهمون في صناعة القرار لا يقف عند مجرد سرده أو تمريره على نطاق أوسع تاليا ومدى تأثيره في توجيه الرأي العام وتداعيات الرأي الرسمي لكنه يكشف مع تعليقات سياسية ساخرة منتشرة بصورة أو بأخرى عن ملمح جديد لدى الشخصية الأردنية بميلها الى النكتة وحس الفكاهة المرة وسط تزايد الأزمات السياسية والضغوطات الاجتماعية وفي المناسبات والمواقف وعند طرح قرارات ومشروعات حكومية عكس الانطباع السائد لفترة طويلة سابقة أن الشعب الأردني متجهم دائما ويعشق التكشيرة حتى طالته نكتة موازية حاكها بعض أفراده مفادها أن ابتسامة الأردني مثل الرغيف الساخن كلاهما يصعب الحصول عليه!

ورغم تفاوت وجهات النظر حول دورها وفاعليتها لكن النكتة السياسية الشعبية واكبت ولاتزال قضايا عديدة ليس آخرها الغلاء وتكرار حالات التسمم في المطاعم، وتزايد حوادث السير، وكثرة انقطاع التيار الكهربائي وأسفار المسؤولين، وما يحدث في العراق وفلسطين وذلك بوسائل شتى تجاوزت السرد الشفهي والرسائل النصية في الهواتف المتحركة الى مقاطع صوتية وكرتونية مصورة ينجزها شبان وشابات بتقنيات عالية اعتمادا على البلوتوث وجهاز التخزين الصغير الآي بود فيما يدرج بعض متخصصين رسوم الكاريكاتير والقفشات المسرحية وكلمات أغنيات الهيب هوب التي باتت رائجة من بينها لكن يمكن رصد أكثر الوسائل انتشارا بعد رسائل الموبايل القصيرة بين منتديات شبكة الانترنت وفي خانات خصصتها مواقع اخبارية أردنية لحصد تعليقات المواطنين على الموضوعات السياسية والاحداث أبرزها عمون الالكتروني الذي ما إن طرح معلومة حول موافقة مجلس الوزراء على تعديل يمنح تأمينا علاجيا مضاعفا في مستشفيات القطاع الخاص لكبار المسؤولين حتى تلتها جملة من الردود المتهكمة من بينها اعتبار احدهم أن أصحاب المعالي والدخل العالي صاروا يعانون من توفير الدواء الغالي وتساءل آخر: ما الذي يمكن أن يقوله صاحب المعالي مثلا تحت تأثير البنج وسط مجموعة أطباء غرباء في بعض المستشفيات الحكومية؟.

الكاتب السياسي والاعلامي المحاور على شاشة التلفزيون الأردني سميح المعايطة يمنح الموضوع تحليلا دقيقا في تعويله على ذكاء الشعوب وقدرة ثقافتها ما يمكنها من الهروب من التعبير المباشر عندما يكون مكلفا او عندما تضيق هوامش الدول او الافراد عن استقبال النقد والرأي الآخر لافتا الى أن هذا الذكاء يفقد مفعوله احيانا عندما يوجد في اي بقعة من العالم وفي اي زمن من يحاسب على النوايا ويفترض كل ما يقال معارضة! وضرب المعايطة في هذا السياق مثالا عمليا عاما حيث يروى عن اهل بلدة ارسل الخليفة اليهم والياً مشهودا له بالقسوة وسوء الادارة والبطش وفي ذات العام الذي اصبح فيه هذا الشخص واليا على تلك المنطقة ارسل الله المطر كثيفا غزيرا متواصلا فكان عام خير وموسم انتاج لتلك المنطقة من ارض الخلافة ففرح الوالي بهذا واعتبر حضوره بشرى خير للمنطقة لكن ذكاء احد الوجهاء افسد على الوالي هذا الاعتقاد الخاطئ، إذ قال له: ان الله تعالى اكرم من ان يجمع علينا وجودك والقحط وقلة الماء، فأشفق علينا بعام خير وموسم أخضر!

وفي التداول الميداني تتضح الصورة أكثر حين يشير الموظف حسام النونو الى تبادله الرسائل الساخرة بواسطة الهاتف أو البريد الالكتروني ونسجه أخرى حاملة لقبه واحد متضايق معتبرا أنها ملجأ لتفريغ الهموم والقهر ازاء ما يدور محليا وعربيا وعالميا من دون مخافة العقاب او ترصد صاحبها الذي اذا اراد نسبها اليه وقعها باسم مستعار غالبا.

ويذكر النونو أن السؤال الاول الذي أصبح مطروحا عند اجتماعه ورفاقه أو الاتصال هاتفيا حول جديد النكات السياسية المواكبة لموجة الغلاء وأزمة المواصلات والبطالة وقرارات الحكومة لافتا إلى أن ابرز ما انتشر بصورة واسعة كان خلال تكرار حالات التسمم نتيجة تناول وجبات من المطاعم وتزايد حوادث السير وارتفاع سعر اسطوانة الغاز والسلع الاستهلاكية عموما واكتشاف بعض أسفار وحالات الترف المغدق لعدد من كبار المسؤولين وكثرة انقطاع التيار الكهربائي في عدد من المناطق وتخبط تحديد حالة الطقس المتوقعة وأخرى مرتبطة بظهور قرارات سياسية الى جانب ما يتواصل في أحداث فلسطين والعراق وحتى لبنان والتجاوزات الغربية المسيئة للاسلام اضافة الى ما يتعلق بتصرفات تمس الشعوب العربية عموما.

وتفتح الطالبة الجامعية هيام أبوغريبة صندوق الوسائط المتعددة في هاتفها المتحرك حيث رسم كاريكاتيري من جزءين يسلط الضوء على قضية تسمم وجبات الطعام المتكررة محليا يظهر في الاعلى طفل يطلب من والده أن يشتري له شاورما فيرد الأب:كول هوا أحسن لأن الشاورما ملوثة وفي الجزء الثاني يبدو الابن ميتا يوازيه تعليق الهوا عندنا ليس أكثر نظافة.

من جهته يرفض الدكتور سالم ساري أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلاديفيا اعتبار النكتة السياسية شكلا جديدا من أدب الرسائل أو منحها صفة الفن مكتمل المواصفات في صيغتها السريعة المتداولة لكنه يرجحها مقصدا للتعبير النفسي المريح نوعا ما وسط الضغوطات المتفاقمة سيما في الأزمات والمواقف والاحداث الصعبة المعاشة آنيا من دون تجاهل كونها نتاجاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً كما سواها في هذا السياق مع تشديده على عدم بروزها مقارنة بالشعر أو الرواية وحاجتها الى التدوين الموثق الذي يحفظها من حالتها الهائمة.

وحول النقطة الاخيرة يضع رسام الكاريكاتير عماد حجاج وصاحب شخصية أبو محجوب الطارحة لنكات سياسية مصورة ومتحركة مدى تأثير تداولها شعبيا في اصدار أو الغاء القرارات لدى صناعها فغدت مفصلاً حقيقيا يميل الى كفة جدواه عمليا في التنفيس عن هموم المواطن على الاقل مستدركا: من المهم تحويل النكتة السياسية الى صيغة اكثر بروزا امام المسؤولين لتنال تجاوبا على ارض الواقع ويبقى مفهوم الجدوى من عدمه نسبيا ومثلا كانت لدينا أزمة المياه الملوثة وتناولتها نكات عديدة لكنني أوصلت السخرية الهادفة بأسلوبي ضمن حملة اعلامية ألقي بالمسؤولية فيها على عاتق التسيب الحكومي وكان أن استقال الوزير في النهاية وفي المقابل تشعر في قضايا أخرى كثيرة أنك تنفخ في قربة مثقوبة!

ويلفت الكاتب السياسي والباحث في شؤون الديمقراطية والتنمية باتر محمد علي الى نقطة غاية في الاهمية في فصله بين النكتة السياسية المجدية ومجرد السخرية الفارغة مردفا: في الآونة الأخيرة بدأت احدى الشركات بالاتفاق مع مؤسسة للاتصالات في اعداد رسائل يفترض أن تكون فكاهية تحت عنوان هلا عمي وهذه الخدمة التي تصل إلى نحو مليوني أردني يوميا تمثل ربما أهم وأكثر وسيلة إعلان تأثيرا في الأردن وهذا يفترض وجود مسؤولية كبيرة لأن يكون المضمون على درجة عالية من الدقة والنوعية الجيدة والسخرية الهادفة.

ويكشف الممثل نبيل صوالحة أن جميع عروضه المسرحية المرتكزة على الكوميديا السياسية لا تغفل الاستناد الى نكات شعبية متداولة وانجازه اخرى ضمن أصل النص لافتا إلى أنه مثلا في بلاد العجائب مؤخرا طرح عددا كبيرا منها على الخشبة طالت ابعادا محلية وعربية ودولية احداها: قريبا نتبادل جرات الغاز كهدايا في الاعياد والافراح بدل الحلويات والورود. وانسحابا على الميدان اللبناني والفلسطيني: ظهرت كتلة هوائية جديدة متمركزة فوق البرلمان راح تلفح المواطنين وكذلك: في سوق البطيخ السياسي تعتقد كل واحدة أنها أحمر من الثانية!

زعماء روسيا وبوش نالوا النصيب الأ كبر

الساسة أبطال سيناريوهات التنكيت والتبكيت

النكتة ملح الفؤاد وداء الفقراء وحاجة ضرورية للأغنياء، ومن أبرز أنواع القفشات التي تنسي الناس همومهم، النكتة السياسية لأنها تعبر عما يجول في خاطر الشعوب وتسلط الضوء على واقع معيشتها.

وتعتبر النكتة السياسية نوعاً من الهجاء وهي تتناول الساسة بدءاً من صغار المسؤولين وصولاً الى الدول.

وتنقسم النكتة السياسية الى نوعين، الأول يتناول التصرفات السلبية للسياسيين، سواء أكانوا معارضين أو في الحكم، والثاني يتضمن السخرية من الشعارات والتعابير والأخطاء التي يقع فيها الساسة.

وذكر فرويد أن النكتة هي إحدى طرق الدفاع اللاشعورية التي يعتمد عليها الإنسان في مواجهة الضغوط الناتجة عن العالم الخارجي، أما النكتة السياسية فتعكس تفاعل المجتمع ونظرته نحو قيادته ونوعاً من إفراغ للهموم في مقلب السياسة.

وتنتشر النكت السياسية في المجتمع الغربي بكثرة وتتنوع حتى ان النكات السياسية في روسيا أصبحت لها ثقافتها الخاصة. وتنقسم النكتة السياسية في روسيا إلى ثلاث مراحل هي: مرحلة الإمبراطورية الروسية ومرحلة الاتحاد السوفييتي ومرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

ومن النكت التي كانت متداولة في عهد القيصر أن رجلا صاح: نيكولاي رجل غبي، وعندما قبض عليه رجال الشرطة قال لهم إنه لم يقصد القيصر المحترم، بل شخصاً آخر يسمى نيكولاي، فما كان من رجال الشرطة إلا أن أجابوه: لا تحاول خداعنا، فعندما تقول غبي فأنت بالتأكيد تقصد القيصر. وإلقاء النكت السياسية في فترة قيام الاتحاد السوفييتي كان جريمة طبقاً لقانون العقوبات السوفييتي تحت مسمى الدعاية المناهضة للاتحاد السوفييتي وكانت عقوبتها صارمة جدا.

ورغم ذلك فإن العقوبات لم تمنع تداول النكت ولو بسرية لأنها تبقى نوعا من التنفيس في الظروف الصعبة، فيقال إن قاضيا في الاتحاد السوفييتي خرج من المحكمة ضاحكا، فتقدم منه زميله سائلا إياه عن سبب ضحكه فقال: لقد سمعت للتو أظرف نكتة في العالم، فسأله صديقه أن يرويها له فأجابه: لا أستطيع، فقد حكم على راويها بالسجن عشر سنوات.

ومن النكات المتداولة أن القادة السياسيين في الاتحاد السوفييتي برهنوا عن الآتي: لينين برهن كيف يمكن حكم بلد، وستالين برهن كيف يجب أن تحكم بلد، وخروشوف برهن كيف يمكن لأبله أن يحكم بلد، وبريجنيف برهن أنه ليس فقط الأبله الذي يمكن أن يحكم بلد.

ويوجد ما يطلق عليه اسم راديو يريفان وتكون النكتة على هيئة سؤال وجواب عنه.

وللرئيس الأمريكي جورج بوش نصيب واسع من النكت السياسية، وتوجد عشرات المواقع الالكترونية المخصصة فقط لإطلاق النكات عليه حتى انها تضع نكت كل عام في أرشيف خاص.

ومن النكت المتداولة حول بوش: يقال إن بوش كتب سيرته الذاتية التي سيقدمها لطلب الوظائف في المستقبل و قد جاء فيها ما يلي: الخبرات السابقة: ترشحت إلى مجلس الشيوخ وخسرت، اشتريت شركة نفط ولكنها أفلست، بمعاونة والدي انتخبت حاكماً لتكساس.

الإنجازات كرئيس: هاجمت واحتللت بلدين، دمرت الاقتصاد، صاحب الرقم القياسي كأكثر رئيس حصل على أطول أجازة خلال ولايته، خلال أول سنتين من ولايتي خسر 2 مليون أمريكي وظائفهم، حطمت الرقم القياسي كأكثر رئيس نزل ضده متظاهرون حول العالم (15 مليون متظاهر)، أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت نسبة كبيرة من الأوروبيين (71%) أن رئاسته تمثل أكبر تهديد للسلم العالمي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"