مزايا بني مخزوم

سيف الله
01:14 صباحا
قراءة 4 دقائق

لم يكن لمخزوم أن تستأثر بالزعامة القرشية، على الرغم من جميع تلك الخصال المجيدة التي نافوا بها على غيرهم من بطون قريش، وذلك لأنهم كانوا ينافسون بني هاشم وبني أمية وبني عبدالدار، وهم ثلاثة بطون قوية في جد واحد أقرب من الجد الذي يجمعهم ببني مخزوم، وهو مرّة بن كعب بن فهر جد قريش أجمعين . وعلى الرغم من ذلك، كانت مكانتهم راجحة في مواقف كثيرة قبل الإسلام وبعده، كما مرّ معنا، ونضيف ها هنا أنهم اضطلعوا أيضاً وحدهم ببناء ربع الكعبة بين الركنين الأسود واليماني، واشتركت قريش كلها، كما يقول المؤرخون وكتاب السير في بناء بقية الأركان، فكان ذلك مما يحتسب لهم في سائر الأزمان ومما يعتدون به على مدى الأيام .

مزاعم الوحيد

وكان الوليد بن المغيرة، والد خالد بن الوليد، يزعم في فجر الإسلام، وهو الذي لقب بالعدل والوحيد، أنه أحق الناس بالنبوة والقرآن . وقد سمع وهو يقول بعد النزول: أينزل على محمد وأترك، وأنا كبير قريش وسيدها؟ وفي ذلك يقول القرآن الكريم، كما جاء في أسباب النزول: وقالوا لولا نُزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . ويقول المؤرخون إنه لم ينزل في رؤساء قبيلة مثل ما نزل في رؤساء هذه القبيلة . ولم تتمثل منعة قوم، كما تمثلت منعتهم في ردود القرآن الكريم على أقوالهم . وهي أقوى ردود عرفت في السور المكية الأولى، على ما جاء في الآيات الكثيرة من سورة ن وسورة المدثر وسورة الكافرون، عدا إشارات أخرى في سورة الحجر وفي سورة عبس .

والحق يقال، لقد غلب على سادات بني مخزوم أنهم كانوا يتوارثون الثقافة العربية ويتدارسونها بالتعليم والتلقين والعشرة الحسنة، وأنهم كانوا يستوعبون أخبار الحكماء وذوي الفطنة والموعظة الحسنة في علاج المشكلات بين أهل المجتمعات والأقوام . وعرفت لهم أياديهم في علاج المشكلات وتدبير الحيل، ومصانعة الناس والأيام . كذلك عرف هؤلاء السادة من بني مخزوم أن يجمعوا في شخوصهم بين الثقافة الأدبية والثقافة السياسية والثقافة العسكرية، كما وصلت إليهم من تراث الآباء والأجداد . وكان منهم من تولى قيادة القبيلة في غزواتها ومواقف دفاعها . ولعل خالد بن الوليد كان أكثرهم شهرة في ذلك .

ريحانة قريش

ونحن لا نستطيع أن نستتم الكلام عن تراث بني مخزوم، حتى نضيف إلى مزاياهم المختلفة مزية ملحوظة لها شأنها العظيم، في حياة خالد على وجه مخصوص . إذ كان أبوه الوليد بن المغيرة، أغنى أبناء زمانه في صنوف الثراء كافة: الذهب والفضة والبساتين والكروم والتجارة والعروض، والخدم والجواري والعبيد، ولهذا سمي بالوحيد، ولقب من أجل ذلك بريحانة قريش . وهو الذي قال فيه القرآن الكريم من سورة المدثر: ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالاً ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيداً، ويروي سفيان الثوري أنه كان يملك ألف ألف دينار . ويروي ابن عباس أنه كان يملك من الفضة تسعة آلاف مثقال، وكان لكبريائه في جوده، ينهى أن توقد نار غير ناره في منى لإطعام الحجيج .

وكان الوليد بن المغيرة والد خالد، من أفقه الناس لمعاني الكلام ومن أحفظهم للشعر والخطب وأيام العرب . وفي السيرة الشريفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في المسجد يصلي، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فما فطن النبي عليه الصلاة والسلام لاستماعه . فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن . والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه ثم انصرف إلى منزله .

وحين سألته قريش رأيه في تفسير بلاغة القرآن، فكر ثم قال: ما هو إلاّ سحر يؤثر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر . وهذا هو السحر المبين فذاك إذ يقول القرآن الكريم: إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر .

ولعل خالداً نشأ في بيت الوليد بن المغيرة وهو سيد بني مخزوم، وأحد السادات المعدودين في قريش، وصاحب الكلمة التي يتعلق بها مصير قومه، فيما يجنح إليه من شرعة أو دين . أما أمه فهي لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأخت لبابة بنت الحارث الكبرى زوج العباس عمه، وأخت أسماء بنت عميس، التي تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر الصديق ثم علي بن أبي طالب، ولها أخوات أخريات بنى بهن رجال من ذوي الشأن الكبير . وقد ندر أن نجد في بيوت العرب النبيلة، بيتاً لم يكن له صلة بخالد بن الوليد وذويه بالنسب والمصاهرة من جانب أمه أو جانب أبيه .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"