المعاملات الإسلامية . . عدل وصدق وتسامح

مفاهيم شرعية
02:38 صباحا
قراءة 8 دقائق
كل من وقف على مقاصد الشريعة الإسلامية وتعرّف المعاملات التي أقرتها ودعمتها شهد لها بالمصداقية والالتزام والقدرة على تحقيق مصلحة الفرد والمجتمع من دون عدوان على حق أحد، ومن دون استغلال لحاجة فرد أو جماعة . . ومن هنا اكتسبت "المعاملات الإسلامية" ثقة المسلمين وغير المسلمين وانتشر منهج الإسلام الاقتصادي في ربوع العالم .
فما هي المعاملات الإسلامية؟ وما أهدافها ومقاصدها الشرعية؟ وما الضوابط التي جاء بها الإسلام لتنظيم المعاملات بين الناس؟
يقول الفقيه الأزهري، د . نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء: المعاملات الإسلامية تقوم على الصدق والالتزام والتسامح والرحمة، وهي توفر للإنسان أقصى ما يتطلع إليه من أمان على أمواله وطمأنينة إلى ثمرة جهده وكفاحه، وكلما سادت هذه المعاملات الإسلامية في مجتمع تحقق الاستقرار الاقتصادي واستقامت المعاملات بين الناس .

ضرورة شرعية

ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن المعاملات المنضبطة بضوابط الإسلام ضرورة شرعية، ويقول: تعاليم الإسلام وأخلاقياته الاقتصادية توفر للمجتمع الحماية الكاملة من كل أشكال الفساد الاقتصادي التي استشرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في ظل غياب الوازع الديني وتطبيق العقوبات الشرعية على كل من تسول له نفسه المريضة أو يزين له شيطانه العدوان على المال العام أو نهب وسرقة حقوق الفقراء والبسطاء .
ويضيف: شريعتنا وفرت البيئة الاقتصادية اللازمة لتحقيق العدل بين الناس، ومنع الفساد الاقتصادي بكل صوره وأشكاله، وهذا من شأنه أن يوفر للمجتمع الأمان والاستقرار الاقتصادي الذي تتحقق في رحابه كل طموحات الإنسان، فقد حرم الإسلام تحريما قاطعا جميع طرق الكسب التي تقوم على الظلم والاستغلال، وهي التي تقوم على الربا أو الرشوة، أو استغلال النفوذ والسلطان، أو على غش الناس، أو ابتزاز أموالهم، أو التحكم في ضروريات حياتهم، أو انتهاز حالات عوزهم وحاجتهم، وما إلى ذلك من الأساليب الظالمة والخادعة في كسب المال، وحرم امتلاك ما ينجم عنها، وأجاز مصادرته وضمه إلى بيت المال، أي إخراجه من حيز الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية . وحقق الإسلام بضوابطه الأخلاقية ومعاملاته الإسلامية المنضبطة عدة أهداف سامية، فأغلق بذلك أهم الأبواب التي تؤدي عادة إلى تضخم الثروات في يد بعض الأفراد، ذلك أن الطرق المشروعة في الكسب لا ينجم عنها في الغالب إلا الربح المعتدل المعقول المتفق مع سنن الاقتصاد، أما الأرباح الفاحشة والثروات الضخمة فإنما تكون في الغالب نتيجة لكسب غير مشروع، ففي تحريم الإسلام لهذه الوسائل تحقيق لتكافؤ الفرص بين الناس، وقضاء على أهم عامل من العوامل التي تؤدي إلى اتساع الفروق الاقتصادية بين الأفراد والطبقات، وفي ذلك تحقيق للمساواة في شؤون الاقتصاد .

ضرورة اقتصادية

مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، د . يوسف إبراهيم، يؤكد أن المعاملات الإسلامية ضرورة اقتصادية تؤكد شمولية الإسلام وقدرته على تنظيم حياة الناس بكل جوانبها، فالإسلام منهج حياة متكامل يحمل توجيهات اقتصادية وسياسية واجتماعية إلى جانب العقيدة والعبادة والأخلاق . . ويقول: توجيهات الإسلام الاقتصادية منارات هادية للمسلمين في ظلام الأنظمة الاقتصادية التي تقدم للمسلمين قيماً مغايرة، وتوجيهات مخالفة، وتجعل حياتهم مملوءة بالمشكلات التي ما كانت لتصيبهم لو أن توجيهات هذا الدين هي التي تحكم معاملاتهم، وتوجه سلوكياتهم .
ويوضح د . يوسف إبراهيم أن المعاملات تمثل جماع الإسلام كله، حيث إن الأخلاق تظهر عند ممارسة التعامل مع الناس، كذلك العبادات إن لم يظهر أثرها في المعاملات فلا فائدة منها، يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً"، كذلك نرى العقيدة الصحيحة تنعكس على المعاملات بين الناس، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فما آمن بي من بات شبعاناً وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم" وهذا يعني أن المعاملات تمثل خلاصة الإسلام، وقد حصر النبي صلوات الله وسلامه عليه الدين كله في المعاملات، فقال: "الدين المعاملة" .
ومن ثم فإن المعاملات وممارستها على هدى الإسلام تمثل صحة العقيدة وقبول العبادة، ومتانة وعظمة الأخلاق . الأمر الذي يوجب علينا أن نوليها الكثير من العناية، وأن نهتم بضوابطها وأصولها وشروط صحتها وآثارها عندما تقع صوابا، وتداعياتها عندما تقع على خلاف ذلك .

سياج أخلاقي

ويشير د . يوسف إبراهيم إلى أن الشريعة الإسلامية انحازت لكل تعامل يحقق مصلحة الإنسان، فأباحت البيع والشراء وأحاطتهما بالضمانات الكفيلة بتحقيق العدل ومنع المنازعات والمشكلات، وأباحت أيضاً التجارة واكتساب الرزق عن طرق (المضاربة) وهي شراكة تقوم على العدل والتراضي وأحاطها الإسلام بسياج أخلاقي، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا ثالث الشريكين"، وأباحت الشريعة كذلك (بيع المرابحة) وهو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة متفق عليها بين البائع والمشتري، ووضعت لها الضوابط حتى لا يترتب عليها ظلم لأحد الطرفين .
وأباحت شريعة الإسلام (الإجارة) وهي تمليك منفعة أرض أو عقار مقابل عوض معلوم، وهي تشمل استئجار الأرض والعقارات والأشخاص للقيام بمهام معينة . . وأباحت شريعتنا (الاستصناع) وهو عقد يتم بين صانع ومستهلك أو تاجر لتصنيع سلعة معينة مقابل مال محدد، وضبطته بضوابط تمنع النزاع بين الناس . . وعقد (السلم) من العقود التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليحقق بها مصالح فئة من الناس تحتاج إلى سيولة حاضرة لكي تتمكن من الإنفاق على منتج زراعي أو صناعي فتستفيد هذه الفئة مقابل أن يستفيد من قدم التمويل في شكل سيولة حاضرة، حيث يستفيد الأول بإتمام مشروعه، ويستفيد الثاني بالحصول على منتج بسعر مناسب يستخدمه في تحقيق مصالحه . . وهكذا تتوالى المعاملات الإسلامية التي تحقق العدل بين الناس .

الحلال والحرام

ويعود د . واصل ليؤكد أن المسلم مطالب شرعاً بالالتزام بالحلال والمباح والمشروع، وتجنب كل ما هو حرام أو يحمل شبهة حرام في تعاملاته مع الآخرين، فالشريعة الإسلامية لم تترك معاملة من المعاملات من دون أن توضح وجه الحلال والحرام فيها، حتى تستقر حياة الإنسان وتنصلح جميع أحواله، حيث تحمل هذه الشريعة السمحة كل ما يؤدي إلى إصلاح المعاملات بين الناس والله سبحانه وتعالى ينادي الناس جميعاً بأن يلتزموا في حياتهم بما أحله لهم، وأن يبتعدوا عما حرمه عليهم فيقول: "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين"، كما ينادي المؤمنين بأن يأكلوا الطيبات فيقول: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون" .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو كل المسلمين إلى أن يبنوا حياتهم على الحلال الواضح في مأكلهم ومشربهم وأخذهم وعطائهم وقولهم وفعلهم، وقد جاءت هذه الدعوة في أحاديث متعددة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام . ." .
وبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أن كل إنسان سيسأله خالقه عز وجل يوم القيامة عن أقواله وأعماله ومعاملاته في الدنيا فقال: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه" .
وهكذا يتضح أن المسلم ليس حراً في تعاملاته مع الآخرين ولا في كسبه ولا إنفاقه، بل هو مطالب شرعا بالتزام الحلال في مأكله ومشربه وملبسه، وفي جميع أقواله وأفعاله ومعاملاته، وكل من ينحرف عن طريق الحلال عامداً قاصداً عليه أن ينتظر عقاب الخالق الذي شرع له كل ما يصلح حياته .

تشريعات عادلة

والمعاملات الإسلامية - كما يؤكد المفكر الاقتصادي الإسلامي د . محمد عبدالحليم عمر، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر- تقوم على الصدق والسماحة وشعارها التيسير والرحمة بالإنسان . . ويقول: المعاملات التي تدور بين الناس من بيع وشراء وأخذ وعطاء، إذا قامت على الصدق والسماحة باركها الله تعالى، وترتب على ذلك الخير الكثير للبائع والمشتري، وللآخذ والمعطي، وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يكون صادقا في قوله وفعله، سمحا في تعامله مع غيره بالخير الوفير، وبالرزق الواسع فقال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" . وفي حديث آخر قال صلوات الله وسلامه عليه: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" . . وفي حديث ثالث قال: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى أي إذا طالب بحقوقه"، والإنسان السمح هو الذي يتعامل مع الناس بتسامح ولين ورحمة .
وإذا كان الصدق في المعاملات يؤدي إلى الخير والرخاء والبركة في الرزق، فإن الخيانة والكذب يؤديان إلى الشقاء والخسران .
ويوضح د . عمر أن الشريعة الإسلامية التي أباحت كل تعامل يقوم على الحق والعدل والصدق، ويحقق مصالح الناس في حدود ما أحله الله، هذه الشريعة العادلة حرمت على الإنسان كل تعامل يخالطه الظلم، أو الغش والخديعة، أو الغدر، أو غير ذلك مما نهى الله عنه .
ومن هنا كان رفض الشريعة الإسلامية، واضحاً في المعاملات التي تقوم على الظلم والاستغلال مثل: (الاحتكار) وهو شراء الشيء وحبسه ليقل بين الناس ويرتفع سعره عن حدود الاعتدال، فتضطرب أحوال المجتمع ويصاب أفراده بالضرر والعنت في أمور معاشهم، ومثل (بيع الضرر) وهو البيع الذي يقوم على الخداع، حيث يتظاهر البائع أو المشتري بعدم الرضا به عند تحقيقه، وهو يحتوي على ظلم للطرف الآخر، وبيع الضرر يندرج تحته كل بيع اشتمل على جهالة تفضي إلى المنازعة، وإلى إلحاق الضرر بالناس، وإلى تعطيل مصالحهم .
كما حرمت الشريعة الإسلامية (الغش والحلف الكاذب في البيع) وجرمت هذا السلوك المحرم الذي يمارسه للأسف كثير من التجار في أسواقنا الآن وخاصة الشعبية، ورسول الله صلى عليه وسلم يقول: "ليس منا من غش" وقال: "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق" . . أي فإن كثرة الحلف في البيع قد تؤدي إلى رواج السلعة، إلا أنها بعد ذلك تزيل بركتها .
وحرمت الشريعة الإسلامية كذلك (التطفيف في الكيل والميزان) وأمرت بالقسط فيهما قال تعالى: "ويل للمطففين . الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون . ليوم عظيم . يوم يقوم الناس لرب العالمين" .
وحرمت شريعتنا الغراء (النجش) وهو أن يزيد الإنسان في سعر السلعة لا ليشتريها وإنما ليخدع غيره، وهذا السلوك المحرم يتم في المزادات ويمارسه كثير من محترفي الخداع في البيع، وفيه إضرار كبير بالمشتري، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش لما فيه من إضرار بالإنسان المشتري وخداع له .
وحرمت شريعة الإسلام (التعامل في الشيء المغصوب أو المسروق) حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء الشيء المغصوب أو المسروق، لأن شراءه يعد شكلاً من أشكال التعاون على الإثم والعدوان . . وقد جاء في الحديث الصحيح: "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها" . وشبيه بذلك في الحرمة أن يبيع الإنسان سلعة وهو يعلم أن مشتريها سوف يستخدمها في الإضرار بالآخرين . وهكذا يحرم الإسلام كل معاملة تؤدي إلى الظلم وتلحق الضرر بالآخرين، ليؤكد من خلال تشريعاته العادلة أن معاملاته تقوم على العدل وترفض الظلم بكل أشكاله وصوره .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"