من المهم أن تقوم الحياة الزوجية على الحب والمودة والرحمة والعشرة الطيبة ولا تستقر الحياة إذا ضاع منها الاحترام المتبادل بين الطرفين فهو المفتاح السحري للسعادة الزوجية .
فعندما تحدث مشكلة بين الزوجين يجب أن يراعى كل منهما التسامح والتعاطف والصبر على إيذاء الآخر ولكن يظل كل هذا مرهونا بمقدار الاحترام بينهما سواء على مستوى تعاملاتهما الشخصية أو أمام الأبناء والمقربين والأهل .
حسن المعاملة ليس حقاً للزوج فقط وإنما هو حق أيضاً لزوجته، ويجب أن يكون متبادلاً ومشتركاً، فالإسلام أرسى قواعد الاحترام المتبادل بين الزوجين حتى تقوم بينهما حياة مستقرة قوامها الحب والود والتفاهم والرحمة من منطلق قول الله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
خلق إسلامي
في البداية تؤكد الدكتورة سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الشريعة الإسلامية شددت في العديد من المواضع على احترام الزوجة لزوجها لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أمرت أحدا بأن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، وتقول: ثم إن احترام الزوج لا يقتصر على احترامه وحده، بل يشمل احترام عمله، واحترام والديه وأقاربه وأصدقائه، وكل من يمت له بصلة، فإن احترام هؤلاء هو احترام غير مباشر للزوج، كما أن أذى هؤلاء يعد أذى للزوج .
فمن حقوق الزوج على زوجته أن تتحدث عنه بالخير وتستر عيوبه إن كانت به عيوب والمرأة الصالحة ليست فقط من تكف عن ذكر عيوب زوجها ونقائصه أمام الآخرين ولكنها تلك التي ترد عن زوجها أي اتهام بالنقد وترفع من شأنه ولذلك أعطى الحق سبحانه وتعالى بحكمته وعلمه الرجل حق تأديب وتهذيب زوجته التي لا تلتزم بما أمرها الله به في تعاملاتها مع زوجها .
وتشير الدكتورة سعاد صالح إلى أن سلاطة اللسان والتجريح والإهانة والسباب والشتائم أصبحت مظهراً من مظاهر الحوارات الزوجية خاصة بين الشباب المتزوج حديثاً، وتقول: للأسف كثير من النساء يظن أن شخصية المرأة والحرية تعني التسلط والتطاول وسلاطة اللسان خاصة في ظل جهل شديد بالمنهج الإسلامي في العلاقة بين الزوجين نتيجة غياب التربية الإسلامية داخل الأسرة، ساعد على ذلك اختلاف مسؤولية الرجل التنفيذية في القوامة واقتصار فهم العديد من الرجال بأن القوامة هي الاستبداد والإهانة مما يدفع الزوجات لانتهاز أقرب فرصة لرد الإهانة بمثلها ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى تبادل الضرب .
وتنبه الدكتورة سعاد صالح إلى أهمية أن يحترم الرجل زوجته وأن تبادله هي الأخرى الاحترام باحترام أشد خاصة أمام الأبناء ليكون هذا درسا عمليا لهم في معنى الحياة الزوجية واحترام رأي الآخر، لأن اختفاء الاحترام بين الزوجين سببها أن البعض لم يترب على الحوار منذ الصغر .
والزوجة حتى وإن اختلفت مع الزوج وكرهته يجب عليها أن تذكره أمام أولادها بالكلمة الطيبة وتحاوره بأسلوب مهذب وبحرص شديد لأنها مطالبة بطاعة زوجها إلا إذا أمرها بمعصية الخالق .
إهانة مرفوضة
الدكتور محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية والأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، يوضح أن الإسلام أقام العلاقة بين الزوجين على أساس من الحب والتفاهم والاحترام المتبادل، فتوجيهات الإسلام تحث الزوجين على اتباع ما يعمق المشاعر الطيبة ويضاعف من المودة والألفة بينهما وتجنب ما يؤدي إلى البغضاء والكراهية، وقد يجد الرجل عيوباً في زوجته أو تصرفات لا يرضاها لكن هذا ليس معناه أن يكرهها أو يبغضها أو يهينها، فقد قال الحق سبحانه: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وهذا معناه أن الزوج إذا وجد في زوجته خلقا يبغضه سيجد فيها آخر يرضاه، وأنها قد تعاب في أمر لكنها تحمد في أمور أخرى، كما تحث الآية الرجال على أن ينظروا إلى ما في زوجاتهم من حسنات ومميزات ولا يقفوا فقط عند النقائص والسلبيات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر .
ويضيف الجندي: والرجل مطالب شرعا بأن يحفظ كرامة زوجته؛ فلا يضربها ولا يمارس أي شكل من أشكال العنف ضدها، ولا يتوقف الأمر على الإيذاء البدني بل نهى الإسلام عن كل ما يسبب إهانة للزوجة ويسيء إليها، ولو كان نظرة أو كلمة .
وكذلك فان الإسلام نهى عما يمارسه الأزواج من شتم وإهانة لفظية للزوجة، بل اعتبر حسن معاشرة الزوجة واحترامها دليلاً على اكتمال الإيمان، ففي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم .
ومن هنا يحذر الدكتور الشحات الأزواج من احتقار الزوجة وإهانتها والحط من شأنها وتعنيفها بألفاظ نابية أمام الأقارب والأولاد، أما الرجل الذي يبغض زوجته ويشعر من حوله بأنه يتحملها على مضض ولا يعطي لها الاحترام المطلوب فيما بينهما وأمام الآخرين فهذا حرام ونقول له: لقد أسأت إلى نفسك وهتكت ستر بيتك وارتكبت خطأ جسيما لأن الله أمرك بقوله: وعاشروهن بالمعروف، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: استوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله .
وينبه الدكتور الجندي إلى أن الرجل الذي يعتقد أن إهانة الزوجة وتوبيخها حق مشروع له بسبب وبدون سبب مخطئ ولا يملك سوى فهم عقيم وساذج لتشريعات الإسلام لأن الإسلام كرم المرأة ورفع قدرها وأعلى شأنها ونهى عن إيذائها أو إلحاق أي ضرر جسدي أو معنوي بها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم، واعتبر الإسلام المرأة شقيقة الرجل ونصف المجتمع، وهناك الكثير من التوجيهات القرآنية والنبوية لأن يحترم كل زوج زوجته شريكة حياته وأن يعيش معها على الحب والتآلف والتسامح والتعاون .
ويدعو الدكتور الشحات الجندي كل زوج أن يحاسب نفسه على ما يقترفه في حق زوجته من أخطاء ويعتذر لها عما بدر منه دون تردد لأن هذا لن ينتقص من كرامته مطلقا، كما يدعو كل زوجة أن تتقي الله في زوجها وتبتعد عن كل التصرفات التي يضيق بها صدره ولا تستفزه حتى وإن رأت منه ما تكره .
أما الدكتور على أبو ليلة أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس فيحذر الزوجين من تبادل الإهانات اللفظية عند وقوع الخلافات خاصة أمام الأطفال، ويقول: ينبغي على الزوجين تجنب الإهانات اللفظية أو الحركية لأن هذه الإهانات تصيب الشخص في كرامته وتحدث شروخا يصعب إصلاحها .
لذا يجب السيطرة على الانفعالات خاصة في وقت الغضب، وتأجيل المناقشة في الأمور التي يجب ألا يسمعها الأطفال لوقت لاحق مع إفهام الصغير أن الخلاف مسألة عرضية وطبيعية وتذوب سريعاً .
ويرفض الدكتور أبو ليلة تحميل الزوج وحده مسؤولية غياب الاحترام بين الزوجين بسبب إهاناته المتكررة للزوجة فتبادله هي الإهانة بمثلها ويقول: لابد من دراسة الأسباب الحقيقية التي تدفع الزوج إلى ذلك . فقد حملت دراسات اجتماعية كثيرة الزوجات جزءاً كبيراً من المسؤولية، فالزوجة النكدية التي تختلق المشكلات مع زوجها، والزوجة المتسلطة التي تحاول السيطرة على الرجل وتجريده من مسؤولياته كزوج، والزوجة التي تهمل واجباتها الزوجية ومسؤولياتها الأسرية وترفض الاستجابة للنصائح والتوجيهات، هؤلاء الزوجات بسلوكهن الشاذ يتحملن جزءاً كبيراً من المسؤولية، خاصة أننا نعيش في عصر كله ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية وينبغي على الزوجة أن تعين زوجها على مواجهة هذه الضغوط وليس مضاعفتها .
اضطراب نفسي
الدكتور ماهر الضبع، استشاري الطب النفسي، يرى أن المرأة سليطة اللسان معاندة لزوجها غير مكرمة لنفسها فلا تحفظ ما بينهما من أسرار وعشرة هي غالباً ما تكون امرأة مضطربة نفسياً لا تخضع لزوجها بالوعظ والنصح ولا حتى بالهجر والبعد لأن الزوجة السوية تكفيها الكلمة بل الإشارة .
ويؤكد الدكتور الضبع أن الزوجة التي تتعرض للإهانة من زوجها بأي شكل من الأشكال سواء بالضرب أو حرمانها من حقوقها يدفعها هذا الشعور الدفين بأنه يظلمها طيلة الوقت إلى معاملته بشكل سيئ أو التنفيس عن كراهيتها له وسط أهلها وصديقاتها وأولادها كنوع من الانتقام منه .
لكن الدكتور الضبع يرى أن ذلك سيدفع ثمنه الأولاد لأنهم سينشأون في بيئة غير صحية نفسياً وسلوكياً وقد يأخذ بعضهم جانب الأم، والآخرون جانب الأب أو يتحيزون جميعا لأحد الطرفين، هذا بخلاف أنهم سيتعلمون إهانة الآخرين وقت الخلاف معهم . ويضيف: إن أسوأ ما يرتكبه الرجل في حق زوجته إهانتها أمام الأولاد أو الأهل أو الأصدقاء وتسفيه آرائها واتهامها بالتقصير وإجبارها على الاعتذار المتكرر له عن أخطاء لم ترتكبها بالقهر وأن أي جدال أو نقاش لن ينتهي لصالحها . لكن الزوج العاقل يعرف جيداً أن هذا الأسلوب سيخلق داخل زوجته نوعاً من الضغينة وتشعر بعدم الرضا عن حياتها لأنها تصبح كائنا بلا كرامة ولا إرادة وهذا يؤدي في النهاية بها إلى الشراسة السلبية التي تجعلها تمارس العنف على أولادها .