الإجابة عن سؤال: كيف نعيش؟ هو الذي يحدد درجة تمايز المجتمعات الإنسانية بعضها عن بعض ويرسم درجة التقارب والتباعد فيما بينها، وتكمن في قلب الإجابة مسألة العادات والتقاليد بدءاً من كيفية التعامل بين أفراد المجتمع الواحد بمختلف درجاتهم وانتهاء بطريقة التعبير عن الفرح والحزن. وفي مجتمعنا يتحقق أقوى مظاهر الترابط في المناسبات التي تخص الأقارب، ومدى التزام الفرد بحضور هذه المناسبات أو عدم حضورها يحدد لدرجة كبيرة الأرضية الفكرية والاجتماعية التي يستند إليها هذا الشخص او ذاك، إضافة إلى مرجعيته الاجتماعية في الحياة. فكيف ينظر شباب اليوم إلى مشاركة الأقارب في مناسباتهم؟
هلال المنصوري (18 عاماً) يقول: حضور مناسبات الأقارب نوع من تأدية الواجب أولاً قبل أن يكون متعة، ولو كانت لدي مناسبة أخرى مثلاً في اليوم الذي دعاني فيه قريبي لمناسبة خاصة به، يمكن أن أعتذر. ويضيف: هناك طريقة لتلافي عدم حضور المناسبات المتزامنة، مثلاً جاءتني مرة دعوتان احداهما من جار لي والأخرى من احد أقربائي، فحضرت حفلة زفاف جاري مدة ساعة ثم ذهبت إلى الحفلة الأخرى، فأفضل طريقة في مثل هذه الحالات توزيع الحضور على المناسبات المتزامنة مع بعضها البعض، والمسألة لا تتعلق بالرضا، وأقصى ما يمكن للمرء عمله تجاه حضور حفلة لا يريدها هو إثبات الحضور من خلال تهنئة العريس ثم الخروج من الحفلة.
ويحرص أحمد البلوشي (23 عاماً) على حضور مناسبات الأقارب لأنها في رأيه ساحة التلاقي الاجتماعي الأهم بالنسبة له، خاصة أنه لا يستطيع رؤية الأقارب الذين لا يلتقي بهم إلا في مثل هذه المناسبات لانشغال الجميع بالعمل ويضيف: هناك تراتبيات معينة يمكن أن يحدد المرء من خلالها مدى أهمية حضوره في المناسبة، مثلا عندما تكون الدعوة عن طريق الهاتف فلا مهرب من الحضور على الإطلاق، أما إذا كانت من خلال البطاقات فدرجة الأهمية تكون أقل، وإذا كان الشخص مهما بالنسبة لي، فسأحضر حتى لو كانت لدي أشغال الدنيا كلها.
ويلفت حمد عبد اللطيف البلوشي (18 عاماً) إلى أن المسألة ليست في التهرب من حضور المناسبات التي تخص الأقارب والأصدقاء، بل التهرب من ممانعة الأهل لذلك في بعض الحالات، وهنا يقع الكثير من الشباب في تناقض كبير، فهل سيلتزمون برأي أهليهم الواجبة طاعتهم واجبة أم سيحضرون في المناسبة تأدية لواجب اجتماعي في غاية الأهمية. ويضيف: في الكثير من المرات يأخذ حضور المرء المناسبة طابع رد الجميل أو الدين، فمثلاً من حضر في مناسبة تخصني وأدى واجبه على أكمل وجه فإنه سيصبح لزاما علي أن أحضر حتى لو لم أكن مدعواً والحضور لا يكون مجاملة إلا عندما تكون خاصة بمن معرفتي به سطحية، عندها ربما يكون الحضور بداية لترسيخ علاقة اجتماعية. والإنسان لا يستطيع تكوين أي علاقات من دون إيمانه بمبدأ مشاركة الآخرين في أفراحهم وأتراحهم.
علي الهلالي (28 عاماً) يقول: حضور مناسبات الأقارب والمعارف واجب من الناحية الإسلامية، ففي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم ست منها إذا دعاك فأجبه. وأكثر ما يدعى إليه المسلم في المناسبات الاجتماعية حفلات الزفاف. ويضيف: يمكن أن أتجنب الحضور عندما تكون هناك معصية في الحفلة، وأذهب لأسلم على أهل المناسبة وأعود مباشرة ويضيف: من المظاهر السلبية في الحفلات ومناسبات الأقارب تكريس الطبقية بين الناس، فيدعى الأغنياء ويترك الفقراء، وفي الكثير من الأحيان يكون عدد الحضور 100 شخص مثلاً والوليمة تكفي ل200 شخص، فيرمي الأكل في القمامة، وأتمنى لو أن مشروع حفظ النعمة الذي يطبق في رمضان نجده في بقية الأشهر، لذا أتجنب حضور مثل هذه المناسبات ما أمكنني.
ويقول سالم عبد النبي (24 عاماً) عندما يكون لدي عمل ضروري اعتذر، وأحيانا يكون العذر غير مقنع وهنا لا بد أن يكون للطرف الآخر رد فعل، فيمكن ألا يأتي إلى مناسبة تخصني أو ربما يأتي وهنا تكون الأمور بالغة الصعوبة لأنه يحرجني وكأنه يقول أنا أفضل منك. ويضيف: صحيح أن مناسبات الأقارب هي ساحة تلاقٍ اجتماعية مهمة لكن الكثير من المشكلات ينتج عن حضورها، مثلاً قد يزداد طرفان غير متحابين تعنتاً في الخصام، ويتجاهل أحدهما الآخر، أو ينتظر كل طرف من الآخر أن يبادر إلى اللقاء، إلا إذا تدخل الوجهاء. ويضيف: تحدث أحياناً المشكلات في المناسبات من طريقة ترحيب أهل المناسبة بالضيوف، فالبعض يعتبر أن عدم جلوس كبير الحفلة بجانبهم فترة معينة تعتبر لامبالاة بوجودهم، لكن الحضور مسألة ضرورية ليس فقط لتأدية الواجب بل لعدم الاضطرار إلى الكذب عند تبرير عدم الحضور، فأشخاص ما يضطرون إلى اختراع أكاذيب خطيرة مثل وفاة أحد الأصدقاء أو الأقارب.
وحسب مبارك سعيدي (25 عاماً): هناك نوعان من المناسبات، الأول يكون المرء فيه ملزماً بالحضور مثل الزفاف ومجالس العزاء، فالتغيب عن هذا النوع يؤدي الى فقدان الاحترام في المجتمع. والنوع الثاني حفلات التخرج أو الختان، وهي لا تلزم أحدا بحضورها حتى لو كانت فيها دعوة رسمية، والاعتذار عنها لا يسبب أي مشكلة كما يرى. ويضيف: حدثت معي مشكلات لعدم حضوري مناسبات من النوع الأول، وبعدما رأيت حجم الإحراج الذي سببته لنفسي أخذت قناعة بضرورة حضور كل المناسبات تحت أي ظرف.
حسن عبد الله (27 عاماً) يقول: كنت ألتزم بكل المناسبات التي تخص الأقارب فيما مضى سواء كانت المناسبة مهمة أو غير مهمة، لكن بعد فترة غياب في الخارج بسبب الدراسة لاحظت أني تغيرت، وأصبح حضوري لتلك المناسبات عبئاً علي. ويضيف: أعتقد أن المسألة مرتبطة بالعلاقات التي يكونها الإنسان في حياته، فمن يغادر أقاربه وتصبح له علاقاته الاجتماعية المستقلة عنهم لا بد أن يتغير درجة الالتزام بحضور مثل هذه المناسبات، وهذا لا يعني أني أقلل من أهميتها لكني أشير إلى تحولها مع الأيام إلى واجب شكلي لكن لا بد منه.
ويؤكد يحيى سعد (26 عاماً) أن: من الضروري حضور مناسبات الأقارب، حتى لا تحدث قطيعة معهم خاصة أن العلاقات التي نؤسسها خارج مؤسسة القرابة لا تدوم طويلاً. ويضيف: هناك صديق لي كان يعتقد انه سيعتمد في حفلة زفافه على أصدقائه بدلاً من الأقارب، وكانت النتيجة أن عدة أصدقاء فقط حضروا.
ويشير عادل السباعي اختصاصي اجتماعي الى أن المناسبات العائلية بمختلف أنواعها وأشكالها، تفرض علينا واجباً اجتماعياً ودينياً وأخلاقياً لا يجب التخلي عنه، أو عدم الاكتراث به لأن مشاركتهم تعزز التواصل الاجتماعي وتقوي الروابط الأسرية. ويوضح أن المناسبات العائلية كانت منذ عقود قليلة احدى دعائم التواصل الأسري في مجتمعاتنا العربية، ورمزا من رموز التآخي والمحبة فضلاً عن أنها كانت فرصة للصغار الذين يصغون بشغف لحكايات الآباء والأجداد في تلك المناسبات يقول: أما الآن مع عصر التلفزة والهاتف والانترنت، وقاعات الألعاب الإلكترونية، وتدخين الشيشة في المقاهي، والغزو الثقافي الذي لوث أدمغة الشباب، تأثرت سلوكيات بعضهم فحادوا عن طريق الآباء والأجداد وأصبح شغلهم الشاغل هو مشاركة أصدقائهم كل وقتهم في المقاهي ومراكز التسوق فضلاً عن مشاركة الأهل مناسبات العائلة، لذا وجب علينا أن نوجه أبناءنا، ونتناقش معهم فيما يؤدي إلى تعزيز الروابط الأسرية من أجل الوصول إلى مجتمع متماسك.