يقدم الكاتب الفرنسي أندريه موروا في كتابه «وجوه الحب السبعة»، قراءة ممتعة في أعمال سبعة من أشهر الكتاب الفرنسيين على الإطلاق، كاشفاً في قصصهم عن سبعة وجوه للحب، والقصص التي يقدمها موروا تعد من شوامخ القصص العالمية، وهي: «الأميرة دي كليف» لمدام دي لافاييت، «جوليا أو هيلويز الجديدة» لجان جاك روسو، «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير، «الأحمر والأسود» لستندال، «زنابق الوادي» لبلزاك، «علاقات خطيرة» للجنرال دي لاكلو، و«غرام سوان» لمارسيل بروست. ولم يكتف أندريه موروا، في تصويره لكل وجه من وجوه الحب السبعة، بتلخيص القصة الكبرى التي رآها معبرة عن هذا الوجه أو ذلك، وإنما جعل حديثه عن القصة مزيجاً من التلخيص، والعرض، والتحليل، والتعليق، والحديث عن مؤلف القصة، واختباراته الخاصة في الحب، ثم الحديث عن تقاليد المجتمع وعن النزعة العاطفية الغالبة على الناس في العصر الذي عاش فيه وكتب قصته.
يؤكد موروا في مقدمة كتابه، أن الحيرة بين المشاعر الإنسانية وبين الأدب، أشبه بالحيرة بين الحكومة والرأي العام، فقوة الحكومة تعتمد إلى حد كبير على الرأي العام.. وفي الوقت نفسه نجد أن الحكومة هي التي توجه الرأي العام وتؤثر فيه. وهكذا الحال في العلاقة المتبادلة بين الأدب ومشاعر الناس: فالمشاعر هي التي توحي بالأدب، وتلهم الأدباء، ومن ناحية أخرى فإن الأدب يسهم بنصيب كبير في توجيه المشاعر، بل وخلق مشاعر معينة في بعض الأحيان، ومن هنا يتأثر الحب مثلاً، في كل زمان ومكان، بطابع القصص المشهورة التي تروج وتقرأ فيهما.
ويشير موروا إلى أن الشعور بالحب ثابت غير متغير، لا يكاد يختلف بين عصر وآخر، وبلد وآخر، إلا بالقدر الضئيل، لكن مظاهر هذا الشعور، وأساليبه وألوانه، تتغير ويطرأ عليها التعديل والتبديل على مر العصور وهدف هذا الكتاب هو إيضاح مختلف التطورات والتغيرات التي طرأت على عاطفة الحب كما انعكست في الأدب الفرنسي خلال ثلاثة قرون.
الحب الفروسي
حين كان الرجال يغيبون في الحروب طويلة الأمد لم يبق في الأوطان وفي قصور أولئك الغائبين، غير خدمهم المخلصين اليافعين الذين كان الواحد منهم بمثابة التابع، لسيده أو سيدته، فلم يكن يجرؤ على أن يولي السيدة من الحب غير لونه الساذج المنطوي على الاحترام، والمنزه عن كل مطمع دنس، وانتشرت يومئذ قصص الحب الذي تغلب عليه النزعة الفروسية مثل قصة «تريستان وإيزولت»، وقصص فرسان الطاولة المستديرة، وأشهرها قصة الفارس «لانسلو» والملكة «جينيفر»، زوجة الملك أرثر وقد مهدت هذه القصص أذهان النساء لتطور غير عادي في مصائرهن وأقدارهن، فقد رأين أنفسهن فجأة هدفاً للمغازلة الرقيقة من جانب الرجل، وبفضل هذه القصص صار في وسعهن أن يفرضن على الرجال معاملتهن على أساس من الاحترام الذي يوحي به الحب الدائم المستقر.
الحب الرومانتيكي
أما الوجه الثاني من وجوه الحب السبعة، فهو الحب الرومانتيكي المنطوي على الخيال، ويسوق مثالاً عليه قصة جان جاك روسو الخالدة: «جوليا أو هيلوز الجديدة»، حيث إن جميع نساء ذلك العصر، وأكثر رجاله قرأوا «جوليا» بنفس الحماسة والانكباب، فقد كان نجاح الكتاب هائلاً رغم مهاجمة النقاد له ومنهم فولتير.
الحب كهواية
يستعرض هذا الباب من الكتاب رواية «العلاقات الخطرة» لمؤلفها لاكلو، الذي صور الحب كما يراه في المجتمع بالفعل، والمجتمع الذي عاش فيه لاكلو وصوره هو المجتمع الأرستقراطي الفرنسي في القرن الثامن عشر.. مجتمع ينعم فيه الرجال والنساء بفراغ كامل، لا يعرفون الكدح من أجل العيش، ولا يسمح لهم بممارسة لعبة السياسة التي تشغل جزءاً كبيراً من وقت الرجل في القرن العشرين، فماذا يفعل الإنسان، حين لا يجد ما يفعله غير أن يحب!؟ إن الحب يصبح عنده هواية كالشطرنج يتبادل فيها اللاعبان الغلبة.
تناقضات الحب
يكشف الأديب الفرنسي «ستندال» في روايته «الأحمر والأسود» عن وجه رابع من وجوه الحب حيث يجمع بين نوعين: العفيف واللاعفيف، بين هيام «فارتر» وأشجانه، وجرأة «دون جوان» وصراحته. .
الحب والألم
نرى من خلال رواية بلزاك «زنبقة الوادي» حب الشاب الخجول المحروم لامرأة في سن أمه، ثم حيرته حين يعلق قلبه بامرأة أخرى تصغرها، في وقت تقترب فيه العشيقة الأولى، العجوز من حافة النهاية.
عدما نقرأ صور الطفولة في قصة «زنبقة الوادي» التي يؤكد بلزاك أنها انعكاس لطفولته، نجدها حافلة بالآلام، حيث إن أمه التي كانت تصغر أباه باثنتين وثلاثين سنة كانت مسؤولة عن تعاسة ابنها في طفولته، فرغم ثقافتها وجمالها إلا أنها كانت قاسية القلب تميل إلى العبث، حتى ثارت حول سمعتها الشائعات والأقاويل بين جيرانها، ورغم ذلك فإن بلزاك هذا لم يحقد عليها أو يحمل ضغناً ضدها، بل ظل يكن لها حباً كاملاً.
الحب والضجر
سادس ألوان الحب في قصة «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير، هو الحب الذي يوحي بالضجر والرغبة في الفرار من الواقع.
وقد سخر فلوبير من الحب العميق الدافئ، وقد كتب للفتاة التي أحبها ذات يوم «يبدو أنك لا تفهميني على حقيقتي، فأنت أحياناً ترفعينني، إلى مرتبة أسمى مني، وأحياناً أخرى تهبطين بي إلى درك أدنى مما أستحق، وهذا هو داء النساء منذ القدم: فهن لا يعرفن الاعتدال، ولا يردن أن يفهمن المخلوقات المعقدة، التي هي الغالبية العظمى بين البشر! ولقد تبينت منذ زمن أن من يريد أن يعيش حياة هادئة لابد أن يعيش وحيداً، ويحكم إغلاق نوافذه لئلا يتسرب إليها هواء المجتمع.. وهذا هو السبب في أني عشت سنوات عديدة أتجنب رفقة النساء» معبراً عن أن الحب هو أحد أسباب التعاسة.
فمدام بوفاري تلك المرأة الحالمة الباحثة عن الحب الذي قرأته في الكتب، والتي تنتقل من قصة حب إلى أخرى متأملة في كل مرة أنها وجدت ضالتها، لتنتهي في دوامة من العبث حتى تلقى حتفها.
الحب والأوهام
أما مارسيل بروست في رواية «غرام سوان» فيختلف عن سابقيه في أنه لا يضفي على نسائه هالة من الكمال والجمال والذكاء تجعلهن جديرات بالحب، وإنما هو يوقع الرجل في حب نساء محرومات من المميزات التي تجملهن في عين من يراهن، فهو يصور في قصصه الحب غير المنطقي، أو الحب الذي لا تبرره ظروفه، ذلك لأنه يعتبر الحب مرضاً طارئاً أليماً يصيب الإنسان، وكما تستطيع جرثومة صغيرة غير منظورة أن تسبب لنا حمى مرتفعة، كذلك تستطيع امرأة عديمة المزايا والمؤهلات أن تجعلنا تعساء.