غرف الدردشة "حلبة صراع" بالألفاظ

التعصب الكروي والفني أبرز الأسباب
13:28 مساء
قراءة 5 دقائق

يقبل رواد مواقع الدردشة، من مختلف الأعمار على الغرف، والمنتديات، للتواصل مع أصدقائهم ومعارفهم، أو للتسلية والفضفضة. وفي هذه الغرف الالكترونية، تثار الكثير من الموضوعات، والأفكار، والآراء وما من مشكلة مادام ذلك في إطار الآداب العامة، واحترام شعور الآخرين ولكن البعض يخرج عن هذا الإطار، ويحول الشات إلى حلبة صراع، وتراشق بالألفاظ، يكسر فيها كل القواعد.

وعلى الرغم من عدم أهمية الموضوعات المثيرة لهذه المعارك في الغالب، فإنها تتطور في بعض الأحيان، إلى معارك لفظية حامية، قد تستمر لساعات، ويشارك فيها أحيانا غير شخص، ليدلي كل بدلوه، متسلحاً بما في جعبته من قاموس السباب، والألفاظ الجارحة.

أمجد قاسم، موظف، شاهد بدايات بعض هذه الخناقات، ولشدة تفاهة أسبابها، استغرب لما تصل إليه في بعض الأحيان من شراسة في التراشق بالألفاظ بين الطرفين، وبعضها يبدأ بشخصين، ثم تتسع الدائرة، فيتدخل فيها آخرون من أصدقاء الطرفين الموجودين في الغرفة. والمشكلة أن البعض لا يراعي أي حدود على الإطلاق، ويطلق العنان لكتابة ألفاظ غير لائقة وأحيانا نابية. ويحاول حسن عابد موظف إيجاد تفسير لهذه المشاكسات بين بعض رواد الشات قائلا: هذا الأمر يحيرني، فأنا أرى البعض يتبادلون كلمات جارحة، لأسباب لا تستدعي هذا على الإطلاق، ورغم هذا فإنهم يتورطون في هذه الإساءة، وكأن بينهم ثأراً، وتفسيري للأمر أنه كبت نفسي، فالمشكلة البسيطة الظاهرة ليست هي السبب، ولكن الأشخاص الذين يقدمون على فعل هذا، لديهم ضغوط نفسية ومشاعر مكبوتة، لهذا ينفجرون لأتفه الأسباب، خصوصاً أنهم يستطيعون أن يقولوا ما يشاؤون، وهم في أمان من أن يعرفهم احد.

وعن الموضوعات التي تثير المعارك في غرف الدردشة يقول أمير صعب طالب: إحدى المعارك التي تابعتها بنفسي، كان سببها مباراة في كرة القدم، وبدأ الحوار عادياً جداً بين المتحدثين في الغرفة، بالتعليق على المباراة واللاعبين، وفجأة بدأ الجميع يوجه للآخرين ألفاظا غير مقبولة، وعلى الرغم أني كنت مشاركا في الحوار، قبل أن ينقلب إلى معركة، فإنني حتى الآن لا اعرف بالضبط ما الذي قيل، وجعل الحوار يأخذ هذا الاتجاه.

ويعلق أحمد الشواب قائلا: التعصب الرياضي أحد الأسباب التي تثير خناقات كثيرة على الشات، ويظهر في أسوأ صوره، خصوصاً أن المشاركين في هذه المعارك يعلمون أنهم لن يساءلوا عمّا يقولون فيأخذ كل منهم حريته، ويتمادى بشكل مبالغ فيه، حتى إن الأمر وصل في إحدى هذه النوعية من المحادثات الى أن أحدهم توعد الآخر بالإيذاء، وأنه سوف يبحث عن عنوانه، ليصل إليه ويؤدبه، وهذا أمر يثير السخرية والاستغراب.

وتشير مي عبيد طالبة إلى نوع آخر من التعصب الجماهيري، الذي يثير مشاكل على الانترنت، وهو التعصب للمطربين والممثلين قائلة: المعارك من أجل الفنانين في غرف الدردشة، لا حصر لها، وشبه متكررة، حتى إن البعض كونوا جماعات على الشات للدفاع عن مطرب أو ممثل، مثل جماعة تامر حسني وجماعة عمرو دياب وغيرها، وفي غير مرةٍ أرى أشخاصاً يسب بعضهم بعضاً على الشات لأن شخصاً ما قال رأياً سيئاً في ممثل أو مطرب معين، فيرد عليه محبوه لتبدأ المعركة.

ويتحدث يوسف حبور موظف عن نوعية أخرى من الخناقات، يسببها الحماس الزائد عن اللزوم، بسبب ألعاب الكمبيوتر التي يشارك فيها أشخاص على الانترنت، ويدخلون في مباريات ضد بعضهم بعضاً.

ويقول: الألعاب الالكترونية مثل البلياردو والبولينج وكرة القدم، كثيراً ما تثير مشاكل بين لاعبيها، فالبعض عندما يهزم، يبدأ في توجيه السباب، وأحيانا يتجاوب معه الطرف الآخر، فيتبادلان ألفاظا جارحة.

يصف علي الغمدي طالب إحدى المعارك، التي تابعها على الانترنت قائلا: شاهدت بنفسي معركة حامية، في إحدى غرف الدردشة، تدخل فيها ما يزيد على خمسة أشخاص، لمجرد أن شخصا سخر من اسم شخص آخر، لغرابته بعض الشيء، فتدخل أصدقاؤه الذين كانوا على الشات وقتها، ليكيلوا السباب له، وهو يرد، وتطور الأمر إلى أبعد الحدود من الألفاظ الجارحة.

وتقول إيمان عبد الوهاب موظفة: أنا من متصفحي الشات بشكل شبه يومي، ورغم هذا أتجنب دخول الموضوعات التي تثير المشكلات، واعتبر الدخول في هذه المهاترات، دلالةً على عقول صغيرة، وإذا شعرت أن شخصاً مشاكساً يحاول الاستفزاز، أتجاهله تماما، حتى يزهق ويتوقف، والمرة الوحيدة التي تجاوبت فيها، بعد أن استفزني احدهم، ندمت بعدها كثيراً، بعد أن تدخل شخص آخر موجود بالمنتدى، وعاتبنا لأننا كنا نتبادل الإساءة.

كسر القواعد

يفسر د. سمير عيسى الأمر على أنه مجرد رغبة في كسر القواعد قائلا: غالباً يدخل الزائر لهذه المنتديات تحت اسم مستعار، وهذا الغموض الذي يحيط بالهوية يهيئ الفرصة له لتحطيم القواعد الاجتماعية، نظرا لغياب أي نوع من أنواع العقاب الاجتماعي، لهذا نلاحظ استخدام العبارات الهجومية التي تشير إلى المبالغة في الإساءة على الرغم من بساطة الموضوع الذي أثار الخلاف، وهذا دليل على أن الموضوع في حد ذاته ليس بذي أهمية عند من ينتهجون هذا السلوك، ولكنه مجرد ذريعة ليطلقوا ما بداخلهم من شحنة الغضب، ورغبة التمرد على كل القواعد، وتحطيم كل القيود، حتى الأخلاقية منها. ويضيف: على الرغم من أن هذه المواقع أساسا خاضعة للرقابة، ويستطيع المراقبون لغرف الدردشة استبعاد أي شخص مخالف عن الموقع، خصوصاً إذا استخدم اسلوب السباب أو الألفاظ النابية، ولكن المشكلة أن الشخص نفسه يستطيع أن يعود في أي لحظة، وكأن شيئا لم يكن باسم جديدا.

المستفزون

يشير جاسم خلف طالب إلى نوعية من زائري غرف المحادثة والمنتديات، يطلق عليهم مستفزو الشات قائلا: البعض يتورط بالفعل في معارك الشات، لاستفزازه من قبل طرف آخر، وإن كان هذا غير مقبول، لأنه دليل على أنه شخص سهل الاستثارة، ولكن توجد نوعية أخرى، تدخل الشات خصيصاً، من اجل افتعال هذه المشكلات، فيختارون أية غرفة، ثم يبدأون في توجيه عبارات سخيفة، لاستفزاز المتحدثين، بهدف دفعهم للتجاوب معهم والبعض يستجيب ويرد عليهم بالمثل، والبعض الآخر يتجاهلهم تماما، ولا ادري إذا كان لهؤلاء المستفزين أهداف معينة، أو إذا كان هناك من يحركهم، أم أنها مجرد طباع عدوانية لديهم لا يجدون غير هذه الوسيلة للتنفيس عنها من دون مساءلة.

ويتحدث أكمل عبدالرحمن طالب عن المزاح الذي ينقلب إلى معركة قائلا: الكثير من المعارك تبدأ بمزحة، ولكن مع ثقل المزاح يستفز الطرف الآخر، وهذه الخناقات ليست فقط دليلاً على فراغ الوقت، بل أيضا على فراغ هذه العقول، فليس ممكنا أن يشارك شخص عاقل أو مثقف في مثل هذه المواقف السخيفة، خاصة أن هذا السلوك يضايق باقي الموجودين في المنتدى.

ويرحب جاسم الركيبي طالب بالمزاج على الشات، للترويح عن النفس، مادام في حدود الأدب، لكنه يرفض الدخول في المهاترات السخيفة، وتبادل الشتائم لأنها، كما يرى، تعبر عن تفاهة وضيق أفق.

ويشير سالم البطي، موظف، الى أنه اختلف في الرأي مع البعض على الشات، وفي بعض الأحيان أخذ الخلاف شكلاً يفسد الود، ولكن من دون الخروج عن حدود الأخلاق، أو تبادل الألفاظ الجارحة.

وتؤكد سمر عدوي طالبة، أنها توقفت عن دخول غرف الدردشة قائلة: لأن أغلبها سباب، ليس فقط في المعارك، بل حتى في الحوار العادي من دون مراعاة لباقي الموجودين.

ويرى د. عبدالمحسن سعيد، أستاذ علم الاجتماع، أن المنتديات وغرف الدردشة سلاح ذو حدين، وأن ما يدور في أروقتها يعكس الطريقة التي يفكر بها المشاركون.

ويقول: البعض يلتزم وتكون بالنسبة له وسيلة للتنفيس، أو لتبادل الأفكار ووجهات النظر، والبعض الآخر يستغلها كوسيلة للسب والقذف، من دون عقوبة، وبعضها أيضا يكون موجها ومقصودا، وتحركه جهات مجهولة، لخلق خلافات من نوع خاص، فيستدرج من يمثلها زائري المنتدى، حتى يخلقوا الشقاق بينهم بشكل علني لأغراضهم الخاصة،

ويضيف: يجب ألاّ ينجرف زوار المنتديات الالكترونية، الى هذا الخلاف غير الحضاري في الرأي، لأنهم بذلك يسهمون في تحقيق أهداف هؤلاء، في خلق الشقاق بين الشعوب، وهناك مواقع معروفة بعينها لهذه النوعية، مليئة بالمعارك اللفظية التي توحي بالتعصب الشديد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"