قراءة في رواية "حلم كزرقة البحر" لأمنيات سالم

بنية سردية قامت على جملة ثنائيات
05:42 صباحا
قراءة 8 دقائق

من المعروف أن الروايات الإماراتية التي اهتمت بعالم المدينة، وكانت لها رؤية واضحة منها قليلة نسبيا، وهو أمر يعود إلى الحداثة النسبية لتجلي المظاهر المدينية والتحديث في المجتمع الإماراتي، ولانشغال بعض الروائيين بالموضوعة الروائية وشخصياتها والحبكة على حساب إنضاج رؤية ما محددة تجاه المدينة، أو المجتمع، أو العالم المحيط بتلك الشخصيات .

تنتسب رواية حلم كزرقة البحر للكاتبة أمنيات سالم إلى النوع المعروف ب (النوفيلا) أو الرواية القصيرة . وليس الحجم وحده ما ينسبها إلى هذا اللون، بل طريقة المعالجة المحدودة غير البانورامية(أفقياً وعمودياً)، فضلاً عن اعتمادها على تقنية الصوت الواحد وأسلوب استرجاع الشخصية لذكريات الماضي، ما يقرّبها من نوع ما يعرف بالرواية السيرية، أو السيرة الروائية . لكننا لا يمكننا نسبتها إلى هذا اللون الأخير، لعدم النص على ذلك أو التصريح به كتابة من قبل الكاتبة، وهو ما يعد شرطاً من شروط المواضعة على هذا النوع لدى النقاد الغربيين .

تقوم رواية حلم كزرقة البحر على شخصية واحدة، تستبد بالسرد والمنظور السردي بدءاً وانتهاء، إذ تنطلق من خلال سرد ذكريات امرأة في مرحلتي صباها وشبابها وانشطار حياتها بين المجتمع القديم الذي عاشته وترعرعت فيه، والمجتمع المديني المفارق الذي انتقلت إليه، لتنتهي وهي في حالة أشبه بالفصام، حالمة بعالم غير عالمها . . زماناً ومكاناً، فضاء وبشراً وعلاقات .

الفضاء الروائي

لقد عاشت الشخصية طفولتها في حي فريج قديم من إمارة رأس الخيمة، ينتمي إلى علاقات اجتماعية تقليدية، أبرز ما يميزها معرفة السكان، بعضهم لبعض، ومساعدتهم للآخر، وتقاربهم مباني وقلوباً وأفكاراً:

الجزيرة التي شهدت طفولتي وشباب أبي . . .كانت بيوتها صغيرة ومتراصة ومتآلفة .

لم تكن تلك البيوت المتضامة المتآلفة هي أبرز ما يميز عالم البيت القديم في الشرق لدى طفلة الأمس التي كبرت، بل كانت ثمة مفردات ومظاهر وذكريات ومشاعر لا سبيل إلى طمسها أو نسيانها أو مقارنتها بأي من مظاهر أو مفردات أخرى، مهما بلغت من النضارة والحداثة والتقدم . لقد كان الفضاء المفتوح الذي يحيط بعالم الفريج، ممثلاً في فضاء الشاطئ وفضاء الصحراء، وأفقهما المترامي، إلى جانب الطيور التي هي علامة من علامات ذلك الفضاء المضيّع:

أركض نحو البحر جارهم المخلص في تلك الجزيرة . . .أرى طيوراً غريبة الشكل تقف على الشاطئ تتطلع إلى/ أمست الصحراء كأنها السماء . . .مد البصر . . .حيث يذهب بصرك ويضيع في متاهة البحث عن نقطة نهاية . لكن في الصحراء . . .والبحر لا توجد هناك نقاط ختام ولا حتى بداية/ ومع بدء بعض أهالي الفريج في الرحيل إلى أماكن أخرى، مودعين الحي القديم، يبدأ افتقاد الصبيّة لهم ولصديقاتها، ليبدأ الإحساس بالخسارة التي سرعان ما تنتهي باستعداد أبيها للانتقال إلى بيئة جديدة، يبتني فيها بيتاً مختلفاً، تبدو فيه غرفة البنت خيالية لا تشبه غرفتها السابقة، وثمة ورق جدران ملون، ومكتب للدراسة، وموكيت أحمر اللون، وملابس زاهية الألوان، وسرير نوم من صنع بريطانيا، لكن لا جيران لهم في هذا الحي سوى بيت صغير فيه بنت صغيرة، وهو ما جعل الصبية التي غادرت البيت الطيني إلى آخر أسمنتي، وودعت المدرسة إلى أخرى، ترى في هذه المظاهر الجديدة ضياعاً واغتراباً، في وقت تبدو فيه مفردات عالم الأمس مصدر سعادة وانتشاء، بما في ذلك الرمال التي ترى أن قدميها الحافيتين لم تلمسا رملاً أجمل ولا أنعم منه مرة، وبأنه كان أكثر حناناً عليها من فرحها حين كانوا يسقطون من الجدران التي يتسلقونها في لهوهم ولعبهم عليها .

لقد بكت الفتاة في ذلك اليوم الذي علمت فيه بعزم أبيها على الانتقال، وهربت إلى النوم مبكرا وهي تستشعر وحشة حقيقية .

ولم تكن وحدها من يهفو قلبه إلى الفريج وعلاقاته ويتعلق بالبحر وأفقه ومفرداته، بل كان الأب يشاركها الإحساس نفسه، مثلما تشاركها الجدة ذلك، حتى أنهما لا يبدلان غداءهما بالسمك، فهم لا يعرفان للحم أو الدجاج طعماً .

لقد تعلقت البنت ببيوت الفريج القديمة لأنها عاشت بين جدرانها الطينية التي كان طين جدرانها مصنوعاً من عرق أهلها وتعبهم لا كمدن الأسمنت الجاهزة، ولأنها احتفظت بين زواياها وشقوقها بذكريات الطفولة والشقاوة الجميلة والحرية الممنوحة لهم في المرح بين الرمال والشاطئ والفضاء الفسيح، في حين لا نجد أختها الصغيرة تشعر بأي من هذه المشاعر؛ لأنها لم تكن لها من ذكريات في الحي القديم، بل كانت نبت بيئة مدينية حديثة ونتاج العمارات الأسمنتية الشاهقة التي لم تعرف البحر والرمل واللهو مع الصديقات والأزقة وحب الجدة، ما جعل الأخت الكبرى(الراوي) تنظر إليها بعين الرثاء والشفقة:

بأي ذكريات ستحتفظ . . .من ستحب من رفيقاتها . .وبأي رمل ستلهو وتدفن يدها به لتخرج البعو والألعاب التي كنا نشارك الرمل . . .إنها ابنة التكنولوجيا واللغات الأجنبية . . .والنظافة الزائدة كأنها مغسولة على الدوام . لن تعرف معنى الأزقة وأبناء الجيران والرمال الناعمة والشاطئ العذب كالسماء . . .ولن تبكي جدتها . . .ربما ستخسر عبقاً رائعاً . . .وسحراً خاصاً . . .وذكريات طيبة .

لقد كان الفريج كهيكل مادي، بجدرانه وسطوحه وأزقته ورمله وبحره وطيوره، وبعلاقاته الإنسانية من محبة وفرح وحزن لموت أي فرد من أفراده باعثاً كبيراً وراء تشكل مشاعر شخصية الفتاة(الراوي) في هذه الرواية، بل كانت العادات والطقوس التي نشأت عليها الفتاة وافتقدتها عبر الكبر سبباً إضافياً لهذا التعلق الكبير بالحي القديم، فقد كانت الجدة تدهنني بدهان له رائحة نفاذة زيت الصندل ربما . . .أتخلص منه أفر هاربة للبحر المقابل لبيتها في الجزيرة التي شهدت طفولتي وشباب أبي . . . .

من هنا فقد أحست الفتاة بالاغتراب والوحشة إثر تجربة الانتقال المفاجئة، حتى وصل الأمر بها إلى حد إنكار صورتها الجديدة التي بدت فيها:

أنظر لنفسي في المرآة من هذه الفتاة المسرحة الشعر النظيفة جداً ذات الثوب الحريري الفخم . . .أين ذهبت تلك الصغيرة، القطة التي تكره الاستحمام لأنه يشغلها عن اللهو فوق جدران البيوت والتسكع بحثاً عن مقلب طريف توقع به إحدى رفيقاتها .

من الرفض إلى الاغتراب

لقد كان هذا الاغتراب إيذاناً بنمو وعي تجاوز حدود النفور وعدم الرضا، ليشكل موقفاً كارهاً للمدينة ومساوئها، وإثارة شكوك وأسئلة تجاه حقيقتها ورفاهيتها، متعلقة بما بقي لها من مفردات الزمان القديم(البحر، الجدة، الأب):

أردت أن أقول له لا تموت . . تترك عمري كما فعل الشرق والأزقة والرفاق . . .لا تفقد لي طفولتي من جديد/ البحر هو الوحيد المخلص وهو القابض على ذكرى الخبز الذي يأبى العبور . . .هو الحلم الأخير الذي لم ينشد أناشيد الأسمنت ولم يبح بأسراره ولم يمنح نفسه لأحد . . .وبقي هو . . .والبحر نهاية العالم . . .وخاتمة حكايات وتفاصيل وأساطير هذه الكرة الأرضية العجيبة/ كيف أحكي لها عن روعة المدينة . . . عن زهورها الملونة كأثوابها الزاهية . . .عن المباني التي تحتل الأرض الشاسعة كأنها فطر تضخم فجأة/ كم هي صعبة هذه المدن الغريقة بالزحام والأنفاس والأبواق . . .كأن كل شيء ارتدى زياً غير زيه . . .حتى الرفاهية تدعي ذلك . . .وهي بعيدة عنا . . .أنعيش حقاً رفاهية المدينة/ أين ذهب البحر في الحلم . . .وأين رحل في الحقيقة . . .زحف الأسمنت فحاصره بسواد أبيض يبعده عني . . .وعن ولعي به . . .أبحث عن شخص ما لأخبره أني حلمت بها وضيعت البحر . . .فلا أجد أحد(كذا) يلتفت للجنون .

ويذهب الوعي بالفتاة بعيداً، إذ لا ترى أختها وأبناء جيلها ممن لم يعش حياة المجتمع القديم وحدهم من حرموا من متعة الحياة وذكرياتها الحقة التي لا تعوض حسب، بل ترى حتى أولئك الذين سكنوا في حيهم القديم بؤساء أشقياء لا يملكون ذكرى ما في هذه البيوت الغريبة عنهم، وهم يختلفون عنها في كل شيء .

وتتسع دائرة عمري . . .لأنسى أن هناك عمراً ملوناً خلفته في ذاك البيت الذي يسكنه غرباء الآن . . .وتلك الأزقة التي يسير بها صبية لونهم ليس كلوني ولا روحهم كروحي ولا شعرهم كشعري المسدل من غير تسريح . . .صبية لا يعرفون سالم الذي انتهى في البحر يرافقني في رحلات اكتشاف الشارع وجديد دكان مموه . . . غرباء مثل أهلهم لا يعلمون أي ذكريات عاشت بين جدران لا يعرفون منها إلا الأسمنت والتشقق ./ كم هي صعبة هذه المدن الغريقة بالزحام والأنفاس والأبواق . . .كأن كل شيء ارتدى زياً غير زيه ./ أسأله أن ننام في الصحراء . . .أن نغفو هذه الليلة تحت القمر والسماء التي لا يعكر صفوها العمارات الشاهقة وسحب الدخان القادمة من عوادم السيارات .

وإذا كانت نغمة الشجن هي أبرز ما يميز رواية الذكريات التي نتناولها هنا، فإن ما عمق من هذا الشجن ليس هذا الانتقال المفاجئ في عوالم المرأة طفلة وصبية فحسب، وإنما ما آل إليه حال الحي القديم من خراب وإهمال أعقب الهجر .

كان الخراب يحتويني بأطرافه المثلومة، كل شيء أمسى مهجوراً . . .قلبي وورقي وذكرياتي حتى الأماكن التي أحببت، تلك الجزيرة التي حولتها الأطلال إلى قطع فنية موغلة في التجريد والتفاسير الصعبة . . .كانت مأوى لأبي . . .غفلة لا يعي غيرها . . .ولم يجب شيئاً كما أحب ذلك المكان .

يلاحظ على مستوى البنية السردية لرواية حلم كزرقة البحر أنها قامت على جملة من الثنائيات، من مثل:

القديم والجديد/ الطين والأسمنت/ البحر والصحراء/ الفضاء الخانق والفضاء المفتوح/ الانتماء والضياع/ الفقر والبحبوحة/ الحميمية والاغتراب/ الجدة والحفيدة/ الأزرق والأسود .

من الاغتراب إلى الوعي بالتحرر

لقد حدث تحول في وعي الفتاة الشابة في الجزء الأخير من الرواية، لتجاوز حالة الاغتراب والتشتت إلى نشدان الانعتاق والتحرر، وإن بدا هذا المتغير في وعي الشخصية مفاجئاً لم يمهد له على نحو كاف، بسبب من طبيعة النوع الروائي الذي كان يتطلب مساحة أكبر وامتداداً يتيح للرواية ألا تقف عند الحدود التي وقفت عندها .

سيميولوجيا العنوان

لقد تنازع كل من الصحراء والبحر اهتمام الشخصية الرئيسة وعشقها، لكن البحر خُص باهتمام أوضح، فهو مصدر حب الجميع؛ الأب والجدة والبنت، كما أنه الوحيد الذي لم يتغير وظل كما هو عليه، يأبى التناغم مع عالم الأسمنت الخانق .

من هنا سر تردد مشهد البحر وذكره على امتداد الرواية، واتخاذ لون الزرقة الخاصة به رمزاً لعدد من المعطيات السردية، فقد حمل باب الدار الجديدة لوناً أسود خلافاً للون الباب القديم، مثلما تغير لون باب المدرسة الجديدة إلى الأسود بعد أن كان لون باب المدرسة القديمة أزرق، كما تغير باب الدكان الجديد إلى اللون الأسود أيضاً، في محاولة لتحويل معطى اللون إلى علامة ومدلول لا يخلو من إيحاء رمزي، بل إن هذه الزرقة قد أضحت في الكلمات الأخيرة للرواية علامة على الحرية التي ظلت تله جبها الشخصية المحورية، وتتمنى لو أنها تلغي اللون الأسود، وتبحث عمن تعشقه، لتلونه بالأزرق ليكون بحرها وسماءها وأحلامها وحريتها التي تنشد .

لقد ظللت الزرقة إذن عالم الرواية بفيضه على مفرداتها وحيوات شخصياتها وأحلامهم، ومن هنا نستطيع أن نفهم دلالة العتبة الرئيسة في الرواية والمتمثلة في عنوانها حلم كزرقة البحر ودلالتها الرمزية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"