تعيش الشاعرة ميسون صقر حالة من توهج الكتابة، تجعل من يقرأ إبداعها يجد نفسه مشدوداً إلى أدواتها اللغوية الثرية، وبمقدرتها على الجمع بين الإنساني والمؤنسن، والواقعي والمتخيل . أصدرت ميسون صقر أكثر من اثنى عشر ديواناً منها: هكذا أسمي الأشياء، جريان في مادة الجسد، البيت، مكان آخر، تشكيل الأذى، كما أصدرت رواية ريحانة، وأقامت ستة معارض تشكيلية، كما شاركت في العديد من المهرجانات الشعرية العربية، ولها فيلم قصير بعنوان خيط وراء خيط . أصدرت مؤخرا ديوان جمالي في الصور، وكان هذا الحوار .
جمالي في الصور هو عنوان ديوانك الأخير الذي جاء مقسما إلى أجزاء، ما سر هذا التقسيم؟
- اعتدت منذ فترة طويلة على تقسيم الديوان إلى أكثر من قسم، وكل قسم يؤدي إلى الآخر، وهذا حدث في ديوان مكان آخر، وحدث أيضا في الفيلم التجريبي القصير، فكل خيط يسلم إلى الآخر، وكل عنوان يسلم إلى العنوان التالي، وجاء الجزء الأول تحت عنوان: عيون تتبعني في المنام، موجها إلى العيون التي أصيبت في الثورة المصرية مؤخراً، وجاء عنوان العابرون إلى الرؤية لكي يتناول فكرة العيون التي أصيبت ولا ترى، فهي عيون عبرت إلى الرؤية، رؤية مصر بشكل جديد، رؤية الثورة، رؤية حياتهم، وهذا يوصلني إلى فكرة الغياب جاء لأن كل شيء له نهاية، وكل شيء له غيابه، وما نملكه نخسره، وما يكون لنا الآن، نفقده بعد فترة، ونسلمه للغياب أو الموت أو الفقد، حتى أجسادنا ووجوهنا تذهب إلى الشيخوخة، وأرواحنا تصعد إلى الله عز وجل، وبالتالي لا توجد ملكية كاملة في هذا الكون، ولذلك أقول في الجزء التالي: لا مرارة بيننا وأتساءل: لماذا نفعل هذه المرارات طالما أننا نفقد كل ما نملكه؟! وهنا أنظر إلى فضيلة التسامح بشكل أكبر، هذا التسامح كان واضحا في موضعين من دواويني: مكان آخر والآخر في عتمته، حتى وهو في هذه العتمة، فهو آخر بالنسبة لي، وكذلك فيلم خيط وراء خيط يكرّس لفكرة التسامح بين الأديان . نأتي إلى الجزء الأخير من الديوان، وهو تحت عنوان جمالي في الصور أتكلم فيه عن الصور العديدة، وكل هذه الصور ليست أنا، لأنني في الواقع وفي ديوان رجل مجنون لا يحبني كنت أضع الصور كلعبة بين اثنين لبناء قصيدة تعتمد على هو وهي، ثم تنتهي بفكرة التسامح، أيضا حين أقول: لم يكبر، هناك اختلاف كبير بيننا، كل ما هنالك أن صورتي كانت ملونة، وصورته بالأبيض والأسود، هذا داخل الصور، لكن في الواقع هناك اختلاف كبير .
وحين كتبت ديوان البيت تراءت لي صورة البيت، وحين كتبت الآخر في عتمته ظهرت لكل منا صورة الآخر، الذي ذهب إلى عتمة ما، هنا تسامح بين الأفكار في الصور، فأصبحت الصورة جمالياتها بعيداً عن الحقيقة، فمثلا الصورة التي تكشف حالات الجوع في إفريقيا وتفوز بأفضل جائزة تصوير صحفي في العالم تصبح صورة جميلة لواقع مؤلم، وكذلك صورة الشهداء وهم يبتسمون أو صورهم القديمة، تظهر شخصياتهم أكثر جمالا في الصور وليس في الواقع لأنهم أموات، كذلك صورة امرأة تجاوزت السبعين من عمرها صورها جميلة في شبابها، لكن في الواقع لا .
الحس الصوفي له حضور قوي في الديوان، هل يمكن القول إن القصيدة لديك هي تأويل للعالم على نحو شعري؟
- بالفعل الجانب الصوفي موجود بشكل واضح في الديوان، لكن ليس بالمعنى الديني الصرف أو الصوفي المذهبي، لكنه في التصوف العارض أو الزاهد في العالم، ومن هنا كانت فكرة التصوف هي فكرة كتابة شعرية أكثر منها فكرة حياتية، خاصة أن الشعر ينهل من الحياة، وللأسف نحن ننهل من الثقافة أكثر مما ننهل من اليومي أو الحياتي، ولذلك ذهبت قصيدة النثر إلى فكرة الكتابة على الكتابة، وليست الكتابة من الحياة أو التجارب، ومن هنا فالتصوف جزء من الديوان وليس كل الديوان .
وعند وقوع أزمات في واقعنا نتجه إلى الجزء الحقيقي داخلنا، وندخل إلى ذاتنا أكثر، فنصبح ملتصقين بما هو حقيقي عكس الذين يصرخون في الخارج ويجرفون الداخل لمصلحة الخارج .
وبالنسبة لي كان من الطبيعي في لحظة تغيير مثل التي حدثت في الفترة الماضية في العالم العربي أن يكون صراخي إلى الداخل وليس إلى الخارج، وكانت مشاركتي من خلال الكتابة، لكن مشاركة العارف بقدراته والعاجز بإمكاناته، لذلك جاء الديوان ليبدأ بفكرة الثورة، لكن أتحدث عنها فقط ليس كمشاركة لكن كمشاهدة متأثرة عاجزة، وأجد فيها الجزء الإنساني من موت وعنف وارتباك تجاه الإنسان والمرأة والجسد الإنساني، سواء عنفا بالضرب أو عنفا في إصابات العيون التي كانت واضحة، سواء في العنف ضد المرأة، كما حدث في مصر أو ضد الأطفال كما حدث في سوريا، كل ذلك كان يربك فكرة الحق المشروع وهيبة الجسد الإنساني، وجميع هذه الثورات وقعت في الدول الرئاسية العسكرية التي قامت بانقلابات عسكرية وكانت أمل العالم العربي في فكرة النهوض بالدولة نفسها، لكنها للأسف أثبتت فشلها وخيبة التصور تجاه مستقبلها، ومن ثم فإن هذه الدول التي تدعي الحداثة كانت بذرة الفساد تنخر فيها وأي قصيدة هي تأويل وتفسير للعالم على شكل شعري، والكتابة ليست مرادفا للحياة إلا لمن يكتبها فقط، حين نكتب عن الثورة سوف نثور بشكل شعري، لكنها ليست ثورة حقيقية في الواقع، وهذا ما يقوم عليه ديواني .
ما فلسفتك الجمالية للصور في الديوان؟
- هناك تعدد للصور الشعرية واللغوية في القصيدة، وهناك الصور الفوتوغرافية أو صور العالم المتعدد أو الصور المتعددة للعالم، والحلم دائما أجمل من الواقع، فالجمال يظهر في الصور بشكل مختلف عما هو في الواقع .
في بداية تجربتك الشعرية كنت تراهنين على نقل الأفكار الإنسانية في علاقتها بالزمان وفي علاقتها بالعالم، لكنك الآن تراهنين على قضايا معينة تعبر عن صوت الذات الشاعرة في ارتباطها بقضايا مثل الوطن وقضايا فكرية أخرى ما سر هذا التحول؟
- أليست إصابة العيون أو العنف تجاه الجسد، خاصة الجسد الأنثوي، والموت المتناثر داخل هذه النصوص وأيضا الحب المتناثر داخل هذه النصوص؛ هي أحاسيس إنسانية؟! أليس الجزء الخاص بالثورة أو الجزء الخاص بكلمة جمالي في الصور أو عنوان لا مرارة بيننا أحاسيس إنسانية كاملة تدعو إلى نبذ العنف والتمعن في الجمال والذهاب إلى التسامح، ثم الحديث عن العابرين إلى الرؤية، وفكرة الرؤية نفسها التي تتسع ليس بمرأى العين لكن الرؤية الذاتية الداخلية الأكبر والأشمل، كل ذلك أليس أفكارا في عالم الواقع الخاص والعام؟! بل بالعكس أشعر بأنني ذهبت إلى الخاص في ديواني السابق أرملة قاطع طريق إلى العالم المؤلم في جمالي في الصور .
وطوال الوقت يذهب الكاتب إلى الإبداع حاملاً هاجس الأفكار، لكنه في كل مرة يكتبها من زوايا مختلفة، وكأنه يقلب هذه الأفكار والرؤى على نيران هادئة، مرة من خلال الواقع العام وأخرى من خلال القارئ الذي يستوعبها .
تقولين في الديوان: أنزلت الأيام الماضية رطبا جنيا في نخلة عالية ما العلاقة بين ذاكرتك وكتاباتك؟
- عندما أكتب عن الخاص بي لا أكتب عن ألم لم أعان منه، سوف تكون كتابة على الورق من دون أن تكون حقيقة مؤثرة، أنا لا أكتب عن أشياء لا أعرفها، أكتب عن هذه الذاكرة المرئية من كتابات أخرى، لكن دائماً أستدعي من ذاكرتي الذي لم يكتب عنه مثل النخيل في فناء منزلي، أنا لم أشهد زراعة هذا النخيل، لكنه أصبح جزءًا من يومياتي وتفاصيل حياتي اليومية .
يؤرقك باستمرار ضحايا الثورات من النساء والأطفال خاصة؟
- هذه فكرة دينية في الأساس تحدد موقف الإسلام من الأطفال والنساء والشيوخ بعدم التعرض لهم، لكن في النهاية أنا لم أكن مشاركة بشكل فعلي لكنني كنت متابعة لهذه الأحداث في العالم العربي، باعتباري جزءًا من العالم الذي أعيش فيه، فمشاهد العنف والقتل التي وقعت لم يكن لها مثيل، خاصة في سوريا، وأنا أتكلم عن الجانب الإنساني وليس عن الثورة وأنظمة الحكم، فالشرط الإنساني مقرون بالرحمة، وأصبحت مشاهد العنف متكررة في التلفزيون، فالعنف يولد العنف، وفكرة الشعر تخرج من فكرة القيم والأحاسيس، فأنا لم أكتب عن انحياز لطرف ضد طرف لكن كتبت عن مشاهد العنف التي وقعت في هذه الفترة .
تستدعين نماذج تراثية في الديوان مثل: هشام بن عبد الملك، وشهرزاد وشهريار، فهل هو حنين إلى الماضي؟
- حينما نعاني من أزمة نلجأ إلى الماضي للاستقواء به، وأيضا الاستفادة من قراءاتي، فأنا ابنة هذه اللحظة، وابنة اللحظات السابقة ولست منزوعة من تراثي، وأنا ألجأ إلى هذه الرموز لكي أستفيد منها في كتاباتي الحداثية، ولا أذهب بكتاباتي إليها .
الملاحظ إخلاصك الشديد للشعر رغم تراجع مكانته؟
- الشعر لا يعول عليه في الزمن الواقعي، وأنا مؤمنة بأن الكلمة هي سلاح المثقفين، وأفضّل أن أعمل في ما أجيده وأجوّده بدلا من الذهاب إلى أماكن أخرى، والعمل الآخر هو عمل عام أعمل به في مناسبات عدة، لكن الشعر لا يبحث عن الشهرة، وهو مشاعر على الورق، والكتابة عندي لا ترتبط بوظيفة، لكنها ترتبط بشخص يستطيع التعبير عن ذاته، فالشعر هو الحياة الحقيقية، فأنا خادمة للشعر وليس الشعر خادماً لديّ، بمعنى: الشعر لا يهواني، لكنني أهواه أكثر، فالشعر هو الوسيلة الوحيدة التي أستطيع التعبير من خلالها، وأعمل من أجله .
الملاحظ أنك تؤنسنين الأشياء في الديوان مثل وصف الكون بالخائب والمنافق، لماذا؟
- دائما أشعر بأن الأشياء كلها تحوي أرواحاً، والكون ليس ما تعرف فقط لكنه أوسع مما تظن، وهذا الكون يتألم كما نتألم ويعيش كما نعيش، فالشجر يشرب ويتنفس وأنا لا أعرف هذه الأشياء لكن أعرف حياة الإنسان.