كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل عندما رن هاتف #187;نوف#171;، قفزت من سريرها والخوف يتملكها، شعرت بأنهم يتصلون بها من المستشفى، حيث ترقد والدتها المريضة منذ أشهر ردت بسرعة آلو . . سمعت صوت شاب يقول الآنسة #187;نوف#171;؟ أجابت نعم من يتكلم قال أنا دكتور سالم، لكنها من خوفها لم تسمعه، قالت هل جرى شيء لوالدتي؟ قال: لا هي بخير، قالت أرجوك لا تكذب علي فأنت تتصل في هذا الوقت لتقول لي إنها بخير؟ بالطبع هناك شيء، قل لي من فضلك، إذا كانت متعبة سآتي حالاً، قال أرجوك أن تهدئي، هي فقط أزمة صغيرة ومرت بسلام، هل اتصلتم بالطبيب؟ ماذا قال؟ هل هوقلبها أم الرئتان قد امتلاءتا ماء؟ هل شعرت بضيق في التنفس، أجابها قليلاً، لكنها بخير الآن، وهي نائمة، تنفست الصعداء قبل أن تقول له شكراً لك لقد اعتقدت بأنها لا سمح الله قد . . استغفر الله العظيم، لا تلمني فأنا خائفة عليها جداً، خاصة أنني تركتها مبكراً اليوم، وضميري يؤنبني، أجابها لا تخافي فالجميع هنا في خدمتها وخدمة جميع المرضى، والله إنكم ملائكة الرحمة فعلاً، جزاكم الله خيراً على ما تفعلونه، سمعت ضحكة مخفية فاستدركت الأمر قائلة عفواً ألست ممرضاً، أجابها كلا لقد قلت لك أنا الطبيب المناوب، اعتذرت له قائلة عفواً، لكنها تحصل للمرة الأولى أن يتصل الطبيب ليطمئن أهل المريض، فعادة ما يتصلون من المستشفى لإبلاغ الأهل إما بخطورة الوضع كي يحضروا، أولا قدر الله في حالة الوفاة، ولا يكون الطبيب هوالذي يتصل، قال لقد طلبت مني والدتك أن أتصل بك كي تأتي إليها ووعدتها بذلك، لكنني عندما وجدتها قد نامت وقست ضغطها فوجدته قد عاد طبيعيا، فقلت لا لزوم لمجيئك لكنني وفيت بوعدي لها واتصلت بك كي أريح ضميري، وأعلمك بما حصل، شكرته #187;نوف#171; من قلبها مجددا، قبل أن تقول، إن كنت تشعر بأن النوبة ستعود قل لي فسأذهب إليها وأتصل بالدوام لأبلغهم، أجابها لا أبدا، لا داعي لذلك، اذهبي غدا بإذن الله إلى عملك وعندما تنتهين تأتين إليها أتعملين دوامين أوماذا، أجابته لا أنا مديرة في إحدى الوزارات وعملي مريح جداً، أقصد ألا أحد يسألني لماذا تأخرت، لكنني فقط ابلغهم كي يصرّفوا الأعمال، ومن سؤال إلى جواب ظلت #187;نوف#171; تتكلم مع #187;سالم#171; إلى أن سمعت صوت المؤذن قالت الله أكبر، انه الأذان، كيف مر الوقت ولم أشعر، كيف أخذنا الوقت وأنت، ألم يتصلوا بك من أجل مريض ما، أجابها، حظي جيد هذه الليلة، يبدوأنهم ولله الحمد نائمون والممرضات يقمن بدورات تفقدية عليهم، ولوكان هناك شيء لأبلغنني فوراً، ثم إنني تمتعت بكلامك فلم أشعر أيضاً بمرور الوقت، أجابت هذا لأنني تكلمت أكثر منك، أصبحت تقريباً تعلم كل شيء عني، وأنا لا أعلم عنك شيئاً سوى انك تعمل في مهنة إنسانية، واسمك #187;سالم#171;، قال إن سمحت لي، اتصل بك غدا ونكمل كلامنا، هكذا أخبرك كل شيء عني، قالت حسنا لِمَ لا، أما الآن فاسمح لي أن أقوم لأصلي وأحاول أن أنام عدة ساعات قبل أن أتوجه إلى العمل، وأنت ستنام أيضاً أليس كذلك، أجابها أنا عندي النهار بكامله كي أنام لأنني أعمل الآن مؤقتاً فقط دواماً مسائياً، مع السلامة .
لم تعرف #187;نوف#171; طعماً للنوم، كانت تتقلب في فراشها وتنظر بين الحين والآخر إلى الساعة الموجودة قربها، تراها تصبح السادسة، فالسابعة، إلى أن قررت أن تقوم وتستحم كي تذهب إلى العمل، ظلت تفكر بصوت سالم الدافئ، وكلامه الرقيق، ضحكته المميزة، ثقافته العالية التي تجلت من خلال كلامه، فقالت وهي تكلم نفسها في السيارة، أيتها الغبية بالطبع انه مثقف، فهوطبيب، ابتسمت وأمسكت الهاتف لتتصل بصديقتها وتخبرها ما حصل معها في المساء، أجابتها صديقتها، طبيب مرة واحدة، ألا أقول لك انك محظوظة في كل شيء، أجابتها نوف بدأنا بالحسد، قالت لها الله يأخذ إبليسك أنا أحسدك؟ ضحكت نوف قائلة إنني امزح معك، فمزاجي رائع اليوم ولن يفسد عليّ أحد هذا الشعور الذي أشعر به، ثم خير يا طير، يعني ولوكان دكتور فأنا أيضاً دكتورة في الجامعة، ومديرة في الوزارة، قالت صديقتها لذلك أقول انك محظوظة، فمن هي في سنك لا يمكنها أن تحصل بالسهل على هذا المنصب الإداري، الذي بقي لفترة طويلة حكراً على الرجال والمتفوقين منهم، فأتيت أنت وتفوقت على المتفوقين لتحصلي على منصب يحلم به الكثيرون، على كل، المهم الآن هوالطبيب، يجب أن نعلم إن كان وسيما؟ تخيلي أن تذهبي لتريه فتجديه، متيناً جداً، أوقصير القامة، أودميم الوجه، أسكتتها نوف قائلة أنت فعلاً مفسدة الأحلام، اتركيني أرسم له صورة في مخيلتي قبل أن أراه، أجابتها اياك أن تفعلي، عندها سوف تُصدمين، يجب أن تكون في رأسك صورة بشعة عنه حتى عندما ترينه لا تشعرين بالصدمة، أجابت #187;نوف#171; والله يا صديقتي أعتقد بأنني لن أبدل رأيي مهما كان شكله، فأنت تعلمين جيدا ماذا يعجبني في الشاب، دماغه فقط، وهويبدولي انه هكذا، ثم انه مستمع جيد، لا يقاطعني وأنا أتكلم، يضحك عندما يجب أن يفعل ويحزن أيضاً عندما يجب، صوته سحرني أسرني، لقد شدني إليه فعلاً، أجابتها إذاً صحيح كما يقال إن الأذن تعشق قبل العين أحياناً، قالت لها #187;نوف#171;، قفزت من مجرد مكالمة إلى حديث العشق، أجابتها يجب أن تؤمني بالحب من الكلمة الأولى، فهوتماماً كالنظرة الأولى، على كل حال أنا بانتظار أخبارك على أحر من الجمر، يجب أن تخبريني كل شيء وبالتفصيل الممل، وإذا اتصل بك قبل المساء تخبرينني، أتفقنا، أجابت: حسناً أيتها الفضولية اتفقنا، هيا الآن لقد وصلت إلى عملي سأكلمك لاحقاً .
انتصف النهار وأنهت نوف دوامها لتنطلق إلى المستشفى وتطمئن إلى والدتها، التي ما إن رأتها حتى فتحت ذراعيها لترتمي #187;نوف#171; بينهما وتقبلها على رأسها وفي يديها، ثم نظرت إلى البقع الزرقاء قائلة فديتك يا أمي هل تتألمين منها؟ أجابتها والدتها لا يا حبيبتي لكن كما تعلمين، شراييني صغيرة وكل مرة يحاولن أخذ قليل من الدم لإجراء تحليل ما يتعذبن جدا كي يجدن شريانا، فقالت لها وبماذا شعرت بالأمس؟ أجابتها لا شيء، سألتها نوف ألم تشعري بضيق في التنفس أجابتها قليلاً لماذا؟ كيف عرفت؟ هل اتصل بك الطبيب، قالت نعم لكنني خفت كثيراً عندما فعل، قالت مسكين أنا طلبت منه أن يتصل ويطمئنك عني، شعرت بأن والدتها تخفي شيئا خلف تلك الابتسامة المحببة لديها، لكنها لم تفكر في الأمر كثيرا، بقيت معها حتى الموعد المحدد لزيارة المرضى، ثم ودعتها، تمنت لها ليلة هادئة وذهبت، لم تعرف كيف وصلت إلى المنزل لتدخل غرفتها وتجلس بانتظار اتصاله، وكلما رن الهاتف تظن انه هو، فكانت تصاب بخيبة أمل مرت الساعات، شعرت بها #187;نوف#171; أياماً، جلست إلى التلفزيون تقلب في المحطات علها تلهي نفسها بشيء لكنها رمت الريموت كنترول من يدها، ووقفت عند النافذة وهي تشعر بخيبة أمل وشيء من الحزن إذ إن الساعة قد قاربت العاشرة وهولم يتصل، قالت لعله مشغول مع المرضى، أوأن هناك حالات طارئة، اتصلت بصديقتها تخبرها بأنه لم يتصل وبأنها انتظرته طوال اليوم، فأجابتها لماذا لا تتصلين أنت به وتطمئنين إليه، قالت #187;نوف#171; أنا أتصل به؟ هل جننت، لماذا كي يقول إنني لم اصدق انه كلمني أوإنني أركض خلفه لا كرامتي لا تسمح لي، إن اتصل هوكان به وإن لم يفعل عادي، لا يهم، أجابتها صديقتها تستطيعين أن تقولي إنك تريدين الاطمئنان إلى صحة والدتك، قالت #187;نوف#171; كيف ذلك أيتها الذكية فأنا كنت في المستشفى وبالطبع سألت الممرضات وطبيبها الخاص عن وضعها، فستكون الحجة سخيفة ولن يصدقها، الأفضل ألا افعل، قالت: ألم تسألي عنه في المستشفى عندما كنت هناك، أجابتها لا، فقد قال لي إن دوامه مسائي، حسناً افعلي ما ترينه مناسباً أنا نصحتك وأنت حرة، ضعي يدك على خدك وانتظري الفرج، قالت سوف انتظر حتى الساعة الواحدة هكذا يكون قد أنهى جولته على المرضى واطمأن اليهم كما حصل أمس، وجلست في فراشها تنتظر، إنها المرة الأولى التي تشعر بأن الوقت لا يمر، كانت تنظر إلى الساعة وتشعر بأنها لا تتحرك، وعند الساعة الحادية عشرة رن هاتفها، شعرت بقلبها يخفق بسرعة، أخذت نفساً عميقاً وجلست، ثم ردت بعد أن رن عدة مرات حتى لا يشعر بأنها ملهوفة على اتصاله، قالت آلو، جاءها صوته العميق الدافئ الهادئ، وقال آسف إن تأخرت عليك، هل كنت نائمة، قالت لا أبدا فأنا كنت انهي عملا لي على الكمبيوتر، كيف حالك، وكيف والدتي من صوبك، قال إنها بخير والحمد لله، ما شاء الله عليها فهي تتجاوب مع العلاج جيداً وصحتها في تحسن مستمر أعتقد أنها ستعود إلى المنزل قريباً، قالت: أتمنى ذلك فأنا ضائعة وحدي من دونها، لماذا أليس لديك أشقاء وشقيقات، ووالدك أين هو، صمتت قليلاً قبل أن تقول الوالد تعيش أنت، توفي وهوشاب في ربيع العمر وأنا وحيدتهما، قال أنا آسف رحمة الله عليه، قالت لا تبدأ بأسئلتك عني فقد كان اتفاقنا أن يكون دورك اليوم في الكلام، ستخبرني عنك، قال اسألي ماذا تريدين أن تعرفي، صمتت قليلاً قبل أن تقول لا أحب هذه الطريقة، إنها تشعرني بأنني أمام أحد الموظفين الجدد، ضحك وقال حسناً أنا أخبرك عن نفسي وإن شعرت بأن هناك معلومات إضافية تريدين أن تعرفيها اسأليني، أخبرها بأنه تخصص في الخارج وهوطبيب صحة عامة لأنه اضطر أن يعود قبل أن يكمل تخصصه في مجال الولادة والعقم الذي أحبه، وقال: فكرة إن روحاً تخرج من روح، تجعلك تدركين أكثر عظمة الخالق، سبحان الله، فقد أنجبت سيدة في المستشفى الذي كنت به متدرباً في سنتي الأخيرة، ولم يكن هناك غيري فساعدتها على الإنجاب وعندما أمسكت الطفل بيدي شعرت بشيء لم اشعر به من قبل، كنت سأقع أرضاً عندما رأيته كان صغيراً جداً والخلاص لا يزال يربطه بوالدته، فقصصته وكاد ينزلق بين يدي، وعندما أمسكته من قدميه وضربته قليلاً على ظهره صرخ، أمسكته بين كفي ووضعته على صدر والدته فسكت وبكت هي، هذا شيء لن أنساه ما دمت حيا، لكنني اضطررت لأن أعود لأن والدتي أصابها ذاك المرض الخبيث في الأمعاء وكان يجب أن أكون بجانبها، لأن المرض كان قد فتك بها قبل أن يكتشفوه، وكانت تعيش أيامها الأخيرة، بقيت تتعذب عاماً كاملاً قبل أن تنتقل إلى رحمة الله، وشعرت بأنني لوكنت معها لكنت قد كسبت سنوات أكثر من حبها وحنانها فالدنيا أم حزنت جداً عليها ولا أزال، لم أتخط الأمر بعد، لذلك أخاف أن أترك والدي وحده فهوأيضاً ضائع مثلي تماماً، وقد أصبح كبيرا في السن وبحاجة لرعاية، وأشقائي كلهم متزوجون وعندهم أولاد، أما شقيقتي الوحيدة فهي تقسم وقتها بينه وبين عائلتها، وأخذ يخبرها عن حياته في الغربة وعندما انتهى قال هذه قصتي باختصار، سألته لماذا لم تتزوج لغاية الآن، صمت، تنهد، قبل أن يقول لن أكذب عليك أنا متزوج، شعرت بأن كل شيء قد انهار فجأة أمام عينيها، ساد الصمت بينهما لدقائق قبل أن تقول له حسنا، أنا سأعتذر لك لأنني أشعر بالنعاس ويجب أن أنام قال لا تقفلي، اسمعيني للآخر من فضلك، كنت استطيع أن اخفي الأمر عنك لكنني أردت أن أكون صادقاً معك منذ البداية، فأنا أعجبت بك منذ أن رأيتك في المرة الأولى عند والدتك، دخلت إلى قلبي من دون استئذان، أنت تعرفينني منذ الأمس لكن أنا أعرفك منذ أشهر، لم أتجرأ على الكلام معك ولم أعلم كيف أكلمك، إلى أن طلبت مني والدتك الرائعة التي تذكرني بوالدتي بالأمس أن اتصل بك، فقد أعطتني رقم هاتفك وأصرت على أن أكلمك، فقلت لها الآن لعلها نائمة أجابتني: لا تقلق فقط اتصل، شعرت بأن الله سبحانه تعالى قد استجاب دعواتي ويريد أن يجمعني بك، قالت توقف، لا أريد أن اسمع شيئا من فضلك، قال: نوف اسمعيني أنا أعلم انك ارتحت لي وإلا لما تكلمنا بالساعات الأمس واليوم، أرادت أن تبرر فقال لا داعي لأن تنكري، فنحن لسنا صغاراً بل نفهم ونشعر، فدعيني أكمل من فضلك . . كان زواجي أكثر من تقليدي وسريعاً فقد كانت والدتي رحمها الله تريد أن تراني معرساً قبل أن تموت، فحققت لها رغبتها وتزوجت ابنة عمي كما أرادت التي أعتبرها شقيقة لي وهي أيضاً، نحن نعيش تحت سقف واحد صحيح لكن كل واحد بغرفة منفصلة حتى إنني لم اقترب منها أبدا، هذا كان اتفاقنا منذ البداية فهي تحب شابا منذ أعوام لكن ماذا نفعل بالعادات البالية وإرضاء من نحبهم، وإن أردت أن تتأكدي مما أقوله سأدعها تكلمك، ضاعت نوف للحظات وهي تكاد لا تصدق ما تسمعه، قالت أيعقل هذا، إنها زوجتك حلالك، وأنت رجل فكيف استطعت ألا تقترب منها، قال صدقيني قبلتها على رأسها ليلة زفافنا الصوري، وذهبت إلى غرفتي، قررنا أن نبدأ بالقول بعد مرور قليل من الوقت، إننا لا نتفق لذلك نريد الطلاق، هكذا تتزوج من تحب وأنا أيضاً، والذي تحبه كيف يرضى بذلك، كيف؟ ضحك وقال انه صديقي المقرب والمفضل وهويعلم كل شيء حتى إنها تكلمه أمامي ويأتي إلينا ليزورنا، ضحكت وقالت اشعر وكأنني أتابع مسلسلاً تركياً، قال هناك أشياء في الدنيا غريبة عجيبة لا يفهمها أحد، لكن هل صدقتني، قالت لا اعرف فأنا لا تزال مصدومة، فقال وأنت لماذا لم تتزوجي بعد؟ مع انك ما شاء الله آية من الجمال، ومثقفة، لديك دكتوراه، ووظيفة ممتازة؟ قالت، قبل أن تنتقل إلى حياتي، هناك أشياء كثيرة عنك لا تزال مبهمة بالنسبة لي ويجب أن اعرفها قبلا، فلماذا لا ندع هذا الموضوع للاتصال المقبل، فقد اقترب وقت الصلاة؟
وإلى الاتصال المقبل بينهما، انتظروني لتكملوا قصة لم تسمعوا مثلها من قبل .