تجريف مكتبات شارع المتنبي في بغداد

جرح عميق في جسد الثقافة العراقية
14:18 مساء
قراءة 7 دقائق

تعرض شارع المتنبي الذي يعرف عند العراقيين والعرب بأنه شارع الثقافة، إلى حملة غير مسبوقة، وغير مرخصة، من قبل بعض الجهات في أمانة بغداد، حيث أدت هذه الحملة إلى تجريف الكثير من المناضد #187;البسطات#171; التي يحرص أصحاب المكتبات على وضعها أمام مكتباتهم، لأجل عرض بعض الكتب عليها لرواد هذا الشارع، وقد أدت هذه الهجمة إلى إلحاق أضرار كبيرة، بممتلكات أصحاب المكتبات .

في المقابل أدت الحملة إلى شجب وإدانة تصرف أمانة بغداد، من قبل الوسط الثقافي العراقي، وكذلك من قبل بعض السياسيين والبرلمانيين، الأمر الذي وضع الجهة التي قادت الهجمة في موقف محرج أمام الرأي العام، أمام مرجعيتها الإدارية في أمانة بغداد، حيث تم تشكيل لجنة تحقيقية في الموضوع، لمعرفة الأسباب التي أدت إلى حصول مثل هذا الهجوم على معلم ثقافي، حضاري كبير، في عاصمة الرشيد .

#187;الخليج الثقافي#171; زار شارع المتنبي واستطلع آراء بعض المثقفين، أصحاب المكتبات:

يقول أبو علي الساعدي ''صاحب مكتبة العين'' في بداية شارع المتنبي: إن الهجمة التي تعرضت لها المكتبات في شارع المتنبي، سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة، فإنها تدل على محاولة بعض الجهات لتحجيم الكتاب من الانتشار بين أبناء المجتمع العراقي، لأن هذا الشارع هو شارع متخصص بالمكتبات، وهذه الهجمة أدت إلى إيذاء أصحاب المكتبات لأنهم خسروا كثيراً من كتبهم التي تم رميها في سيارات النفايات .

وقال الساعدي: إن جمالية شارع المتنبي تتمثل في عرض الكتب على المناضد الخاصة أمام المكتبات، لأن هذا العرض يسهل مهمة رواد الشارع على اقتناء الكتب التي يرغبون بشرائها، من دون أن يتكلفوا عناء البحث عنها في داخل المكتبات .

ولفت الساعدي إلى أن هناك عملية سوء تنظيم، شهدها شارع المتنبي، خلال السنوات الأخيرة، وسوء التنظيم هذا يتزامن عادةً مع بدء العام الدراسي الجديد، الذي يشهد انتعاشاً كبيراً لبيع مستلزمات القرطاسية، لذلك يقوم أصحاب محال القرطاسية، بعرض بضاعتهم في وسط الشارع، الأمر الذي يؤدي إلى حصول فوضى عارمة في شارع المتنبي، وإعاقة وصول الكتب التي تحملها العربات إلى المكتبات التي تقع في نهاية الشارع، لأن الشارع ومنذ أن تعرض للتفجير في عام،2007 لم يعد يسمح بدخول السيارات إليه، مهما كانت الظروف . وأبدى استغرابه من الطريقة التي تعاملت بها أمانة بغداد مع شارع المتنبي، لأنها لم تقم بإنذار المتجاوزين أو تبليغهم، بل تصرّفت بشكل عشوائي، وذلك اقتراب موعد الغروب حيث يكون الشارع خالياً من الناس . كما أبدى استغرابه من التبريرات غير المنطقية التي قدمتها أمانة بغداد، لأنها غير صحيحة وتفتقد إلى الدليل وإلى الكياسة .

وقدّم الساعدي شكره الجزيل إلى وسائل الإعلام العراقية، لوقوفها صفاً واحداً ضد الحملة التي تعرض لها شارع المتنبي، لافتاً الانتباه إلى أن هذه الوقفة هي التي أسهمت في عدم حصول هجمات أخرى على الشارع وقد كانت متوقعة، فضلاً عن ذلك أن وسائل الإعلام، وبعد تغطيتها الواسعة للحدث، هي التي أدت إلى تشكيل لجنة تحقيقية في ما حصل .

أما الأكاديمي والباحث شعلان زيدان خلف، والذي يمتلك منضدة لبيع الكتب، في شارع المتنبي تضررت كثيراً أثناء الحملة المذكورة على الشارع، فقد انتقد بشدة طريقة قيام أمانة بغداد بتنفيذ حملتها الشرسة على مناضد الكتب، مؤكداً غياب القانون في دولة القانون، هذا الشعار الذي ترفعه الحكومة والأحزاب المتحالفة معها، لكنها تطبق بدلاً عنه #187;شريعة الغاب#171; على حد قوله .

وتساءل خلف عن الأسباب التي دعت أمانة بغداد للقيام بهذه الهجمة، معتمدة على قوة عسكرية، وآليات ثقيلة، في الوقت الذي كان الشارع فيه فارغاً من رواده، وأصحاب المكتبات أيضاً . وقال: إن عملية استعراض القوة التي حدثت أثناء الحملة المسائية لأمانة بغداد على مكتباتنا، تؤكد غياب القانون عند دولة القانون .

وأضاف: إن اللجنة التحقيقية التي شكلتها أمانة بغداد، بشأن الحملة سيكون مصيرها كمصير اللجان السابقة التي كانت تحقق في مقتل أعداد كبيرة من العراقيين، في ظروف غامضة، إذ إن هذه اللجان لم تقدم تقريراً واحداً للشعب العراقي عن أسباب تلك الحوادث .

ورأى خلف أن الاعتداء على شارع المتنبي، بالطريقة التي تمت، يمثل جرحاً عميقاً في جسد الثقافة العراقية، ونكسة كبيرة جداً في تاريخ #187;شارع الثقافة#171; العراقية، لأن هذا الشارع يمثل رمزاً كبيراً لهذه الثقافة وقد زاره خيرة المثقفين العرب، فطاحل الثقافة في العالم . مشدداً على أن التعامل مع هذا الشارع بالطريقة التي تمت، قد مثل ضربة موجعة للثقافة العراقية، وللعاصمة بغداد التي تستعد لكي تكون عاصمةً للثقافة العربية في العام المقبل . داعياً إلى محاسبة كل من قام بالإساءة إلى هذا الرمز الثقافي الكبير .

وقال رحيم ثامر يوسف أحد باعة الكتب الخاصة بالمسرح والسينما واللوحات التشكيلية: إن الشيء الذي لا يختلف عليه اثنان، هو أن شارع المتنبي لا يسمح لأحد المساس به وهو #187;خط أحمر#171;، لكن أصحاب بعض المناضد من باعة القرطاسية جعلوا الشارع أشبه بسوق هرج، وهذا المنظر لا يليق بهذا الشارع الكبير لذلك أقف مع الرأي الذي يدعو إلى ضرورة وجود آليات صحيحة لتنظيم شارع المتنبي من جديد، لأن هذا الشارع ليس لبيع القرطاسية، إنما هو شارع الكتب والمكتبات . مبيناً أن الوقت الذي تمت فيه مهاجمة شارع المتنبي لم يكن صحيحاً، لأنه كان يفترض تبليغ الأشخاص المتجاوزين على حرمة الشارع قبل القيام بهذه الحملة حتى يحملوا ممتلكاتهم، وبعد ذلك يأتي مسؤول من أمانة بغداد، لكي يقوم بتنظيم الشارع، بشكل يتناسب مع سمعته وتاريخه .

ولفت يوسف إلى أن ما حصل لم يكن حضارياً، لا يتماشى مع القانون، مؤكداً حصول عمليات نهب وسلب للكتب أثناء هجوم أمانة بغداد على شارع المتنبي، وهذا أمر مؤسف .

الكاتب والباحث هاشم الحسيني شدد على أن شارع المتنبي يجب أن يكون بعيداً كل البُعد عن كل التأثيرات والصراعات المختلفة، وأن يتم التعامل معه على أنه من المعالم البارزة في بغداد والعراق، لأن هذا الشارع يمثل المكان الأجمل الذي نفاخر به أمام ضيوفنا العرب والأجانب، عندما يزورون بغداد، حيث إن كل المبدعين العرب الذين زاروا بغداد، حرصوا على زيارة شارع المتنبي، لأن رؤيته تمثل طموحاً وحلماً لأغلبهم .

أما القاص والروائي رياض الفهد فقد امتعض كثيراً من تصرف أمانة بغداد الغريب والمحير في الوقت نفسه تجاه شارع الثقافة العراقية . مؤكداً أن ما حصل أظهر رسالة واضحة بأن القائمين على هذا التصرف الاستفزازي، لديهم مخاوف كبيرة جداً من الثقافة ومن المثقفين، لأنهم يفتقدون لهذا السلاح المهم، بعد أن أيقنوا أن كل أسلحتهم وكل أعمالهم لا تعادل سلاح المثقف العراقي وتأثيره في مجتمعهم .

ورأى الفهد أن ما حصل لبعض مناضد شارع المتنبي قد نقل صورة مشوهة عن الدولة العراقية التي يفترض أن تكون دولة قانون ودولة مؤسسات، تعتمد في عملها وفي إجراءاتها على أسس قانونية، حضارية لا تعتمد على قرارات ارتجالية يصدرها هذا أو ذاك، ثم بعد أن تقع المشكلة يتم تشكيل اللجان التحقيقية لكي يتم تهدئة النفوس، ومن ثم تمييع القضية بشكل نهائي . مشيراً إلى ضرورة معاقبة كل من أرسل رسالة سيئة جداً إلى العالم عن شارع الثقافة العراقية، وأن ما حصل كان قد أساء كثيراً إلى هذا الشارع الجميل والزاهي، بكتبه وبرواده .

وتمنى الفهد أن يحصل اهتمام استثنائي من أمانة بغداد في الأماكن والمنتديات الثقافية، بدلاً من مهاجمتها تحت حجج واهية، تهدف إلى إثارة المشاكل في ظل ما نشهده من أزمات متعاقبة يومية .

أما الصحافي والكاتب قحطان جاسم جواد، فقد أبدى استغرابه الشديد من ترك أمانة بغداد لمئات الأطنان من الأوساخ والنفايات في شوارع وأسواق بغداد المختلفة في الوقت الذي توجهت فيه ليلاً، وبشكل يدل على العبثية والعشوائية، نحو شارع الكتب والمكتبات والثقافة، للقيام بتجريف بعض المناضد الجميلة التي تقدم مختلف المطبوعات إلى رواد شارع المتنبي .

وأضاف أن الذي حدث مثل فعالية سيئة جداً لأمانة بغداد، التي كانت تعتقد أنها سترفع من رصيدها عند العراقيين، بإزالتها الكتب والمناضد من شارع المتنبي، إلا أن تعاضد المثقفين والإعلاميين العراقيين، قد قلب السحر على الساحر، وأحيل هذا الفعل إلى لجنة تحقيقية لمعرفة أسباب حدوثه، ومن هي الجهات التي تقف خلفه؟، مؤكداً أن المثقفين والإعلاميين العراقيين سيصرون إصراراً كبيراً على معرفة الجهة التي قامت بتنفيذ الهجوم، غير المسوغ على شارع المتنبي، لكي يتعرف إليها الرأي العام العراقي، وحتى العربي .

الدكتور حميد السعدون، رئيس الدراسات الدولية في جامعة بغداد والذي له مؤلفات عديدة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، وأحد الرواد الدائمين لشارع المتنبي، أبدى بدوره امتعاضه الشديد من قيام أمانة بغداد باستهداف شارع المتنبي، وتجريف بعض المناضد المخصصة لعرض وبيع الكتب لرواد هذا الشارع الذي يمثل الواحة الأجمل، والأهم للمثقفين العراقيين .

وتساءل السعدون قائلاً: هل قامت أمانة بغداد بتنظيف النفايات من الأسواق والشوارع والمناطق السكنية؟، وهل قامت برفع التجاوزات على الأرصفة في الشوارع العامة والأسواق من قبل الباعة المتجولين؟، وهل قامت بمنع التجاوزات على أملاك المواطنين، حتى تقوم بشن الغارة الليلية على مناضد الكتب التي يسترزق منها أصحابها؟، لافتاً إلى أن الإجابة عن هذه التساؤلات يستطيع أن يقوم بها المواطن العراقي البسيط الذي يرى بعينيه أطنان النفايات في مختلف الأماكن التي تعد ضمن مسؤولية أمانة بغداد، فضلاً عن آلاف التجاوزات وفي مختلف المجالات . وأضاف قائلاً: إن ما حدث يمثل ضربة قوية وغير متوقعة للجسد الثقافي العراقي، في وقت حرج جداً، خصوصاً إذا ما عرفنا أن بغداد تستعد لتكون عاصمة للثقافة العربية في العام المقبل .

ودعا السعدون إلى محاسبة كل الذين تجاوزوا على شارع المتنبي بهذه الطريقة غير الحضارية، مشدداً على أن مرور هذه الحادثة من دون محاسبة، سيجعل احتمالات تكرارها قائمة، خصوصاً أن البلد مازال يعاني قرارات ارتجالية بعيدة عن العمل المؤسساتي، من قبل هذا الطرف أو ذاك .

عضو اللجنة الثقافية في البرلمان العراقي، النائب ميسون الدملوجي، أكدت أن الكتلة العراقية تستنكر الحملات التعسفية، ضد باعة الكتب في شارع المتنبي .

وقالت الدملوجي إن ائتلاف العراقية يطالب بأن تطلق أسماء الرموز الثقافية على شوارع بغداد، وأن تشن الحكومة حملات واسعة لنشر الكتاب والمعرفة، وأن تهيئ شوارعها الثقافية والمعروفة على نطاق عالمي، استعداداً للعام المقبل الذي ستكون فيه بغداد عاصمةً للثقافة العربية، بدلاً من أن تشن حملات بوليسية وتعسفية ضد الكتاب والفكر .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"