ترتبط القواقع وأصداف المحار بتاريخ الإنسان في منطقة الخليج، حيث كان الصيد واستخراج اللؤلؤ عماد اقتصادها منذ القدم . لذلك شكلت الأصداف منبعاً للرزق والجمال والغذاء أيضاً، فالمحار بأنواعه المتعددة هو احد أهم مصادر الغذاء والتجارة وتزيين المشغولات اليدوية الخشبية وبعض الصناعات والأدوات التي تدخل في الديكور، في بلدان مثل الإمارات، وسوريا، ومصر، والهند، والصين . وبالرغم من تطور الحياة في الدولة، فإن الكثير من أبنائها والزوار والصيادين ما زالوا يجلبون المحار والأصداف التي يمكن للجميع مشاهدتها على السواحل وفي أسواق السمك أو في القرى والأسواق الشعبية . السطور التالية تسلط الضوء على الأصداف والمحار كمادة ألهمت العديد من الهواة من مصورين ورسامين ونحاتين، ونتحدث مع من خبروا البحار عن هذه القواقع والأصداف واستخداماتها والقصص التي ارتبط بها .
الأصداف، بحسب عبدالله سيف، موظف في أبوظبي، جزء من التراث البحري ارتبط بقصص وحكايات الأسلاف، ورحلاتهم الطويلة في عرض البحار، حيث استخدموها كأدوات في الكثير من متطلباتهم الحياتية . ويضيف: في الوقت الحالي أصبحت الأصداف منتشرة في الأسواق الشعبية بفضل بعض الهواة الذين يصنعون منها أشكالاً تراثية أو أثاثاً بحرياً، وهي إحدى الملامح البحرية الجاذبة للسياح في أماكن تواجدهم .
تصنف هذه الأصداف من قبل سكان سواحل الإمارات، بحسب صالح الحوسني، عضو جمعية صيادي أبوظبي، إلى أربعة أنواع رئيسة هي: الصدف الرملي، والصخري، والحافر، والصفد، وهو أفضل أنواع المحار، والذي يتواجد في منطقة دبا الحصن بالشارقة، ومناطق الساحل الشرقي أو سواحل رؤوس الجبال، وفي الهيرات العميقة والخيران الواقعة تحت سفوح الجبال المحاذية للبحر . والمحار متحرك في العادة، لذلك يمكن أن يوجد أيضاً في المناطق شبه الضحلة على عمق خمسة أو سبعة أمتار، وتتم المتاجرة به بشكل رئيس، حيث تستخرج منه اللآلئ ثم تباع قشرته ابتداء من 25 درهما لكل 4 كيلوغرامات، ويستفاد منها بشكل رئيس في تزيين وتطعيم المشغولات اليدوية الخشبية وأثاث الخشب في بلدان مثل سوريا ومصر والهند والصين، كونها مادة صناعية غير مكلفة . ويضيف: قيمة محار الصفد كغذاء تتراوح ما بين 80 و 100 درهم لكل أربعة كيلو غرامات . وتصل في بعض المواسم إلى 500 درهم، لأنه النوع الوحيد الذي يمكن أن يطبخ أو يدخل في إعداد أطباق إماراتية شهية مثل كبسة المحار وصالونة المحار وناشف المحار، أما الدافن أو المدفون فهو المحار الأملس الذي يجمعه الناس من الشواطئ عندما يكون البحر في حالة جزر، ويستفاد منه في مجالات عدة بعضها تجاري وبعضها شخصي .
وعلى عتبات الموج، كان للفنانة التشكيلية منى منصور، لقاء مع أصداف الإمارات، لتحملها بين يديها وترحل بها بعيداً عن الشاطئ، لتبتكر لوحات فنية غاية في الدقة والجمال، حيث قامت على مدى سنوات طويلة بتشكيل لوحات صدفية على شكل باقات من الزهور، إضافة إلى أفكار أخرى ولدت من صلب بيئة الإمارات وتراثها وعراقتها، جسدتها في لوحة حمامة السلام والأمومة وسباق الخيول والآيات القرآنية، إلا ان اللوحة الأهم بالنسبة لها تبقى لوحة إماراتي وهي عبارة عن باقة من سبع أزهار، في دلالة إلى اتحاد الإمارات السبع، شكلت من الصدف بألوان علم الدولة . وتقول: في كل مرة ذهبت فيها إلى البحر كنت اجتهد في جمع أكبر عدد ممكن من الأصداف التي كانت مرمية على حواف شواطئ الشارقة وخورفكان ورأس الخيمة، كان يستوقفني التنوع الكبير في أشكالها وألوانها التي لم أجد لها مثيلا في كثير من الدول التي سافرت إليها، هذه الرغبة الفنية دفعتني إلى التفكير جدياً بعمل جديد وفريد باستخدام خامات البيئة، ولم أجد السر إلا في الأصداف التي أبدعت منها مع مرور الوقت ما يفوق 50 لوحة من الحجم الكبير، عرض 22 منها في متحف التاريخ الطبيعي في الشارقة بمناسبة اليوم العالمي للمحيطات، إضافة إلى معرض منفرد أقيم في النادي الثقافي العربي في الشارقة . وحول ما يشجعها على الاستمرار في هذا المشروع الطبيعي، تقول: ليست الرغبة الفنية وحدها، وإنما التشجيع على الاستفادة من خامات البيئة المحلية، وحث الأجيال على البحث والتنقيب وتقصي مفردات البيئة من صخور وأصداف ورمال وأخشاب، وتشكيلها في إعمال أبداعية، فهذه الممارسات من شأنها ان تعزز الارتباط بين الإنسان والبيئة البحرية .
ويعود الصياد عبدالله المرزوقي، بذاكرته للوراء، للحديث عن عدة شواطئ في الدولة، واهم ما اشتهرت به، ومنها شواطئ مناطق دبا في الشارقة، التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بماضي الصيادين، بسبب موقعها الاستراتيجي لصيد السمك في العالم، والبيئة الخصبة المملوءة بالأصداف البحرية الكبيرة، والتي استخدموها في صناعة الخزف والنقوش التي تزين المباني، والأزرار الخاصة بالملابس . وأضاف: كان لتجارة الأصداف قديماً أصول وقواعد تتبع حيث كانت تباع بالكيلو، وكانت السفينة تجلب في الرحلة الواحدة ما يقارب 2000 صدفة، حيث كنا نستخدمها للزينة، أو في بعض الأغطية الزراعية، بينما المحار كان يستخدم قديماً كمحابر أو آنية لطلاء الأدوات الدقيقة، أو كأسلحة صغيرة .
يلاحظ الزائر إلى الأسواق الشعبية المنتشرة في كل إمارات الدولة وجود قطع وتحف مصنوعة من الأصداف والمحار والمنتجات البحرية، تباع بأسعار متفاوتة، تبدأ من 25 درهماً للقطعة الواحدة، منها ساعات الحائط، وعلب الضيافة، وفازات وفناجين القهوة، بالإضافة إلى قطع وأشكال أخرى للسياح والزبائن الذين يرغبون في الحصول على تذكارات من هذا الفن العربي، الذي يجمع الكثير من الهواة، ويدعمه العديد من المؤسسات والنوادي التراثية في الدولة . ويشير عبيد الطائي، صاحب متجر خاص بالمشغولات اليدوية القديمة في السوق المركزي في الشارقة إلى أن هواية جميع الأصداف للتزيين، جزء من فن صناعة الموازييك العريقة، والقائم حتى يومنا .
ويوضح حمد المهيري، موظف في أبو ظبي أن استخدامات قطع الأصداف والمحار والموازييك متنوعة في مجتمع الإمارات، حيث كان القدامى يعتمدون عليه في معظم أدواتهم وأثاثهم المنزلي .
ويقول: في الوقت الحالي ونظراً لتطور الحياة، أصبحنا نجمع الأصداف والمحار عن طريق بعض الهواة، ونصنع صناديق المندوس وعلباً صغيرة تستخدم كحافظة للمجوهرات، والأقلام، أو كعلبة للضيافة، وإطارات الصور وعلباً عليها رسومات لقوافل الإبل والصحارى وخرائط الدول الخليجية والخيام والصقور وتفاصيل تراثية متصلة بالبيئة المحلية .
ألعاب وزينة
استخدمت الأصداف قديماً في الكثير من مجالات الحياة، فمنها ما كان يستخدم في الألعاب الشعبية الخاصة بالبنات مثل أصداف البعو الاملس، بينما استخدم صدف الزبوت الكبير في الألعاب الخاصة بالأولاد . ومن أنواع الأصداف ما استخدم كأدوات للزينة النسائية مثل صدف الصفد الذي استخدم مكحلة للعين، ويسمى مردود الكحل .
ويعتبر الزرمباك من الأصداف البحرية الشائعة ويتواجد على مسطحات الشعاب والمياه الضحلة وعلى القاع الرملي قريباً من الشعاب والطحالب وهو يقوم بدور مهم في البيئة، وهو تنقية الماء المحيط به ويقلب التربة القاعية بطريقة دورانه المحوري على القاع وغرز الزوائد الستة في القاع . وهو من الكائنات المرغوبة لدى سكان السواحل البحرية حيث يؤكل، ويستفاد من الأصداف باستخدامها في الزينة . وليس كل أنواع الأصداف صديقاً للبيئة والإنسان، فمنها ما هو مسمم ومميت، مثل صدف الخشام ذات الأطراف الشوكية، التي تؤدي إلى تسمم الإنسان بمجرد لمس اطرافها، ويسمى حالياً صدف النورة .