في مؤسساتنا الحكومية، ثمة عامل مهم يستحق منا التقدير، ويمكن أن يمثل علامة نجاح فارقة في الأداء، وهو التفاعل الفوري مع ما يحدث، واتخاذ القرار المناسب، خاصة إذا كان الأمر لا يتحمل اجتماعات ولجاناً وقرارات وإجراءات بيروقراطية، وهو ما يمكن ضرب المثل فيه بما واكب حادث سقوط الرافعة في أبوظبي على مجموعة من السيارات وتعريض حياة الناس وممتلكاتهم للخطر، وكيفية التعامل مع حادث مثل هذا من جانب مؤسسات حكومية تطبق أرقى المعايير في خدماتها، وتنشد ذلك في تطبيقها على الواقع، ولا ترضى بخطأ من هذا النوع، وتجعله أنموذجاً في التعامل كي يحسب كل مقاول أو صاحب شركة ألف حساب في التعامل مع ما يخص سلامة المجتمع.
بلدية مدينة أبوظبي اتخذت بالأمس إجراءات قانونية واضحة بحق المسؤولين عن حادث الرافعة، من خلال إيقاف جميع معاملات المقاول والاستشاري والمقاول من الباطن، نظراً لمسؤوليتهم المباشرة عن الحادث، وأوضحت أنها تقوم بالتنسيق المستمر مع شرطة أبوظبي تمهيداً للحصول على التقرير النهائي للتحقيقات، بهدف اتخاذ المزيد من الإجراءات القانونية بحق المتسببين بالحادث، كما تعمل على إعداد تقرير مفصل حول الحادث لرفعه إلى مركز أبوظبي للصحة والسلامة المهنية، تحقيقاً لمبدأ التكامل والتعاون والتنسيق بين جميع الجهات المعنية.
بلدية أبوظبي أرادت إيصال رسالة مضمونها أن تلك الحوادث لا تمر مرور الكرام، وأنها باعتبارها مؤسسة راقية تتفاعل مع المجتمع، أرادت الاستفادة من الحادث لمنع تكراره مستقبلاً، ومعالجة كل الظروف التي من الممكن أن تؤدي إليه مستقبلاً، بحيث تواصلت مع جميع المكاتب الاستشارية والمقاولين والمطورين ودعتهم إلى ضرورة التشدد في مسألة تطبيق معايير السلامة في مواقع البناء، وتوفير أقصى مستويات الأمان، من خلال الالتزام بالشروط والمتطلبات الواجب توافرها في المواقع الإنشائية، كما حثتهم على وضع سلامة العمال وأفراد المجتمع ضمن أولوياتهم أثناء تنفيذ الأعمال الإنشائية.
الحادث كان مناسبة أيضاً للدعوة إلى الالتزام بخطة البيئة والصحة والسلامة، وتقييم المخاطر المترافقة مع كل مشروع، والتي تشكل جزءاَ وشرطاَ مهماً من شروط منح التراخيص لأعمال البناء، وذلك بهدف توفير أفضل بيئة عمل آمنة وسليمة للعمال وللمارة من مستخدمي الطرق المجاورة للمشاريع أو القاطنين بالقرب من هذه المواقع الإنشائية، من خلال التدقيق والإشراف على أعمال مقاولي الباطن وأعمال التحميل والتنزيل في المعدات الثقيلة، وخلو المنطقة من أي شخص أو معدات لا علاقة لها بعملية التحميل والتنزيل، ووضع حواجز كافية تفصل الموقع عن المارة والسيارات لتفادي أي أضرار، والتأكد من المعدات من خلال صيانتها والتدقيق عليها من طرف ثالث، واستيفائها جميع الموافقات والرخص المطلوبة لحركتها ولعملها، والتأكد من خبرة سائق الرافعة المتحركة واستيفائه للشروط اللازمة للتحميل والتنزيل في كافة الظروف والمواقع.
لا يعني أن يقع حادث مثل هذا ويعالج فقط كحادث، بل إن المؤسسات الناجحة هي التي تتفاعل معه بأهمية كبرى، وتسعى لمنع تكراره، وتدرس الأسباب والظروف كي تستفيد منها في تلاشي أي ثغرة أو تقصير من أي جهة كانت، بحيث تتحقق الفائدة للجميع.
ِراشد محمد النعيمي