في روايتك الحديثة نزهة الدلفين لماذا اخترت هذا العنوان؟
هذه الرواية كانت تحتمل أحد عنوانين: الأول نزهة الدلفين والثاني: الدلافين تزور النيل لأن أحداثها تدور في القاهرة بين ثلاث شخصيات، لكني في اللحظة الأخيرة لم أحب أن أحدد المكان عبر العنوان وذلك بكلمة النيل، فضلاً عن كون هذه العلاقات بين الشخصيات الثلاث وهي علاقات ملتبسة كانت أشبه بالنزهة، وكلمة الدلفين ارتبطت بالطبع بالأيدي، وكانت هي الوصف الأكثر دقة لأيدي الرجلين والمرأة والشكوك في علاقة هذين الرجلين بالمرأة فكانت اليد أو الدلفين هي فاتحة هذا الالتفات وربما هي مأزق الرواية الحقيقي.
ولماذا كانت العلاقات ملتبسة؟
كانت علاقة شائكة وملتبسة بين الحب وبين الصداقة، إضافة إلى أن الشكوك امتدت ليس بين العلاقة والشخوص، وإنما عادت عبر تيار الوعي إلى حياة هؤلاء في المدينة الساكنة سكون الموت، كان هناك ما يشبه الانتقاد السياسي لكل هؤلاء، وذلك عبر العلاقات اليومية التي حدثت في القاهرة، هذه العودة إلى مدن هؤلاء حاولت من خلالها أن أكشف بعضا من المأزق الاجتماعي والسياسي.
كيف تنظر إلى هذه الرواية بعد تجربة ثلاث روايات؟
لدي قلق دائم عند كتابة أي رواية وكأنما أتهيأ لمشروع الكتابة كما لو كانت الرواية الأولى.
هذا القلق الإيجابي في نظري هو محاولة وطموح لتجاوز تجربتي الشخصية الروائية السابقة، ففي لغط موتى روايتي الأولى حاولت أن أشتغل على الميتارواية وشخصية السارد الذي يحاول أن يكتب رواية ويفشل في كل مرة، أما في فخاخ الرائحة فانصرفت إلى الصحراء وإلى تعدد الأماكن وإلى تشظي الزمان عبر شخصيات ثلاث تجتمع بوساطة مصائرها في مكان واحد.
في رواية القارورة كانت التجربة مختلفة، إذ دخلت في تحد شخصي عبر تقمص شخصية الأنثى كسارد رئيسي، هذه المرأة التي تتعرض إلى الخديعة متزامنة مع خديعة احتلال الكويت، وهذه الرواية حققت لي حضوراً كبيراً على المستوى القرائي الشعري.
هل يمكن اعتبار نزهة الدلفين توثيقا لذكرياتك في القاهرة؟
أي رواية في نظري هي شظايا متنوعة من السيرة الذاتية والسيرة الغيرية، فلا بد أن يتكئ الروائي بشكل أو بآخر على بعض خبراته الشخصية، وعلى الاستفادة من تجارب الآخرين لصناعة شخصياته الجديدة ومكانها الجديد أيضاً، لذلك كانت هذه الرواية مزيجاً من الذات الشخصية والذوات الأخرى.
دائماً ما تثير رواياتك الجدل وتفضح المسكوت عنه، ما الرسالة التي تريد إيصالها؟
يجب على أي كاتب روائي أن يتهيأ أو يتوقع إثارة الحنق، وأنا لم أكترث كثيراً بما يثار حولي من ردود أفعال، سواء كانت من طبقات المجتمع المتنوعة أم من المثقفين التقليديين الذين يرون في اختراق التابو وكشف المسكوت عنه نوعاً من نشر الغسيل المجتمعي لدى الآخرين.
في المقابل أجد أن هناك حفاوة مذهلة من بعض القراء الذين أقابلهم بالمصادفة أو في المناسبات الثقافية، ما يكسبني نوعا من التوازن والشعور بالتقدير، لأن كلمة عادلة ومنصفة من قارئ عابر لا أعرفه هي في نظري أهم كثيرا من أية جوائز عينية أو نقدية ومن دراسات نقدية متنوعة.
إذا كان نصك يكشف ويكتشف فهل ساعدتك أعمالك على اكتشاف ذاتك والآخرين؟
أولا لديّ شعور بأن النص ليس كاشفاً للذوات فحسب، بل هو كاشف للواقع الاجتماعي والسياسي المحيط، هو كشف لخبايا الإنسانية، هو تنبؤ بالمستقبل اعتماداً على تحولات الآن والماضي، وبالتالي أظن أن النص لا يعني أنه خلاص ذاتي فحسب، بل هو أيضاً خلاص جمعي بكشف الذات والمجتمع، ذلك الذي يجعلنا نعيد قراءة العالم من حولنا.
كيف تفسر مفهوم الحرية؟ وهل تعتقد أن الرواية رد فعل كاف على المصادرة والاستلاب؟
الحرية هي ممارسة الحياة والتمتع بالحقوق الإنسانية دونما التعدي على حريات الآخرين، لذلك أرى أن الكتاب عموما، والرواية خصوصا، هي نوع أساسي ومؤثر لممارسة حرية القول والتعبير، وهي كانت شهادة أو وثيقة ضد المصادرة والاستلاب، منذ النصف الأخير من ستينات القرن الماضي، وحتى الآن، أظن أن الرواية وحدها، كجنس أدبي، تتحمل عبء المجتمع وتحولاته، همومه وأحلامه، أحزانه وأفراحه النادرة، نافذة الأمل فيه وجدران الخيبة، هذا النمط من الكتابة، أعني الرواية، بشكل أو بآخر، تمارس دورا حيويا، دون أن تخسر شكلها الفني وجماليات الكتابة.
الموت له حضور قوي في أعمالك كيف تتعامل مع ثقافة الموت؟
هناك فرق بين الموت في الرواية الذي يأتي كحدث إنساني حتمي، مؤثر في سياق الأحداث، وبين ثقافة تربى عليها المجتمع الذي أنتمي إليه، هناك فرق شاسع بين الموت كحالة إنسانية عامة في الرواية، وبين الموت الذي تدرجه مدارس بلدي كمادة لا صفة، أي مادة مخترعة من معلمين متطرفين، ألا ترى كيف يمكن أن يكون الصباح مختلفاً بين تلميذين، تلميذ يصحو على رائحة الياسمين من وراء الحيطان المنزلية، وتلميذ آخر يصحو على رائحة الموت، الذي يسوقه مدرس مادة علمية، كالرياضيات مثلاً، وهو يجعل أحد تلاميذ الصف الرابع الابتدائي يمثل دور الجنازة، هل تخيلت كيف يمكن أن تكون طفلا تتمدد فوق نعش كجنازة، وأصدقاؤك يحملونك إلى المقبرة، بعد أن يكفنوك، كي تتعظ، هذا هو الموت الذي أرفضه تماماً باسم الطفولة، وباسم حقوق الطفل في العالم، أما الموت الطبيعي، فهو عنصر مؤثر في الكتابة، مثله مثل الحياة والحب والقتل والهجر والمرض والولادة.
كيف تقيّم حجم الإضافة التي تشعر بأنك قدمتها للرواية السعودية؟
لا أعتقد أنني في موقع يسمح لي بأن أقيّم حجم تجربتي أو إضافتي للرواية السعودية أو العربية، فذلك دور الناقد والقارئ والناشر والصحافي وغيرهم، فهم من يملكون حق تقييم هذه التجربة وحجم إضافتها إلى المشهد الروائي.
مع تقدم العصر والانفتاح الكبير على العالم ألا تعتقد بزوال مفهوم الرقابة التقليدي من مجتمعاتنا؟
حتماً هذا صحيح، فلم يعد الكتاب هو ذاته، بل أصبحت دور النشر الآن، تصدر نسخاً إلكترونية يمكن بيعها عن طريق الإنترنت، دون المرور على الحدود والجمارك والتفتيش، لذلك لم تعد الرقابة مجدية ولا مؤثرة، وليست قادرة على إلغاء أو حجب كتاب ما.
الرواية السعودية رواية حديثة زمنياً كيف ترى حاضر هذه الرواية ومستقبلها؟
لا، ليست حديثة زمنياً، بل إن هناك قولاً يرى أن أول رواية سعودية كانت التوأمان لعبد القدوس الأنصاري المنشورة عام ،1930 وقولاً آخر يرى أن الرواية الأولى المحققة للشرط الفني كانت رواية الانتقام الطبعي لمحمد الجوهري، أي أن الرواية السعودية بدأت مبكراً، لكن إصدارات الرواية لم تتوال بشكل مطرد إلا مع الستينات، ولم تتأصل بشرطها الجمالي إلا مع الألفية الجديدة، هكذا إذن هو حاضرها، انفجار كبير من حيث عدد الإصدارات، مصحوباً بفوضى المصطلح، فهناك روايات يمكن أن تسميها مسودات روايات، وهناك ما هو أقل من المسودات، هناك رعونة في النشر، وتعجل في الشهرة، وصحافة تهلل لكل رواية بطريقة عشوائية..