عادي

رسالة اليوم ...30-03-2008

01:42 صباحا
قراءة 3 دقائق

التوثيق والمراجعة بين الأمانة والخيانة

لو أن الله سبحانه وتعالى قد حباك فيما حباك من نعم بعد نعمة العقل بحب العلوم والمعرفة، ومن ذلك علم التاريخ وعلوم اللغة العربية وآدابها. وطالعت وقرأت عن معاناة الثقاة من الأدباء والعلماء والمؤرخين أمثال ابن هشام وابن قتيبة والطبري وابن الأثير وابن عساكر وابن كثير وابن خلدون وغيرهم من الذين التزموا في حياتهم وخطوا منهجاً علمياً ساروا عليه لتوثيقهم، وقدرت الزمان الذي عايشوه والوقت الذي أمضوا حتى يخرجوا للملأ عملاً فكرياً وحضارياً وانسانياً، لأدركت أهمية العلم الذي أوجدوه، وقيمة التراث الذي كاد أن يزول فحفظوه، وكيف أنهم كانوا يقاسون ويكابدون من أجل أن ينقلوا لك معلومة صحيحة أو خبراً طريفاً بأمانة وموضوعية، فقد كانوا يعطون من أجمل أعمارهم لتظهر بعد جهد جهيد آثارهم، فكان أن كافأهم التاريخ جزاء حفظهم له، بأن خلد ذكراهم وذكرهم بجميل فعالهم كما دلنا عليهم، لنشيد بهم اليوم.

لقد اصبح التوثيق عملاً لا تخلو منه المؤسسات الرسمية المختلفة، لذلك كانت العناية والحفاظ على الوثائق التي تشتمل عليها تلكم المؤسسات من التلف والضياع ونقل ما جاء فيها بأمانة ونزاهة، كونها تاريخا، ومسؤولية عظيمة يتحملها القائمون على تلك المؤسسات، ولا يكلف على القيام بها إلا أصحاب الذمم والضمائر الحية، مهتدين بنور العلم والمعرفة، كونهم يدركون قيمة وأهمية التوثيق والتأريخ.

أما المراجعة فهي لا تقل شأناً عن التوثيق، فهما صنوان لا يفترقان كالروح للجسد، ومفتاحها بلا شك معرفة علوم اللغة العربية وآدابها، فهي الأداة التي من خلالها يستقيم ذلك التوثيق، ويصبح كالطود العظيم والبناء المحكم المتين الذي يبقى خالداً على مر السنين، فالعلماء الأجلاء ممن تحلوا بالأمانة والنزاهة والذمة والضمير، كانوا يرتدون عباءة اللغوي، عندما يراجعون ما وثقوه أو كتبوه بلغة عربية فصيحة مبينة، ولغة صحيحة ودقيقة، تنم عن سعة علمهم وجمال ذوقهم وسلامة طبعهم ورونق أسلوبهم، فكيف يخلعون هذه العباءة، بعد أن ألبسهم الله إياها، وشرفهم بها، وارتضاها عز وجل لغة لكتابة الكريم؟

ولو أنه وضع بين يدي أحدنا تاريخ مؤسسة في بلد تحول بفضل الله عز وجل الى مصاف الدول الحديثة والمتقدمة، وقبل ذلك كان فيه الأجداد، وفي كنف بره وبحره التمسوا الخير والرزق، وعاشوا على أرضه أجمل اللحظات حتى من عليهم بالذهب الأسود، فكان عهد المؤسسات الحديثة، وعاش الجمع من مواطنين ومقيمين أوفياء على هذه الأرض بسعادة وهناء، وأصبح كل ذلك التاريخ بماضيه وحاضره جزءاً لا يتجزأ من كيانكم، وكنتم أنتم العالمين الواعين والأدباء وأردتم أن تقوموا بتوثيق ومراجعة تاريخ ما يقارب أكثر من 37 عاماً، فكم من الوقت والزمان ستستغرق هذه المراجعة والتوثيق لهذا التاريخ، أو حتى لجزء يسير منه؟

إن الذي ينكر ماضيه ويتنكر له في حاضره لا مستقبل له، والذي يرى أن اعطاء وقت من العمر الثمين لمراجعة وتوثيق ذلك لا طائل منه ولا جدوى بل مضيعة للوقت والجهد، إذ يكفي لمراجعة ذلك وتوثيقه النظر السريع في أيام فإنني أجزم أن هذا المرء لا يفقه من التاريخ والماضي ومعاناة رجاله شيئا.

ويبقى التوثيق وتبقى المراجعة من الأعمال الجليلة التي ينبغي علينا أن نحفظهما.. ومن رأى خلاف ذلك أو شك فيه، فقد خان وضيع الأمانة.

منصور محمد المهيري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"