انتهى مؤتمر القمة العربية العادية ال 20 في دمشق وترك وراءه أسئلة عديدة ملحة، فعلى رغم اجماع الحاضرين على نجاح المؤتمر في الخروج بقرارات حافظت على الحد الأدنى المطلوب لاستمرار قاطرة التضامن العربي والعمل العربي المشترك بحدوده الدنيا، الا أن المهمة الأصعب التي ستواجه قرارات القمة المؤكدة على قرارات القمم السابقة، هي شق الطريق أمامها للتنفيذ، وهو ما فشلت فيه بامتياز مؤتمرات القمم العربية السابقة، ما راكم وصعّد من الخلافات العربية العربية، وعمق الأزمات العربية، حتى وصل الأمر على أبواب قمة دمشق الى خطر انفراط عقد مؤسسة القمة، ما دعا بعضهم لاعتبار مجرد انعقاد القمة نجاحاً قائماً بحد ذاته، لأنه كسر الضغوط الأمريكية الممارسة لإفشال القمة. لكن الاعتداد بمجرد الانعقاد كمؤشر رئيسي للنجاح أو الفشل يطرح سؤالاً عريضاً حول خطر نشوء معيار جديد لتقييم عمل مؤسسة القمة العربية قد ينسحب على تقييم المؤتمرات المقبلة، بعيداً عن القرارات التي تتخذها وما سينفذ منها.
ومع ملاحظة أنه سجل مجرد الانعقاد كنجاح في صالح مؤتمر قمة دمشق، حسب غالبية آراء المشاركين فيها، ومراقبين ومحللين سياسيين تابعوها وواكبوا ظروف الإ عداد لها، وصولاً الى انعقادها في الموعد والمكان المحددين، يبقى الأهم من وجهة نظر هؤلاء ما خرجت به من قرارات أعادت التأكيد على قرارات القمم السابقة، ووضعت ملفات الأزمات الساخنة في فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال على طريق حلول تتم بلورتها في الجهود التي ستبذلها بعد المؤتمر رئاسة القمة بالتعاون مع الدول العربية، وأجمعت الآراء على أن هذا الترحيل يفرض أن تسير الحلول التي يمكن الوصول اليها في مسارين متجاورين.
الأول: مصالحات وطنية في البلدان التي تعصف بها الأزمات، وتذليل العقبات التي تحول دون تحقيقها، بما فيها عوامل اقليمية ودولية ضاغطة ومؤثرة مفصلياً في نشوء الأزمات واستمرارها ومنع حلها، وبات مسلماً به عربياً أنه لا يمكن تجاهل العامل الأمريكي في مجموع الأزمات سالفة الذكر نشوءاً واستمراراً، وكذلك وطأة الخلافات العربية - العربية، التي غيبت قيام موقف عربي موحد من هذه الأزمات.
والثاني: مصالحات عربية عربية للخروج من حالتي تضارب السياسات الممارسة حيال ملفات الأزمات، وانعدام الثقة المتبادلة، وخصوصاً مصالحة سعودية سورية، وتنقية العلاقات المصرية السورية والعودة بها الى سابق عهدها .
وما قرأه المراقبون والمحللون السياسيون من رسالة مستوى التمثيل السعودي والمصري في القمة استخلاصان رئيسيان، الأول أن لا أحد يريد القطيعة، ادراكاً منه لحقيقة تأثير الآخر، وحاجته لهذا التأثير في اطار تكاملي. والثاني؛ يجب أن يتم الحل من خلال تفاهمات ثنائية قبل الذهاب الى قرار جماعي عربي ومحدد بشأن ملفات الأزمات، وخصوصاً الأزمة اللبنانية.
وأيضاً، حسب المراقبين والمحللين السياسيين فإن الفضاء الزمني لن يكون مفتوحاً الى أمد طويل لتحقيق المصالحات الوطنية، لأن الأمور المتفجرة في فلسطين والعراق ولبنان والسودان لا تحتمل التأجيل، ولأنه تم عملياً وضع سقف زمني حتى منتصف 2008 لإعادة تقييم وزراء الخارجية مبادرة السلام العربية، على ضوء المواقف الأمريكية والاسرائيلية منها.
وبدا واضحاً في القمة أن الموقف السوري ما زال يدعم الخطة العربية لحل الأزمة اللبنانية، من زاوية تتلاقى مع رؤية المعارضة اللبنانية التي تنظر الى الخطة ككل متكامل ومترابط، لا يحتمل البدء بجزء منه وتسويف ما تبقى. ووزنت الفقرة الخاصة بلبنان بميزان ذهب حتى تمنع أدنى لبس قد يوحي من قريب أو بعيد بوجود انحياز عربي لطرف لبناني ضد آخر.
وكذلك، بدا الموقف السوري حيال المبادرة اليمنية بشأن المصالحة الفلسطينية أقرب الى موقف حركة المقاومة الاسلامية حماس.
ودفع هذا الأمر المراقبين والمحللين السياسيين الى القول ان نجاح القمة في عقد مؤتمرها، وترحيل حلول الأزمات منع انفجار مؤسسة القمة، ولكنه أبقى نار الأزمات تحت رماد قرارات الحد الأدنى، وهذا هو الاختبار الأصعب لرئاسة القمة وكل الدول العربية، على حد سواء.