عادي

رسالة اليوم ... 04-04-2008

01:47 صباحا
قراءة 3 دقائق

جسد وأرواح

(كيف يعيش الأغنياء؟) طرحت هذا السؤال على نفسي وأنا أبلل كسرة خبز جافة ببعض الماء علها تلين.. فقد تبقى عندي قطعة جبن من عشاء أمس، سكبت الشاي في كوب زجاجي، فبدا لي لونه - ومن خلف الكوب شمعة تذوي - أصفر فاتحا كالحا كماء مطر يدلف من ميزاب، لا يهم.. فلم يتبق لدي الكثير من الشاي وثلاث ملاعق من السكر تكفيني حتى آخر الأسبوع، أعدت على نفسي السؤال: (كيف يعيش الأغنياء؟)

أعرف انهم عضويا مثلنا تماما، فنحن بني البشر متشابهون.. جميعنا يملك ما يملكه الآخرون، ولا يميز أحدنا عن الآخر إلا ما نغطي به اجسادنا، فإما ثياب موشاة، وإما سرابيل مرقعة، ولكنها تبقى في النهاية ثياباً تؤدي الغرض من ارتدائها، أما من ناحية الارواح التي تسكن تلك الاجساد المتشابهة، فهي متباينة جدا، فروح غمست في النعيم حتى تشربته لا تشبه روحاً احرقها قيظ الفاقة، وسحقت بين تروس الجوع والحاجة.

هناك فرق شاسع بين روح مكتفية من كل شيء، واخرى لا تجد أي شيء، فالروح الأولى تسكن الأجساد الغضة المشبعة بالحيوية التي يكاد الدم لوفرته ان ينفر من مسامات اديمها، أما الروح البائسة فإنها لا تقطن إلا اجساداً خربة لتمارس عليها طقوسها المؤلمة.

ولكن.. ماذا ان سكنت الروح المنعمة جسد الفقر؟ عدت لسؤال نفسي.. هل ستكسبه بعض الحياة؟ هل ستجد دوربها سالكة في اوردته وشرايينه أم ان اوردة الجسد المعدم ستكون غير سالكة لأنها لم تعتد مرور الحياة عبرها؟ هل سيستسيغ القلب المثقل بالوجع نبضات الحب والفرح؟ هل سيتقبل ان يصبح سعيدا لا يحمل امر الغد ولا همه؟ هل سيحتمل فيض الفرح هذا أم انه سيصاب بالتضخم وهو الذي ما اعتاد إلا هماً وغماً وألماً؟ وتلك المعدة التي ما فتئت خاوية تدندن فيصطدم لحنها بجدرانها الفارغة فيرتد صدى صوتها متضخما ليستقر في قعرها، هل ستعتاد الامتلاء أم أنها ستصاب بالتخمة من أول وجبة تزورها؟

وعينان ما اعتادتا إلا ذرف دموع في الهزيع من ذل وعوز ذاقتاه في النهار.. عينان ما اعتادتا إلا رؤية بيوت خالية.. وأطباق خالية.. وحياة خالية إلا من طلب القوت، ما اعتادتا إلا رؤية الفقر والجوع يزحفان في انحاء المكان، ويغطيان وجوه الصغار النائمين متزاحمين على لحم بطونهم.. كيف ستعتاد تلك العيون على نعيم لم تجربه من قبل قط.. على غبطة لم تمنحها واكتفاء لم تذقه؟

هل ستشرب روح النعمى ووجنتا الفقر بحمرة الحياة أم أن طول الفقر قد كسا الأديم بطبقة سميكة من الجمود والصلادة، فما عادت مساماتها قادرة على ان تشرع على الحياة؟ هل ستقنع روح النعيم ذلك الجسد البائس بأنه لن يجوع ولن يظمأ ولن يحتاج مجدداً؟ كيف سيتذوق ذلك الجسد لأول مرة مذاق الترف؟ وكيف سيجرب الشبع والارتواء؟ كيف سيعتاد الأمان؟ وكيف سيتجنب التفكير في أمر السقف الذي يدلف منه المطر، والجدران التي تنهار واحداً إثر الآخر بفعل رياح الخريف؟ كيف سيقنع اطفاله انهم لن يناموا في الغد جياعاً واضعين وسائدهم على بطونهم لإسكات نداءات الجوع المتكررة؟

هل ستقدر تلك الروح على بث كل تلك الأحاسيس في جسد ما اعتاد إلا الشقاء؟ كيف ستجنبه الشعور الذي اعتاده بالحاجة والعوز والقهر والحرمان؟

اسأل نفسي..

ثم آمرها: فلترجع الأرواح الى أجسادها.. فمن اعتاد الفقر.. أضناه الغنى.

محاسن سبع العرب خورفكان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"